من هو محمد الضيف؟ القصة الكاملة للقائد العام لكتائب القسام

محمد الضيف، أبو خالد، محمد دياب إبراهيم المصري.

محمد الضيف قائد كتائب عز الدين القسام.
محمد الضيف قائد كتائب عز الدين القسام.

أسماء عديدة لرجل واحد، إنه القائد العام لكتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، وصاحب المسيرة الطويلة في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

نفتح اليوم ملف الرجل ذو السبعة أرواح ((محمد الضيف)) الرجل الذي تطارده إسرائيل منذ 30 عاما، كان خلال 20 عاما منهم هو المطلوب رقم 1 بالنسبة لكل أجهزتها الأمنية.

البداية من خان يونس:

في مخيم خان يونس جنوب قطاع غزة .. نفس المكان الذي ولد فيه قائد الحركة الحالي (يحيى السنوار)، كان مولد محمد الضيف في الثاني عشر من أغسطس عام 1965، في وقت كان فيه القطاع تحت ظل الإدارة المصرية.

وطالما قيل أنه من سكان (خان يونس) فتعرف على الفور أنه من أسرة من أسر اللاجئين الفلسطينيين الذين تركوا بيوتهم جراء إرهاب العصابات الصهيونية، وما تلاها من تأسيس الكيان الغاصب وهزيمة العرب في حرب فلسطين، وبالفعل فعائلته أتت نازحة من قرية (كوكبا) التي تبعد نحو 25 كم عن شرقي غزة.

لم يمر سوى عامين فحسب حتى سقطت غزة، وكل ما تبقي من أرض فلسطين في قبضة الاحتلال الإسرائيلي عقب هزيمة يونيو 1967، ليفتح الطفل عينيه ويري بلاده وأهله في ذلك الحال الصعب المرير.

ما زاد من صعوبة واقع الحياة على الضيف هو الوضع الاقتصادي السئ لعائلته .. ما دفعه للعمل ليساعد والده الذي يقول عنه جهاز الأمن العام الإسرائيلي أنه هو أو شقيقه -أي عم محمد الضيف- قد شارك في غارات متفرقة على إسرائيل قام بها مسلحون فلسطينيون في الخمسينيات من القرن الماضي.

في ذات الوقت التحق محمد الضيف بمقاعد الدراسة حتى تخرج من الجامعة الإسلامية في قطاع غزة بدرجة البكالوريوس في الكيمياء عام 1988، وفي تلك السنوات شب الفتي أيضا بين جدران المساجد.

وما قد يستغربه الكثيرون أن الرجل الأخطر على إسرائيل حاليا من الناحية العسكرية، والذي شيب ضباطها في البحث عنه بدون فائدة، كان في تلك السنوات فنانا مسرحيا وجزءا من فرقة مسرحية فلسطينية تسمي (العائدون).

لقطة من القناة الثانية الإسرائيلية يظهر فيها محمد الضيف على اليسار في واحدة من العروض المسرحية لفرقة العائدون.
لقطة من القناة الثانية الإسرائيلية يظهر فيها محمد الضيف على اليسار في واحدة من العروض المسرحية لفرقة العائدون.

فرقة العائدون انطلقت عام 1979 وقدمت العديد من العروض المسرحية ملتزمة بضوابط الشريعة الإسلامية، منها مسرحية (نور السلطان) ومسرحية (صابرا وشاتيلا) ومسرحية (القدس لنا) .. وكان معه في تلك الفترة وهذه الفرقة أيضا قائد الحركة الحالي (يحيى السنوار).

محمد الضيف .. القصة الكاملة:

في العام 1987، انضم محمد الضيف كعضو عامل في حركة حماس، تزامنا مع اندلاع شرارة الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

إذا أردنا أن نختار شخصية ما لنقول أنها هي من علمت (محمد الضيف) أو كان بمثابة الأستاذ بالنسبة له خصوصا في سنواتهما الأولى في كتائب عز الدين القسام، فبالتأكيد سيكون هو (يحيى عياش) مهندس الكهرباء الذي كان من أهم الأسماء في تاريخ القسام وخصوصا حين أنطلقت.

كان يحيى عياش هو الأب الروحي للكثير من أسلحة حماس، كما كان مسؤولا عن الكثير من عملياتها، ولك أن تعلم يا عزيزي القارئ أن (إسحاق رابين) رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها، كان مهتما بشكل شخصي بالايقاع به، ولم يهدأ الإسرائيليين حتى قتلوه بهاتف مفخخ أرسلوه له بمعرفة أحد الخونة.

تعلم محمد الضيف مهارات صنع القنابل والعديد من المهارات الأخرى على يد يحيى عياش الذي كان يلقب دوما بالمهندس.

اشترك كلا الرجلين في العديد من العمليات التي استهدفت إسرائيل، أخذ العديد منها شكل التفجيرات، خصوصا خلال فترة الإنتفاضة الأولى وما تلاها من سنوات.

من بين أشهر تلك العمليات، عملية تفجير حافلة شارع يافا الأولى (بتاريخ 25 فبراير 1996) والتي أوقعت 26 قتيلا إسرائيليا و48 مصابا، وعملية تفجير حافلة شارع يافا الثانية (بتاريخ 3 مارس 1996) والتي أوقعت 19 قتيل إسرائيلي وسبعة جرحى، وكلا العمليتين كانتا في شارع يافا بالقدس.

كما كان لكلا الرجلين الدور الكبير في تحويل كتائب القسام من مجموعات من الهواة أو غير المحترفين إلي مجموعات عسكرية منظمة.

صورة لما تبقي من الحافلة التي تم تدميرها في عملية تفجير حافلة طريق يافا الأولى، فبراير 1996
صورة لما تبقي من الحافلة التي تم تدميرها في عملية تفجير حافلة طريق يافا الأولى، فبراير 1996، US Federal Government - public domain.

تم اعتقال (محمد الضيف) أكثر من مرة، المرة الأولى كانت على يد الإسرائيليين وقعت بين عامي 1980 و 1990، حيث أمضى سنة كاملة في السجون الإسرائيلية، وعندما إطلق سراحه عاد إلى قطاع غزة من جديد، ليبدأ الترقي في صفوف حركة حماس بشكل سريع.

لكن الغريب أنه قد اعتقل كذلك في سجون السلطة الفلسطينية نتيجة لما يعرف باسم (التنسيق الأمني) وذلك بالتحديد يوم 16 مايو عام 2000.

ولعل هذا يؤكد ما ذهب إليه الدكتور (عبد العزيز الرنتيسي) أحد مؤسسي حركة حماس، وزعيمها الثاني بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين، والذي لم يلبث طويلا حتى استشهد بنفس الطريقة.

الرنتيسي أكد أن التنسيق الأمني كان السبب وراء ضعف حركات المقاومة.. وكان (محمد الضيف) دليلا على ذلك.

نعود إلى (محمد الضيف) الذي تم تكليفه بمهمة قيادة كتائب عز الدين القسام في العام 2002، فيما تؤكد تقارير أخرى أنه تولي ذلك المنصب قبل ذلك بعدة سنوات وبالتحديد مع نهاية التسعينيات.

لكنه وقبل ذلك وحتى بعده، كان عليه أن يمضي الكثير من سنوات حياته مطاردا خائفا يترقب.. وبينهما مر الرجل بواحدة من أهم محطات حياته، حينما استرد حريته من جديد.

هروب محمد الضيف من السجن:

بعد سبعة شهور من سجنه، أعلنت حركة حماس عن هروب محمد الضيف من سجن السلطة الفلسطينية.

المثير في قصة هروبه أن من ساعدوه كانوا من عناصر الأمن الوقائي الفلسطيني أنفسهم، وذهبت بعض أصابع الاتهام إلي (محمد دحلان) القيادي في حركة فتح، وصديق محمد الضيف منذ الصغر، وإن كانت صحيفة (يديعوت احرنوت) قد أعربت وقتها عن عدم اعتقاد إسرائيل بأن دحلان كان له دخل في هروب الضيف.

واقعة الهرب نفسها وقعت أثناء نقل الضيف من سجن إلي آخر، ونفتها السلطة الفلسطينية وقتها، لكن سرعان ما تبين أنها صحيحة.

سنوات المطاردة:

محمد الضيف الرجل الذي نجا من محاولات الاغتيال واحدة تلو الأخرى.
محمد الضيف الرجل الذي ظل مطاردا طيلة حياته، ونجا من محاولات الاغتيال واحدة تلو الأخرى.

ظل محمد الصيف مطاردا من كل أجهزة الأمن الإسرائيلية، من تلك المطاردة المستمرة اكتسب الرجل كنيته.

كما قلنا، فإن الاسم الحقيقي للرجل هو (محمد دياب إبراهيم المصري) .. لكنه اكتسب اسم (الضيف) لعادته المستمرة بالإقامة في منزل مختلف كل ليلة تجنبا لأن يقع في قبضة الإسرائيليين، فكأنما أصبح على الدوام ضيفا على بيوت الناس.

في تلك السنوات التي انتقل فيها الضيف من مكان إلى آخر وما تلاها، عرف عن (محمد الضيف) حسه الأمني المرتفع .. ولك أن تتخيل عزيزي القارئ أن إسرائيل لا تملك له سوى عدة صور قد لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة.

محاولات اغتيال محمد الضيف:

حاولت إسرائيل أن تغتال محمد الضيف في العديد من المناسبات.

يقدر عدد المرات التي حاولت إسرائيل فيها اغتيال محمد الضيف بسبع مرات، فيما تشير مصادر أخرى إلى كونها تسع محاولات كاملة، لكن وفي كل مرة، وبشكل ما.. نجا الرجل.

أشهر محاولات اغتيال محمد الضيف كانت في العام 2002 أي قبل الانسحاب الإسرائيلي الاحادي الجانب من غزة عام 2005، حينما قصفت مروحيات الأباتشي الإسرائيلية سيارته وقتما كان يتحرك بها في حي الشيخ رضوان، ستصف إسرائيل فيما بعد نجاته يومها بأنها (إعجوبة).

كما اشتهرت محاولة اغتيال أخرى تمت في العام 2014 بواسطة طيران جيش الاحتلال، لأنه وبالرغم من أن الله قد كتب له فيها النجاة، فقد استشهدت خلالها زوجته السيدة (وداد عصفورة) واثنين من أبناءه كان أحدهما لا يزال طفلا رضيعا.

في محاولة الاغتيال تلك، فقد محمد الضيف أكثر من نصف عائلته، ولم يبقي له إلا ولد وبنت، وإن ظل له أبناء من زواج أول له لم يكتب له الاستمرار.

محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام.
محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام.

في واحدة من تلك المحاولات تسربت معلومات عن إصابته بإصابات بالغة، وصاحبها إشاعة بأنه قد تحول إلى رجل مشلول، وسرعان ما أصبح تقدير جهاز الموساد الإسرائيلي لحالة محمد الضيف بشكل رسمي أنه ونتيجة لإصابته في أربعة محاولات اغتيال، فقد أصبح مشلولا بالفعل ولا يتحرك إلا على كرسي متحرك.

بخلاف محاولات اغتياله، شن الطيران الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة غارة انتقامية على منزل والد الضيف، بالرغم من معرفتهم من عدم وجوده به، ما أسفر عن استشهاد شقيقه وإثنين آخرين من أفراد أسرته.

هل محمد الضيف مشلول؟:

لسنوات طويلة ظلت كافة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تتعامل مع محمد الضيف باعتباره قد أصبح مشلولا نتيجة للإصابات التي لحقت به جراء عمليات فاشلة نفذوها لاغتياله.

لكن المفاجأة حدثت عندما سقط في أيديهم فيديوهات خلال معارك حرب غزة الدائرة حاليا.

الفيديوهات بحسب صحيفة (معاريف) الإسرائيلية ظهر فيها محمد الضيف وهو يمشي على قدميه بعرج خفيف للغاية وبصحة جيدة .. مثل ذلك بيانا لأن ما أذاعوه طويلا من أن الرجل فقد أحد أطرافه ويعيش قعيدا ما هو إلا محض خطأ .. وأن حماس قد سايرتهم فيه طويلا كنوع من أنواع التضليل للعدو.

قائد كتائب عز الدين القسام:

في السابع من أكتوبر عام 2023، بدأت كتائب عز الدين القسام هجومها الشهير على إسرائيل المعروف باسم (طوفان الأقصى).

يعد ذلك الهجوم هو أكبر وأهم هجوم فلسطيني على إسرائيل منذ بدء الصراع ويشمل ذلك حتى فترة ما قبل قيام الكيان الصهيوني في مايو 1948.

هذا الهجوم جاء من تخطيط محمد الضيف ومن معه في قيادة كتائب القسام، وكان الضيف بنفسه هو من ألقي البيان الافتتاحي الذي أعلن فيه عن العملية.

أحدث صور محمد الضيف .. القائد العام لكتائب القسام.
أحدث صور محمد الضيف .. القائد العام لكتائب القسام.

بحسب وكالة (رويترز) فقد استغرق الضيف ورجاله عامين كاملين للتخطيط للهجوم.

هذه ليست المرة الأولى التي يقود فيها محمد الضيف كتائب القسام في حرب مفتوحة ضد إسرائيل، فلقد كان هو نفسه يشغل ذات المنصب في حروب عام 2012 و 2014 و 2021 والحرب الحالية.

يقود محمد الضيف حاليا عمليات كتائب عز الدين القسام ضد القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة، إنه يستغل وبمهارة ما صنعه أو طوره من رجال وأسلحة ومعدات خلال سنوات، ومن أبرزها: (شبكة الأنفاق)، (قذائف الياسين 105)، (عبوات شواظ الخارقة)، (منظومة رجوم الصاروخية)، (طائرات الزواري بدون طيار)، (وحدة الظل).

وبشكل عام، بني محمد الضيف إستراتيجية حماس العسكرية على أساسين هما القدرات الصاروخية وشبكة الأنفاق.. لقد قرر الرجل أن يغير طريقة تفكير شعبه من أجل تحرير أرضهم وهو يقودهم الآن في المعركة.

تاريخيا، ربما يكون محمد الضيف هو أكثر فلسطيني كان مسؤولا بشكل مباشر أو غير مباشر عن مقتل إسرائيليين.

وعلى مدار سنوات مقاومته وحروبه أصبح محمد الضيف أيقونة فلسطينية، ومن شوارع غزة وصولا إلى نابلس مرورا بالقدس يهتف الفلسطينيين في كل مكان: (حط السيف قبال السيف واحنا رجال محمد ضيف).

هتاف أصبح على ألسنة الجميع حتى من ينتمي تنظيميا إلي حركات بعيدة عن حركة حماس مثل الشهيد ابراهيم النابلسي القيادي في كتائب شهداء الاقصى الجناح العسكري لحركة فتح، والذي استشهد في اشتباك مع قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي عام 2022 في جنين.

حاليا أيضا أصبح محمد الضيف ومن قبله يحيى السنوار مطلوبان أحياء أو أمواتا لدي إسرائيل أكثر من أي وقت مضى، وتضع تل أبيب على رأسه مبلغ 100 ألف دولار أمريكي لمن يقدم معلومات تقود إليه.

لكن الحقيقة التي لا جدال فيها، أنه ومع نجاح طوفان الأقصى فقد حقق الضيف ورجاله النجاح الأكبر في تاريخ المقاومة الفلسطينية، وأن إرثهم سيعيش إلي الأبد، ومهما كانت النتائج المقبلة، سواء انتصر أو لا .. وسواء ظل على قيد الحياة أو استشهد، فإن إرث محمد الضيف سيستمر وإلي الأبد.

تعليقات