اغتيال الشيخ أحمد ياسين .. كيف ومتي ولماذا؟

قطاع غزة
الاثنين 22 مارس / آذار 2004
الناس يخرجون من صلاة الفجر في وقت يسود فيه الهدوء الخارجي والسكينة الداخلية.

الشيخ أحمد ياسين تم اغتياله بأوامر ومتابعة مباشرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها شارون، ونفذت العملية مروحيات أباتشي الهجومية (fair use , Photography: Sgt. Ori Shifrin, IDF Spokesperson's Unit، Public.Resource.Org).

في نفس الوقت وفي مكان آخر كان رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها (أرييل شارون) يشرف شخصيا على ما يدور.

نعود إلى قطاع غزة، لكن في السماء هذه المرة.

كانت طائرة مروحية إسرائيلية من طراز مروحيات أباتشي الهجومية أمريكية الصنع تستعد.

فجأة، يقع انفجار شديد.

في قمرة قيادة الأباتشي، يبلغ الطيار الصهيوني بإتمام المهمة بنجاح، وقتل رجل قعيد، هو الشيخ (أحمد ياسين) مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وزعيمها الروحي.

وهكذا كان حرص الشيخ على أداء صلاة الفجر في أحد المساجد القريبة من منزله هو السبب ليس في مقتله بل في استشهاده، فمات مصليا شهيدا.

لم يكن الشيخ ياسين هو الضحية الوحيدة لهذا الهجوم، أسفر الانفجار الناتج عن هجوم الصاروخ الذي أطلقته الطائرة الصهيونية عن قُتل سبعة آخرون على الأقل في الهجوم، من بينهم اثنان من حراس الشيخ.

وفي إحصائية أخرى، استشهد مع الشيخ ابنه وخمسة من حراسه الشخصيين وثلاثة فلسطينيين آخرين.

كيف اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين؟:

إطلق على الشيخ لقب (القعيد الذي حرك العالم وأحيا أمة).

بحسب المصادر الإسرائيلية فإن قرار اغتيال الشيخ أحمد ياسين اتخذ قبل أقل من أسبوع من تنفيذ العملية بالفعل، وبالتحديد في اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي يوم الثلاثاء في الاسبوع السابق قبل العملية، كنوع من الانتقام على عمليات المقاومة الفلسطينية.

لم يكن ممكنا بالنسبة للإسرائيليين قتل الشيخ أحمد ياسين إلا عن طريق الجو.

فحتى إذا كانوا قد يستطيعون معرفة خط تحركه، بسبب الشلل وبسبب أنه كبير في السن، فإنهم كانوا سيواجهون دفاعا مستميتا عنه من كل شخص ينتمي لحماس، بل ومن كل شخص يتواجد في هذا المكان حتى ولو لم تكن تربطه بحماس أي رابطة.

أيضا .. لقد ثبت فشل فكرة اغتياله من الأرض حتى ولو كانت تحت احتلال إسرائيل وقتها.

فقد جرب الإسرائيليين حظهم قبل ذلك بشهور، وبالتحديد في سبتمبر / أيلول 2003، حينما كان الشيخ أحمد ياسين في أحد منازل أصدقاؤه لكنهم فشلوا، لذا كان القرار بقتله عن طريق اقوى مروحية هجومية في العالم (الأباتشي).

لكنهم في الطريق لفعل ذلك واجهوا مشكلة.

تمثلت تلك المشكلة في أنهم أرادوا أن يضمنوا قتل الشيخ أحمد ياسين، لأنهم لو فشلوا في ذلك لأن الصاروخ سقط بعيدا عنه أو حتى سقط فأصابه ولم يقتله، فإن حماس ستعلم أن زعيمها الروحي مستهدف وسيختفي عن الأنظار.

في سبيل ذلك كان لابد من شخص ما أو (عميل ما) أو بوصف أصح كانوا يريدون (خائن).

كان الشيخ أحمد ياسين هدفا يسهل رصده فلم تكن مهمة الخائن صعبة.

لم تفتش إسرائيل كثيرا .. كان لديها ما يقوم بهذه المهمة، إنه (حسن مسلم) أحد أهم عملائها في غزة في ذلك الوقت.

زود حسن مسلم الأجهزة الأمنية الإسرائيلية كافة التفاصيل عن تحركات الشيخ الشهيد.

وعن تلك الخيانة يقول روني شاكيد الضابط في جهاز الشاباك الإسرائيلي السابق في فيلم وثائقي أذاعته قناة الجزيرة قبل أعوام: (مع الشيخ ياسين كان الأمر سهلا جدا، لم تكن هناك مشكلة، لم يكن يحتاج إلى عمل كثير، فالجميع يعرفه، كانوا يعرفون من هو، وأين هو، فهو لا يختبئ، كان الأمر ببساطة يتطلب معرفة متي يتم أخذه للمسجد ومتي يتم إخراجه منه، كان شخصا معروفا على كرسي متحرك لذا كان يمكن رؤيته من طائرة أو برج مراقبة).

قبل تنفيذ الهجوم بيوم واحد فقط .. وبشكل علني صرح وزير الدفاع الإسرائيلي وقتها (شاؤول موفاز) بأن (خططا لاستهداف قيادات حماس قد تم وضعها).

ما بعد الكارثة:

عقب الانفجار القاتل، تغير كل شيء.

استشهد الشيخ، وحتى رفيق دربه (كرسيه المتحرك) لم يتبقي منه إلا قطع متناثرة محطمة تكسوها دماءه الطاهرة.

وقتها كان ياسر عرفات لا يزال على قيد الحياة، خرج في نفس اليوم ليعلن (الحداد العام) في كافة أنحاء فلسطين معتبرا أنه باغتيال الشيخ ياسين فقد تجاوزت إسرائيل كل الخطوط الحمراء.

ربما لم يعرف عرفات أن دوره هو شخصيا كان قريبا للغاية، ففي نوفمبر من نفس العام، إعلن عن وفاته في العاصمة الفرنسية باريس، متأثرا بما تم الكشف عنه فيما بعد أنه كان (سما) دس له.

حسابات خاطئة:

كان اغتيال الشيخ أحمد ياسين بمثابة الشرارة التي اشعلت ردود أفعال قوية من حركة حماس، وحتى من غير المنتمين لها.

وبينما كان شارون يريد أن يصبح اغتيال الشيخ معول هدم في النفسية الفلسطينية، فإن العكس هو ما وقع.

قبر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، Joi Ito، CC BY 2.0 DEED، via wikimedia commons.

حاول شارون تكرار نفس الأمر بعد أقل من شهر، لعله يحقق هدفه هذه المرة، فتم اغتيال الدكتور (عبد العزيز الرنتيسي) الرجل الذي تولي قيادة الحركة بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين، وبالتحديد في 17 أبريل 2004.

وقد تلاهما مباشرة الرئيس ياسر عرفات كما ذكرنا وإن كان بوسيلة مختلفة عن صاحبيه من حماس.

لكنه ولدهشة شارون فإن كل ذلك الإجرام، ومحاولة تفريغ مواقع القيادة الفلسطينية، لم يثني الفلسطينين ولا حماس عن استمرار المقاومة، ونفذت الحركة وعدها بالانتقام من مقتل الشيخ أحمد ياسين.

في صيف العام التالي (2005)، وبعد 38 عاما من احتلالها في حرب يونيو 1967، انسحبت القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، لتتحرر الأرض التي عاش واستشهد عليها ودفن فيها من دنس الاحتلال.

أما الخائن (حسن مسلم) فقد أمسكت به حماس وأعدمته حتى قبل الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وبالتحديد في أكتوبر 2004، وألقت سيارة مسرعة بجثته في الشارع ومعها رسالة تبين سبب قتله قصاصا.

كان حسن مسلم قد أفشى بجانب دوره في اغتيال الشيخ أحمد ياسين عن معلومات ادت لاستشهاد ثمانية آخرين، ما يرفع عدد من تسبب في استشهادهم إلى تسعة.

قبل إعدامه بشهرين ألقت حماس القبض عليه وحققت معه وأخذت منه الاعترافات التي تلزمها ثم نال جزاء الخونة، طلقتين في الرأس.

عن الشيخ الشهيد أحمد ياسين:

بحسب جواز سفره، فإن الشيخ أحمد ياسين كان من مواليد 1 يناير 1929، لكن العديد من المصادر الفلسطينية تؤكد أنه قد ولد عام 1937.

المذيع المصري أحمد منصور في تقديمه للشيخ أحمد ياسين في أول الحلقات التي جمعته به خلال زيارة الشيخ لدولة قطر.

بينما قال المذيع المصري (أحمد منصور) في مقدمة لقاءه الشهير مع الشيخ في برنامج (شاهد على العصر)، والذي بثته قناة الجزيرة القطرية لسنوات أن الشيخ أحمد ياسين من مواليد عام 1938، في إحدي قري قطاع غزة.

ميلاد الشيخ كان في مدينة (عسقلان) التي تعتبر غزة تابعة لها، ولكن وفي أعقاب نكبة فلسطين عام 1948، وهو العام الذي تأسس فيه الكيان الصهيوني، ومثل الكثير من العائلات الفلسطينية، اضطرت عائلته للمغادرة واللجوء إلى المخيمات التي أقيمت في قطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية وقتها.

للمفارقة نفس هذا الأمر حدث بالضبط لعائلة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وزعيمها حاليا (يحيى السنوار).

يعتبر الشيخ (أزهريا) فلقد تلقي تعليمه في مدارس الأزهر الشريف، حتى تخرج من مدارسها الثانوية، ليكون للأزهر الشريف دوره التاريخي في مقاومة كل معتد وباغ على المسلمين ((للمزيد يمكنكم الإطلاع على تقريرنا: "وصلت إلى حد التلويح بالقتل .. هجوم عنيف في إسرائيل على شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيب")).

وكان الشيخ أحمد ياسين قد تلقي تعليما جماعيا في جامعة (عين شمس) في مصر لكنه لم يكملها.

ومن الناحية الفكرية فهو ينتمي إلى جماعة (الإخوان المسلمين)، والتي يمكنك أن تختلف معها عن اي شيء تريده، إلا في جزئية القتال ضد الكيان المحتل.

عمل الشيخ أحمد ياسين مدرسا وواعظا، كما أسس (المركز الإسلامي في غزة) عام 1973 كجزء من النشاط الاجتماعي والديني الذي اشتهر به داخل غزة.

لكن دوره الأكبر كان تأسيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، والتي بدأت حرفيا (من تحت الصفر)، وبالتحديد في العام 1979، ومثلت الأمل الفلسطيني في التخلص من الاحتلال بعدما فشل كل ما قيل عن السلام وخططه.

الشيخ أحمد ياسين خلال محاكمته أمام محكمة عسكرية إسرائيلية عام 1990، Public domain by the Israeli Defence Forces Spokesperson's Unit.

وإذا كان يمكن تمييز هذه الحركة بشئ واحد هو الفارق بينها وبين العديد من حركات المقاومة الفلسطينية الأخرى، هو ذلك المنهج التربوي الذي وضعه الشيخ فيها منذ لحظتها الأولى، والذي يخلق هذا المقاتل الذي شاهده العالم كله يقاتل من المسافة صفر، ببساطة لأنه وكما يقول شعارهم: (إنه جهاد .. نصر أو استشهاد).

تزوج الشيخ وله 11 ابن وابنة، وعاش حياته في شقة متواضعة من ثلاث غرف في أحد أحياء غزة الفقيرة.

اعتقلته إسرائيل مرتين في الأولى خرج من السجن في صفقة بعد 11 شهر.

أما المرة الثانية فكانت عام 1989 خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وصدر في حقه حكما بالسجن مدى الحياة، لكنه خرج بعد 8 سنوات من الأسر، في صفقة اطلق سراحه بموجبها مقابل عميلين للموساد تم إلقاء القبض عليهما في الأردن خلال محاولة لاغتيال (خالد مشعل) مسؤول حماس هناك.

سبب شلل الشيخ أحمد ياسين:

ولد الطفل أحمد ياسين طبيعيا معافي.

لكن حادثا ألم به وهو في عمر الثانية عشرة اثناء اللعب هو من سبب له الشلل الذي سيجعله يمضي بقية حياته على كرسي متحرك.

من على هذا الكرسي المتحرك، نجح هذا الرجل القعيد في تكوين حركة لم يستطع الجيش الذي يوصف بأنه أحد أقوى جيوش العالم، ومن خلفه مخازن أعظم الجيوش في التاريخ مفتوحة له على مصاريعها، لم يستطع أن يهزمه في قطاع مساحته الإجمالية حوالى 360 كم متر مربع.

وفي النهاية، لك أن تعلم عزيزي القارئ أن هذا القعيد كان يكفيه الانشغال بهموم شعبه .. لكنه كان مهموما بأمته كاملة، فهو نفسه الذي خرج ليتظاهر ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وهو من وقف مهاجما الغزو الأمريكي للعراق، وهو نفسه من أثار قضية المسلمين في الفلبين أكثر من مرة.

وفي النهاية، سيظل أحمد ياسين أيقونة فلسطينية حية على الدوام وسترفع صورته يوم التحرير بإذن اللَّهُ.

تعليقات