من هو يحيى السنوار .. زعيم حماس الذي وصفته إسرائيل بأنه "رجل ميت يمشي"؟

في إسرائيل اليوم اسم أصبح يتردد ربما أكثر من اسم رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو نفسه.

ملك غزة .. عدو إسرائيل الأول .. يحيى السنوار، صورة من وسائل التواصل الاجتماعي.

إنه اسم يحيى (يحيى السنوار) الرجل الذي يقاتل إسرائيل منذ عقود.

المطلوب رقم 1 في إسرائيل:

لا تحتاج إلى التفتيش في أي مكان لتعرف أن يحيي السنوار هو المطلوب رقم 1 بالنسبة لإسرائيل خصوصا بعد هجمات 7 أكتوبر 2023.

خلفه تسعي كل أجهزة الأمن الإسرائيلية (المخابرات الحربية أمان) وفرعها الاقوى الوحدة 8200، والموساد، والشاباك، وكل من يعاونهم من أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية .. إلخ.

مصنف باعتباره (إرهابي عالمي) من قبل وزارة الخارجية الأمريكية منذ عام 2015، كما تم إدراجه مؤخرًا على قائمة العقوبات من قبل المملكة المتحدة وفرنسا.

وصرح دانيال هاغاري المتحدث باسم جيش الإحتلال الإسرائيلي قائلا: (سنلاحقه حتى نعثر عليه).

وعندما وزع جيش الاحتلال الإسرائيلي -على طريقة الجيش الأمريكي في العراق- أوراق لعب بصور قادة حماس، كانت الورقة والأهم (الجوكر) ليحيى السنوار -وبالمناسبة وضعوا صورة شقيقه محمد أيضا-.

فمن هو هذا الرجل النحيل قصير القامة الذي شاب شعره؟ .. زعيم حماس الغامض الذي قالت إسرائيل عنه (أنه رجل ميت يمشي) في إشارة إلى أنه ميت لا محالة... والحقيقة التي ربما تتغافل عنها إسرائيل أننا كلنا سنموت، ولكن الفرق كيف سيموت كل واحد منا.

والحقيقة الثانية التي تحاول إسرائيل اخفائها أنها اضطرت لعقد هدنة وصفقة تبادل أسرى وافق على كل تفاصيلها هذا الرجل الذي تصفه بالميت.

والحقيقة الثالثة أنه حتى لو مات يحيي السنوار أو قتل، فإن الشعب الفلسطيني لن يعدم أن يخرج له ألفا مثله أو يزيدون.

من هو يحيى السنوار؟:

صورة لمدينة غزة في الستينات.

في العام 1962، في قطاع غزة الذي كان يومها تابعا للإدارة المصرية عقب حرب فلسطين عام 1948، رزق السيد (إبراهيم حسن السنوار) بولد ذكر أسماه يحيى.. فكان يحيى السنوار.

كان ميلاد يحيى في مخيم خان يونس للاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة، ولربما حلم والده أن يعود بإبنه إلي عسقلان، مدينة عائلته الأصلية التي تركوها مع النكبة والتي لا تبعد عن غزة كثيرا، إلى الشمال الشرقي منها.

لا ندري هل علقت بذاكرة الطفل يحيى السنوار مشاهد حرب الأيام الستة في صيف العام 1967 عندما اقتحم الجيش الإسرائيلي غزة واستولي عليها ثم على شبه جزيرة سيناء المصرية بالكامل ام لا.

لكن من المؤكد أن الفتي يحيى السنوار قد نشأ وترعرع وهو يري بلاده محتلة وشعبه قابع تحت الهوان.

وعقب انتهاء دراسته في مدرسة خان يونس الثانوية للبنين، التحق بالجامع الإسلامية في غزة، ليدرس ويتخرج منها بشهادة البكالوريوس في الدراسات العربية.

في السجون الإسرائيلية:

كان الاعتقال الأول ليحيى السنوار أثناء دراسته الجامعية وبالتحديد عام 1982، لكنه لم يمتد طويلا حيث كان اعتقالا إداريا لمدة 4 شهور بتهمة الاشتراك في (أنشطة تخريبية).

في السجن كون السنوار علاقات صداقة مع العديد من المقاومين الفلسطينيين وخرج منه الشاب بقرار هام، لقد كرس نفسه ليصبح جنديا في خدمة القضية الفلسطينية.

عاد الإسرائيليين للقبض على يحيى السنوار مجددا لكن هذه المرة لم يكن مجرد طالب جامعي.

الاشتراك في تأسيس حركة حماس:

يحيى السنوار في شبابه.

وقتها كان يحيى السنوار قد أصبح أحد الأعضاء المؤسسين لحركة حماس مع الشيخ الشهيد (أحمد ياسين) في تطور هام تزامن مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية، في حين تشير بعض المصادر الموثوقة أن هذه الحركة نفسها هي من أشعلت شرارة تلك الانتفاضة بعد حادثة دهس شاحنة إسرائيلية لسيارة كانت تقل عمال فلسطينيين في محطة وقود ما أسفر عن مقتل 4 عمال.

كما اشترك في تأسيس جناحها العسكري (كتائب عز الدين القسام)، وكان من الناشطين فيها، حيث تم اتهامه فيما بعد من قبل سلطات الاحتلال بالاشتراك في عدد من العمليات التي أسفرت عن مقتل أعداد من جنود جيش الاحتلال.

في تلك السنوات أيضا، وبالتحديد في عام 1985، أسس السنوار الفرع الأمني لحماس، الذي عرف باسم (مجد)

تمثلت أهم مهام هذا الفرع الكشف عن الجواسيس الفلسطينيين المتعاونين مع إسرائيل والتحقيق معهم ومن ثم تنفيذ حكم الاعدام على من تثبت خيانته... لم يكن السنوار يتسامح مع أحد منهم.

ربما من تلك السنوات بالذات بدأ الحس الأمني ليحيى السنوار يترعرع وينمو، هذا الحس الذي دوخ إسرائيل وكل من معها منذ السابع من أكتوبر -بل ومن قبله- وحتى الآن وفي المستقبل بإذن اللَّهُ.

في المرة الثانية التي اعتقل فيها السنوار، قضت محكمة صهيونية بالسجن مدى الحياة لأربع مرات (ما يساوي 426 سنة).

لكن الاعتقال الثاني للسنوار جعله يدفع 22 عاما من حياته خلف قضبان السجن (ليصبح إجمالي ما قضاه السنوار في سجون الاحتلال هي 24 سنة، هي معظم سنوات شبابه)، لكنها كانت أعواما تعلم فيها السنوار الكثير، وبالتأكيد خطط خلالها لمستقبله بعد الخروج.

فهم الشخصية الإسرائيلية:

في تصريح لصحيفة (لو موند) الفرنسية، قال عنه ماتي شتاينبرغ، والذي عمل كمستشارا للعديد من رؤساء جهاز الشين بيت، جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلي: (شخص مثل السنوار يفهم الإسرائيليين جيدًا).

كشفت سنوات السجن عن جانب لا يعرفه الكثيرون عن يحيى السنوار.. أن الرجل كاتب وأديب، وله مؤلفات مثل (الشوك والقرنفل) وهي رواية عن سجين فلسطيني، لكنه أكد أنها ليست قصة حياته.

ربما تكون الخطوة الأولى ليحيى السنوار في هذا الطريق هو إجادته اللغة العبرية بشكل كامل.. أين فعل ذلك؟ في السجون الإسرائيلية نفسها.

ويقول ميخا كوبي، ضابط الشاباك الإسرائيلي الذي استجوب السنوار: "لقد قرأ جميع الكتب التي صدرت عن شخصيات إسرائيلية بارزة مثل فلاديمير جابوتنسكي ومناحيم بيغن ويتسحاق رابين، لقد فهمنا من الأسفل إلى الأعلى".

سنوات ما بعد السجن:

كان ملفتا بشدة ذلك الصعود الصاروخي ليحيى السنوار بعد إطلاق سراحه في صفقة الجندي جلعاد شاليط التي تمت عام 2011، عندما قررت إسرائيل الإفراج عنه في واحد من أسوء قراراتها طوال التاريخ وأكثرها غباءا عندما اعتبرته لم يعد يشكل تهديدا على أمنها.

حسب التقديرات الإسرائيلية وقتها فإن الرجل لابد أن تكون سنين سجنه قد أنهكته، ولن يفكر سوى في عائلته التي افترق عنها ما يقرب من ربع قرن من الزمان، لكنهم نسيوا أن يحيى السنوار ومن مثله يسعون لتنطبق عليهم الآية الكريمة:

((مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)) {الأحزاب : 23}.

وللمفارقة فقد أخطا الإسرائيليين مجددا في تقدير حسابات يحيى السنوار عندما أجمعت كل أجهزة مخابراتهم التي ينفقوا عليها المليارات سنويا، على أنه لا يريد فتح حرب جديدة ضد إسرائيل، فكان ما حدث في السابع من أكتوبر.

في غضون ست سنوات فقط، فرض الرجل نفسه بأفكاره وعقليته وشخصيته ليصبح رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في قطاع غزة وبالتحديد عام 2017.

ومن أبرز النقاط التي أدارها السنوار في هذه السنوات هي عملية الربط والتناغم في الأداء بين المكتب السياسي للحركة وجناحها المسلح (كتائب عز الدين القسام).

أيضا، نجح السنوار في تعزيز وزيادة قدرات حماس العسكرية وخططها وطموحها القتالي، فأصبحت تنفذ عمليات هجومية واسعة النطاق مثلما شهدنا في افتتاحية الحرب الدائرة الآن .. عمليات جعلت يوم مثل يوم السابع من أكتوبر يصبح هو اليوم الأكثر دموية في تاريخ دولة الاحتلال.

في الداخل الفلسطيني، حاول السنوار خلال تلك السنوات إعادة تصحيح مسار العلاقات مع حركة فتح، وإن كانت محاولاته لم يكتب لها النجاح، ربما لأسباب عديدة أكثرها في رام الله لا في غزة.

ماكر ومتطور:

(إيهود يعاري) هو أحد أشهر الصحفيين والمحللين في إسرائيل والذي له لقاءات مع عدد من أبرز قادة العالم والمنطقة، ومنهم الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك .. كان قد سبق والتقي بيحيى السنوار عندما كان سجينا في السجون الإسرائيلية لأربع مرات خلال الفترة بين عامي 1993 و 2001.

يقول إيعاري عن السنوار: (إنه مريض نفسي ماكر ومتطور .. وعازم على تدمير دولة إسرائيل .. أنه ليس بالشخص الذي يقبل بالمفاوضات أو بحل الدولتين، هذا ليس يحيى السنوار).

ويحدد هاريل شوريف، كبير الباحثين في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا بجامعة تل أبيب (يحيى السنوار) باعتباره أحد ثلاثة قرروا شن هجمات طوفان الأقصى.. أما الاثنين الآخرين فهما (محمد المصري) والمعروف شعبيا باسم محمد الضيف، ونائبه (مروان عيسي).

وبينما وصل الجنود الإسرائيليين إلى منزله في قطاع غزة أثناء القتال الدامي بينهم وبين المقاومة الفلسطينية في غزة، فبالتأكيد لم يكن السنوار جالسا في منزله، وبإذن اللَّهَ سيخرجون منه كما سيخرجون من غزة كلها قريبا.

يومها خرج مستشار كبير لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأربعاء ليقول إن الأمر “مسألة وقت فقط قبل أن نقبض عليه”.

وحتى اليوم .. لم يقبضوا عليه.

تعليقات