الوحدة التجسسية 8200 .. سمع إسرائيل وبصرها

مجندتين من أفراد الوحدة 8200، public domain.

الوحدة 8200 (بالعبرية: יחידה 8200)، واحدة من أهم وأخطر وحدات جيش الاحتلال الإسرائيلي، إنها بمثابة العين والاذن بالنسبة له، بها يري ويسمع ويجمع المعلومات.

تاريخ الوحدة:

تعد الوحدة واحدة من أقدم وحدات جيش الاحتلال الإسرائيلي إذ تم تأسيسها عقب قيام الكيان المحتل فقط بأربعة سنوات، وبالتحديد عام 1952، وكانت تحمل اسم (الوحدة 515) ثم اعيد تسميتها (الوحدة 848) وفي النهاية أصبحت الوحدة 8200.

على مدار هذه السنوات، تم الاهتمام بهذه الوحدة اهتماما خاصا، وفرت لها أرقى المعدات التكنولوجية، واختير للعمل بها أفضل العناصر للقيام بأهم وأخطر عمليات الاختراق، التجسس، جمع المعلومات وتحليلها مع التركيز على الدول العربية.

إداريا، تتبع الوحدة 8200 لمديرية المخابرات العسكرية الإسرائيلية والمعروفة باسم (أمان) والتابعة مباشرة لرئاسة الأركان الإسرائيلية.

وتشكل الوحدة 8200 مع الوحدة 9900 والوحدة 504 كامل قوة وحدات هذه المديرية، وإن كانت الوحدة 8200 هي أكبرهم على الإطلاق، بل هي أكبر وحدة عسكرية منفردة في جيش الاحتلال الإسرائيلي.

في أوقات الحرب، تندمج تلك الوحدة مع المقرات الميدانية القتالية لجيش الاحتلال الإسرائيلي وذلك لضمان تدفق أسرع للمعلومات التي تجمعها إلي قادته وضباطه في ساحة المعركة.

مهام الوحدة 8200:

تتنوع مهام الوحدة 8200 بين:

  1. العمليات السرية.
  2. استخبارات الإشارات ويشار لها اختصارا باللغة الإنجليزية (SIGINT) وهي القيام بعمليات جمع المعلومات باستخدام وسائل متعددة مثل اعتراض إشارات العدو أو أجهزة الرادار الخاصة به، أو حتى اعتراض الاتصالات بين الأشخاص العاديين.
  3. فك الشفرات التي يستخدمها العدو.
  4. الحرب السيبرانية (سواء عمليات اختراق مواقع أو حسابات) أو التصدي لهجمات إلكترونية تستهدف حسابات أو مواقع إسرائيلية، ولا يقتصر الأمر عند قيام الوحدة بعمليات اختراق لحواسيب هدف ما (فندق أو مؤسسة أو شركة .. إلخ) عند الاستيلاء على بياناتها وكافة المعلومات عليها، بل قد تستطيع أيضا التحكم في كاميرات المراقبة الخاصة بها، وربما حتى تغيير ما تعرضه.
  5. عمليات المراقبة والاستطلاع.
  6. العمليات المضادة لنشاط استخبارات العدو.

سر قوة الوحدة 8200:

شعار الوحدة 8200، Public domain by the Israeli Defence Forces Spokesperson's Unit.

من أفضل الدراسات التي تناولت بشكل محكم الوحدة 8200 الإسرائيلية، هي تلك الدراسة الصادرة عن (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا) في زيورخ، وبالتحديد عن (مركز الدراسات الأمنية) التابع للمعهد الذي تفتخر به سويسرا كأحد أفضل المعاهد التعليمية في أوروبا والعالم.

حددت الدراسة أبرز نقاط قوة الوحدة 8200 فيما يلي:

((العنصر البشري لاختيارها أفضل العناصر للعمل بها، الدعم المالي الكبير الذي تحظي به من ميزانية جيش الاحتلال الإسرائيلي، قدراتها على العمل كمؤسسة، خبرتها الطويلة)).

كما أشارت الدراسة إلى ما اسمته "ثقافة الوحدة 8200" والمقصود بها هنا هي عديد من العوامل مثل أسلوب العمل فيها وحتى أسلوب التعامل بين القائد ومن يليه، طريقة التفكير، وغيرها من أمور تخلق شخصية هذه الوحدة.

الدراسة السويسرية أشارت كذلك إلى أن من أبرز نقاط قوة الوحدة هي تعاونها الوثيق مع القطاع الخاص.

حيث لفتت الإنتباه إلى أن الاهتمام بالوحدة 8200 قد بدأ يتصاعد بالتحديد منذ عام 2009، إنه العام الذي صدر فيه كتاب (أمة الشركات الناشئة .. حكاية معجزة إسرائيل الإقتصادية) وهو من تأليف دان سينور وساول سينجر، وكلاهما كاتبين إسرائيليين.

هذا الكتاب لفت النظر إلى هذا التعاون .. وأضافت الدراسة قائلة: (لقد انسكب الكثير من الحبر حول الوحدة الإسرائيلية الشهيرة الآن
8200)، ومع ذلك فإن الاختلافات بين المعلومات المتوفرة حول الوحدة تجعل أي تحليل شامل للوحدة هو أمر (صعب المنال للغاية).

ما قالته دراسة المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ بالتحديد عن انتقاء أفضل العناصر للعمل داخل الوحدة هو نفس ما أشارت إليه صحيفة (فايننشال تايمز) البريطانية في تقريرها عن الوحدة 8200.

هذه إسرائيل تجمع فلذات كبدها في مجال التكنولوجيا لتضعهم في الوحدة 8200، Israeli Defence Forces Spokesperson's Unit.

حيث أشارت الصحيفة إلى أحد الأماكن التي تركز تلك الوحدة على البحث فيها عن عناصرها الجدد إنه برنامج ينطق بالعبرية (ماغشيميم) ويعني (الإنجاز).

هذا البرنامج مدته ثلاث سنوات للطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 إلى 18 عامًا والذين يتمتعون بمهارات استثنائية في برمجة الكمبيوتر والقرصنة، من بين هؤلاء تحصل الوحدة 8200 على أفضلهم.

تعامل الوحدة 8200 مع المواقع الإلكترونية:

خلال السنوات الماضية، ومع الزيادة الهائلة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، اضيف إلى مهام الوحدة 8200 مهمة جديدة.

إذ استغل قادة جيش الاحتلال الإسرائيلي معرفة طائفة واسعة من مجندي وضباط هذه الوحدة باللغتين العربية والفارسية ليتم تكليفهم بإنشاء حسابات وهمية على مختلف منصات التواصل الاجتماعي.

يتخذون أسماء عربية، وربما يضعون صورا توحي لمن يشاهدها بأنها قد التقطت في دولة عربية، يضعون المعلومات المغلوطة، يثيرون الفتن بين مختلف الشعوب العربية وغير ذلك.

كل شيء علي لينكد ان:

كثيرون هم من يعرفون شبكة لينكد ان LinkedIn.. تلك الشبكة الاجتماعية المهتمة بالعمل وتوفير الوظائف.

ارتبطت هذه الشبكة بواحدة من أغرب القصص ليس بشأن الوحدة 8200 فقط، بل ربما في تاريخ أجهزة الاستخبارات عموما.

كما قلنا فإن عناصر هذه الوحدة يتم انتقائهم من بين أفضل العناصر المتاحة في جيش الدفاع الإسرائيلي من حيث الدراسة التكنولوجية وحتى طريقة التفكير والاستنتاج والبحث.

شركة WIX التي أصبحت واحدة من أشهر شركات إنشاء المواقع الإلكترونية هي شركة إسرائيلية أسسها مجندين سابقين في الوحدة 8200، public domain.

وتزيد من مواهبهم تلك خبرتهم خلال سنوات عملهم في الوحدة، وبالتالي يصبحون هدفا للكثير من الشركات التي تسعي للتعاقد معهم للعمل لديها بعد إنهاء خدمتهم الإلزامية.

فماذا فعل هؤلاء؟.. لقد قاموا بنشر معرفتهم والعديد من المهارات التي تعلموها في الوحدة 8200 ليحظوا بفرص عمل أفضل، وهو الأمر الذي كشفته صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية في نوفمبر 2021.

بالمناسبة العديد من هؤلاء بالفعل نجحوا في الوصول إلى مناصب قيادية في شركات تكنولوجيا عملاقة داخل وخارج فلسطين المحتلة، كما انشأ جزء آخر منهم شركاته الخاصة، وبعضها حقق نجاحات كبيرة.

هؤلاء هم السبب في الشهرة -الإعلامية على الأقل- للوحدة التي تعتبر معظم أعمالها سرية ومحظور نشرها في إسرائيل.

ولأن المجال لا يتسع لذكرهم جميعا .. سنكتفي بذكر مثال واحد هو إيدان تندلر الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة Fortscale، وهي شركة تقدم حلولًا أمنية تعتمد على تحليلات البيانات الضخمة لشركات موجودة في قائمة Fortune 1000 لأكبر ألف شركة في الولايات المتحدة الأمريكية.

قبل تأسيس Fortscale، كان إيدان تندلر أحد المسؤولين الرئيسيين في الوحدة 8200.

هل فشلت الوحدة 8200 في توقع هجوم حماس في 7 أكتوبر؟:

للإجابة على هذا السؤال علينا التفرقة بين طبيعة عمل الوحدة 8200 كوحدة هدفها الأساسي جمع المعلومات وتحليلها، وبين ما يلي ذلك من عملية صنع القرار في داخل أروقة جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وبعيدا عن العواطف أو المشاعر، فالاجابة هي أن الوحدة قد قامت بما هو مطلوب منها بشكل صحيح.

مقاتلو حماس يقتحمون الأراضي الفلسطينية المحتلة عبر الجدار العازل الذي أقامه جيش الكيان المحتل، صباح 7 أكتوبر 2023،  (Kan TV screenshot; used in accordance with Clause 27a of the Copyright Law).

  • أولا: نجحت الوحدة 8200 في رصد تدريبات حماس على خطة سماها الإسرائيليين (جدار أريحا) وهي خطة كانت بحوزتهم قبل الحرب بعام كامل، وتوقعت تفاصيل الهجوم الفلسطيني في السابع من أكتوبر 2023، وهي بذلك تكون قد جمعت المعلومات.
  • ثانيا: قدمت واحدة من المحللين ذوي الخبرة في الوحدة تقييما بأن حماس تتدرب بجدية على تنفيذ الخطة وتعمل على تلبية متطلباتها، وإن كانت استبعدت رغبة قائد حماس (يحيي السنوار) في شن حرب على إسرائيل.

وهكذا تعتبر الوحدة قد أدت دورها بشكل ما يمكن أن نعتبره "معقولا".

لكن المثير هنا هو ما كشفت عنه صحيفة (إسرائيل اليوم) في تقرير نشرته نهاية نوفمبر 2023 قالت فيه أن الوحدة 8200 كانت أصلا خارج نطاق الخدمة وقتما شنت الفصائل الفلسطينية هجومها في 7 أكتوبر.

السبب وراء ذلك كان قرار أحد الضباط الكبار في جيش الاحتلال الإسرائيلي قبل عامين، بإعطاء عطلة للوحدة في نهاية الأسبوع (نتذكر أن هجوم حماس وقع يوم السبت وهو يوم العطلة الأسبوعية في الكيان المحتل)، كما كانت الوحدة بموجب نفس القرار لا تعمل في الفترة المسائية.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن مقر مهم للوحدة 8200 كان من ضمن أهداف حماس في هجوم 7 اكتوبر، ويعتقد أن مقاتلي القسام قد نجحوا في إيقاع خسائر كبيرة في أفراده، بالإضافة إلى استيلائهم على الكثير من معدات وأجهزة ووثائق هذا المقر، وهو ما يمكن أن نصفه بلا مبالغة (كنز معلومات).

وفي النهاية فإننا نختم بما قاله (مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات) وهو مركز أبحاث لبناني يعني بالقضية الفلسطينية في دراسته التي نشرها عن الوحدة 8200: ((وتندرج هذه الدراسة في إطار ضرورة المعرفة الصحيحة والموضوعية للعدو. ولا ينبغي أن يُفهم منها ترهيب بإمكاناته، ولا إحباط للقوى التي تواجه هذا المشروع. إذ إن معرفة الحقائق والتعامل المنهجي معها هو من أبرز العناصر لتعبئة طاقات الأمة وتوجيهها وتحديد أولوياتها؛ وهي بالتالي عنصر أساسي في نجاح المواجهة مع المشروع الصهيوني)).

تعليقات