برنامج تلبيوت الإسرائيلي .. أفضل العقول في خدمة الجيش

في العام 1979، دشنت دولة الاحتلال الإسرائيلي (برنامج تلبيوت).

شعار برنامج تلبيوت الإسرائيلي، Public domain by IDF.

إنه برنامج سري لا يعرف عنه سوى تفاصيل محددة (كيف يتم اختيار عناصره .. ماذا يتعلمون .. وبين الحين والآخر يكشف عن بعض ما أنجزه) ... أما تفاصيل عمله وعن ماذا يبحث والأهداف التي يسعي للوصول إليها .. كل هذا من المفترض أنه سري.

ما هو برنامج تلبيوت؟:

يعد برنامج تلبيوت نتيجة مباشرة لحرب أكتوبر 1973 (التي انتهت بهزيمة إسرائيل على الجبهة المصرية، في حين أوقفت الجبهة السورية وردت هجوم الجيش السوري).

أدركت إسرائيل من ضمن ما أدركته من الدروس المستفادة لتلك الحرب أن عليها زيادة اعتمادها على نفسها في التصنيع العسكري، فلولا الجسر الجوي الأمريكي الذي أمدهم بأحدث أسلحة العالم بكميات لا حصر لها، كان من الممكن أن ينهار كيانهم بالكامل.

ولك أن تعلم يا عزيزي أن هذا البرنامج المتطور الذي يفخر به الإسرائيليين كان بناء على اقتراح من شخصيين مدنيين، كلاهما كان استاذا جامعيا، هما البروفيسور شاؤول ياتسيف، والبروفيسور فيليكس دوثان، واللذان خاضا مناقشات مع مسؤولي جيش الاحتلال الإسرائيلي لاقناعهم بضرورة امتلاك طريقة أفضل لتزويد جيشهم بقدرات البحث والتطوير R&D وتصنيع أسلحة جديدة.

كان الهدف من وراء ذلك البرنامج محدد، هو العثور على أفضل المواهب والعقول الإسرائيلية خصوصا في مجالات الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا، وكذلك من لديهم الصفات القيادية.

كل ذلك بهدف تأهيلهم للاستفادة منها في مجالات مثل الصناعات العسكرية، والتكنولوجيا المتطورة، وزيادة الفارق في القدرات بين الأسلحة التي يمتلكها الإسرائيليين وتلك التي في حوزة العرب الذين اثبت منهم المصريين خصوصا وقتها قدرتهم على التعامل معها بكفاءة.

اليوم فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي يعرف برنامج (تلبيوت) بأنه برنامج يقوده وتديره وزارة الدفاع، ويعتبر واحدا من (وحدات النخبة التكنولوجية الأكاديمية) في إسرائيل.

كيف يتم الاختيار في برنامج تلبيوت؟:

عندما نتحدث عن إسرائيل فإننا وبدون مبالغة نتحدث عن دولة غير طبيعية، بل عن كيان أقامته القوة العسكرية.

ونظرا لمشكلة عدد سكان هذا الكيان القليل خصوصا إذا ما قورن مع محيط الدول العربية حول أرض فلسطين المحتلة، فقد فرض هذا الواقع على هذا الكيان أن يجند كل مواطنيه -ذكورا وإناثا- تجنيدا إجباريا.

في هذا التجنيد يتم اختيار أفضل العناصر الممكنة، ولك أن تعلم عزيزي القارئ أن من بين كل من ينضم للخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الإسرائيلي يتم اختيار 50 فقط كل عام لينضموا إلى هذا البرنامج.

مالذي يتم في برنامج تلبيوت؟:

في أعقاب الاختيار والذي قلنا أنه يتم بناء على الموهبة، يتلقي الأفراد تعليما عاليا في مجالات الفيزياء أو الرياضيات أو علوم الكمبيوتر، ويحصلون على شهادات أكاديمية.

الهدف من تعليمهم هذه المجالات بالذات هو صقل مهاراتهم واستخدامها في خدمة (الابحاث والتطوير) research and development في الجيش الإسرائيلي.

أيضا، وبحسب كتاب "حافة إسرائيل"، من تأليف جيسون جويرتز، المنتج التنفيذي لقناة CNBC الأمريكية، فإن الجنود الذين يختارون في تلبيوت يتلقون أيضا دراسات عن كيفية إجراء أبحاث وتطويرات متطورة في المجال العسكري.

بعض هؤلاء يتم اختيارهم كذلك ليكونوا مسؤولين عن العديد من المناصب القيادية التكنولوجية في جيش الاحتلال الإسرائيلي.

بخلاف هذا وذاك.. فإن هناك جزء من هؤلاء يتم تخصيصهم لتشغيل المنظومات التكنولوجية المعقدة .. فمثلا الجندي ذو التعليم العادي يمكن أن يدفع به في وحدات المشاة أو المظليين أو المدفعية.

لكن هؤلاء يدفع بهم في وحدات متطورة تكنولوجيا (على سبيل المثال: سلاح الجو، أنظمة القيادة والسيطرة، منظومة مقلاع داود، منظومة القبة الحديدية .. إلخ).

على أي حال، من يتم اختياره للالتحاق ببرنامج تلبيوت يظل يخدم فيه لمدة 12 سنة (مصادر أخرى تحدثت عن عشر سنين على الأقل) شاملة مدة التجنيد الاجباري (وهي في اسرائيل ثلاث سنوات للذكور وسنتين للإناث)، ومدة التجنيد التطوعية التي تلي المدة الإجبارية، وبالطبع سبب زيادة المدة مفهوم، وهو تعظيم الاستفادة منهم.

في إسرائيل اليوم أصبح هناك وصف لمجندي وحدة تلبيوت بأنهم هم الفئة التي تتعلم في الجيش كيف يفكرون وليس كيف يقاتلون؟. 

ويضيف أصحاب هذا الوصف أن البحث عنهم وتدريبهم يجب أن يكون أولوية أكثر حتى من البحث عن الطيارين الحربيين وتدريبهم. 

وهي إشارة واضحة لمدى أهميتهم خصوصا عندما تعلم يا عزيزي أن الطيار الوحد في أي دولة يصعب العثور عليه بسبب اشتراطات الصحة والقوة البدنية والنفسية وكذلك التدريب الذي يكلف ملايين الدولارات لكل طيار ليصبح محترفا قادرا على الطيران والقتال بالطائرة.

بالمناسبة هذا لا ينفي أن بعض من يتم اختيارهم للانضمام إلى تلبيوت يصبحون مقاتلين لكنهم حتى في هذه الحالة يكونوا في مواقع القيادة .. إما قادة وحدات ميدانية أو قادة لقطع حربية في سلاح البحرية أو حتى طيارين لمقاتلات سلاح الجو الأكثر تطوراً مثل الاف-١٦ والاف-٣٥.

ماذا حقق برنامج تلبيوت؟:

نحن الآن في العقد الخامس من عمر برنامج تلبيوت.

خلال هذه السنوات الماضية، كان أعضاء برنامج تلبيوت السبب وراء العديد من الاختراقات العلمية والعسكرية التي توصلت إليها دولة الاحتلال ولعل من أبرزها ما حققته إسرائيل في صناعة الطائرات بدون طيار UAV مثل إلبيت سيستمز هرمز ٩٠٠. على سبيل المثال لا الحصر.

لقد جعلت هذه الأبحاث إسرائيل قادرة على أن تصدر تلك الطائرات إلى دول متطورة ومتقدمة تكنولوجيا واقتصاديا وعسكريا مثل ألمانيا، روسيا، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية وعشرات من الدول الأخرى.

كما شهدنا تطورا في الصناعات العسكرية الإسرائيلية في مجال الصواريخ الموجهة مثل (الصاروخ البحري كاسر البحر) وصواريخ سبايك المضادة للدبابات.

هذا كله بخلاف ما أنجزوه من معدات طيران متطورة مثل تلك التي ركبوها على النسخ الإسرائيلية من مروحيات أباتشي الهجومية.

بخلاف ذلك فإن هذا البرنامج يعتبر (المورد الرئيسي) للعاملين في شركات تصنيع الأسلحة الإسرائيلية الشهيرة مثل (رفائيل) و (إلبيت) و (إسرائيل لصناعات الطيران والفضاء).

أيضا تقلد هؤلاء الخريجين من تلبيوت مناصب مهمة في جامعات إسرائيل والغرب، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر:

  • أوري ألون - أستاذ النظم البيولوجية في معهد وايزمان.
  • إيلون ليندنشتراوس - أستاذ الرياضيات في الجامعة العبرية بالقدس.
  • آفي لوب - عالم (فيزياء نظرية) إسرائيلي أمريكي في جامعة هارفارد.

كما نجح بعضا من خريجي برنامج تلبيوت  طفي إنشاء شركات ناجحة، ومن أبرزهم:

  1. "ماريوس ناخت" الذي كان شريكا مؤسسا في شركة (تشيك بوينت سوفتوير تكنولوجيز) وهي واحدة من أكبر الشركات الإسرائيلية، ولها مكانة عالمية في سوق أمن تكنولوجيا المعلومات وأمن الإنترنت.
  2. "أريك تشيرنياك" الذي أسس واحدة من أكبر شركات نشر ومشاركة الفيديوهات على الإنترنت، وربما استخدمها البعض منكم دون أن تعلموا أنه موقع إسرائيلي وهو موقع (ميتاكافيه) Metacafe .. وإن كان الموقع قد أصبح غير نشط خصوصا مع صعود (يوتيوب) و (تيكتوك).

ولك أن تعلم أنه بحسب (وزارة الدفاع الإسرائيلية) فإنه واعتبارًا من عام 2013، حصل حوالي 10% من إجمالي خريجي الوحدة البالغ عددهم 850 على بعض الجوائز الأمنية المرموقة في إسرائيل، بما في ذلك جائزة الدفاع الإسرائيلية، وجائزة قائد القوات الجوية، وجائزة رئيس المخابرات العسكرية.

أنفاق حماس تهزم برنامج تلبيوت:

يا عزيزي لا يمكن لعاقل أن ينكر مدى قوة وتطور بل وما أنجزه برنامج تلبيوت.

لكن دعنا هنا نتذكر من جديد اسم "جيسون جويرتز" مؤلف كتاب (حافة إسرائيل) وهو بخلاف تعصبه لإسرائيل فهو معجب بشدة ببرنامج تلبيوت، أو كما قال عن نفسه في حديث لصحيفة (جيروزاليم بوست) الإسرائيلية أنه "منبهر بهذا البرنامج الرائع".

في أبريل من عام 2016، نشر هذا الرجل مقالا اعتبر فيه أن (انفاق حماس) من الممكن القضاء عليها بفضل جهود برنامج تلبيوت.

قال فيه أن أنفاق غزة خطيرة لأن إسرائيل لا يمكنها إطلاق الرصاص ضدها، وأنها تشكل خطرا استراتيجيا على إسرائيل دفع الكنيست الإسرائيلي ذاته لتشكيل لجنة في أعقاب حرب 2014 لدراسة كيفية التعامل معها.

هذه اللجنة (وكان من بين من استمعت إليهم علماء ومتخصصين في القطاع المدني والجيش) قدمت إليها اقتراحات كان من بينها إغراق تلك الانفاق بمياه البحر المتوسط، وفي اثناء عمل اللجنة تحدث بعض البيولوجيين الذين استعانت اللجنة بهم بشكل مازح بحسب المقال، قائلين إن إسرائيل ينبغي عليها استئجار حماس لجعل (مترو تل أبيب) آمنا مثل شبكة أنفاقها.

وتابع المقال الذي يشبه دراسة كاملة مستدلا بخمسة حوادث أعلنت عنهم حماس بنفسها عن وقوع (تهدم) في أنفاق خلال بناؤها، معتبرا أن ذلك بسبب وحدة النخبة (تلبيوت).

وفي النهاية، نزف لجيسون جويرتز، خبرا حزينا بالنسبة له، أنه وبعد 7 سنوات مما اعتبرته أنت نجاحا لتلبيوت ضد أنفاق حماس بدون أي دليل، فإن هذه الأنفاق لا تزال موجودة، ولا يزال جيش الاحتلال الإسرائيلي يدفع كل يوم فاتورة باهظة التكاليف من قتلى وجرحي من ضباطه وجنوده.

والأدهى من كل ذلك أن إسرائيل عندما فكرت في التعامل مع الأنفاق في غزة لجأت إلى فكرة (الإغراق بمياه البحر) التي طرحت على لجنة الكنيست، وليس من الفكرة السرية لبرنامج تلبيوت التي يبدو أنها لم تكن موجودة إلا في خيالك سيد جويرتز.

تعليقات