زدني معرفة

ما هي أشباه الموصلات؟ Semiconductors

أشباه الموصلات أو Semiconductors باللغة الإنجليزية، هي مجموعة من المواد الصلبة البلورية التي يمكن أن نصفها بأنها (مواد تقف في منتصف الطريق)، إذ لا توصل الكهرباء بنفس كفاءة المواد الموصلة للكهرباء أو (conductor) كالمعادن على سبيل المثال، وفي نفس الوقت فهي ليست مادة عازلة للكهرباء (Insulator) كالسيراميك مثلا، لذا فهي تسمي (أشباه الموصلات).

أشباه الموصلات semiconductor، قطع صغيرة الحجم غيرت وجه العالم، David Baillot، Jacobs School of Engineering، UC San Diego‏، (CC BY-NC 3.0 US).

هذه المواد هي جزء أساسي في عالمنا اليوم، فهذا الهاتف أو الحاسوب الذي تقرأ منه تقريرنا هذا، صنعت العديد من مكوناته من أشباه الموصلات Semiconductors، شاشتك الذكية التي تشاهد عليها التلفاز، هي ضمن قائمة طويلة من الأجهزة صنعت من أشباه الموصلات وصلت حتى المعدات والتقنيات العسكرية الأكثر تطورا وفتكا.

ويتصاعد اهتمام العالم كل لحظة بأشباه الموصلات Semiconductors، وهذا ليس بغريب، فمعادلة الأهمية الاقتصادية والصناعية خلقت لها أهمية سياسية وإستراتيجية كبرى تتزايد في عالم يخوض غمار توترات سياسية وصراعات عسكرية لا تهدأ.

ما هي أشباه الموصلات؟:

الفكرة الأساسية بالنسبة للمواد الموصلة للكهرباء أنها تحتوى على كمية كبيرة من الإلكترونات الحرة، وبالتالي تنقل هذه الإلكترونات التيار الكهربائي بسهولة.

العكس من ذلك، هي المواد العازلة، إذ لا تحتوي على إلكترونات حرة كافية لتوصيل التيار الكهربائي.

بين هذا وذاك لدينا المواد شبه الموصلة، التي تحتوى على كمية وسط من الإلكترونات.

وتنتشر أشباه الموصلات في الطبيعة من حولنا في العديد من المواد الطبيعية ومن أهمها السيليكون الذي تشير بعض المصادر إلى أن ٨٠٪ من أشباه الموصلات semiconductor حول العالم تعتمد عليه في صناعتها، كما تعد مادة الجرمانيوم أيضا من أشباه الموصلات الشائعة مباشرة بعد السيليكون.

مركبات كيميائية مثل مركب (زرنيخيد الغاليوم) أو مركب (سيلينيد الكادميوم)، كلاهما أيضا من أشباه الموصلات.

لكن أشباه الموصلات لا تتميز بهذه الميزة فحسب، هناك ميزة رئيسية أخرى تظهر بوضوح داخل المصانع، جعلتها سلعة ذات أهمية إستراتيجية لا تضاهي، برغم أن موادها الخام ليست ذات قيمة اقتصادية كبرى.

صناعة أشباه الموصلات:

يعد السيليكون المصدر الرئيسي لصناعة أشباه الموصلات، Hi-Res Images of Chemical Elements،  (CC BY 3.0)، via wikimedia commons.

لا يتم استخدام مواد أشباه الموصلات في الصناعة في صورتها الخام بشكل مباشر، بل تدخل أشباه الموصلات نفسها في واحدة من أعقد الصناعات عالميا والتي تحتاج لأيادي عاملة مدربة بشكل ممتاز، حتى يتم تحويل المادة الخام إلى الصورة التي يمكن استخدامها بكفاءة في صناعة الأجهزة والمعدات الإلكترونية.

ومن أهم صور صناعة أشباه الموصلات Semiconductors، تلك العملية التي تهدف إلى التحكم في كمية التيار الكهربائي التي ستسمح له المادة بالمرور من خلالها، وأهمية هذه الصورة بالتحديد أنها تختلف حسب الجهاز الذي سيتم استخدام أشباه الموصلات فيما بعد في صناعته.

فأشباه الموصلات التي تستخدم في الهواتف ستمرر كمية كهرباء تختلف عن تلك التي ستستخدم في شاشة قمرة قيادة طائرة، وبالتأكيد تختلف عن تلك التي ستستخدم في صناعة جهاز طبي متطور.

هذه العملية (التحكم في كمية التيار الكهربائي الذي سيمر عبر المادة شبه الموصلة) تسمي علميا وصناعيا باسم (التطعيم) أو (Doping) باللغة الإنجليزية، حيث يتم إحضار أشباه الموصلات النقية والتي يطلق عليها (Intrinsic)، ثم يضاف إليها شوائب وإضافات من بعض العناصر الأخرى، بهدف زيادة قدرة التوصيل الكهربائي لأشباه الموصلات النقية.

هذه الميزة (قابلية أشباه الموصلات semiconductor) لضبط وتحديد كمية التيار الكهربائي الذي ستوصله هي ميزتها الرئيسية التي اكسبتها أهميتها البالغة في عالم الصناعة، فأيا كان التيار أو الجهد الكهربائي الذي تريد الشركة المنتجة أو المصنع التعامل معه في أي منتج، ستقدم أشباه الموصلات الحل المثالي لها.

أمثلة على صناعات أشباه الموصلات:

سنضرب هنا مجرد بضع أمثلة على الأجزاء الهامة التي تدخل في الأجهزة الإلكترونية الحديثة اعتمادا على أشباه الموصلات ... ونؤكد أن هذه مجرد أمثلة، فإذا أردنا وضع تصور كامل، فسنحتاج لكتاب كامل وليس مجرد تقرير أو حتى دراسة.

  • الدوائر المتكاملة أو الدوائر المدمجة ICs(integrated circuits): مثل الشرائح الإلكترونية التي تستخدم في الهواتف الذكية سواء كانت شريحة تخزين المعلومات، أو الرقاقات، ... إلخ).
  • الرقائق مثل المايكروشيبس الأساسية في صناعات مثل الهواتف الذكية.
قطعة من ذاكرة وصول عشوائي RAM خاصة بجهاز حاسب آلي، هذه القطع تعتمد تماما في صناعتها على أشباه الموصلات، Raimond Spekking، CC BY-SA 4.0، via wikimedia commons.

  • الثنائيات أو الصمام الثنائي diodes: وهو مكون كهربائي يسمح للتيار الكهربائي بالمرور في إتجاه واحد فقط... ويستخدم الصمام الثنائي بشكل رئيسي في صناعة الشاشات من شاشات التلفزيون والهواتف الحديثة "مثل هاتف جوجل بيكسل ٦، و آيفون ١٣"... أنواع شاشات مثل ليد (LEDs) أو شاشات Oled، وحتى الشاشات داخل أحدث مقاتلات أسلحة الجو العالمية تعتمد في تصنيعها على أشباه الموصلات ((يمكنكم الإطلاع على تقريرنا: ((ما هي شاشات Oled.. وما أهم مميزاتها وعيوبها؟)) لفهم طريقة عمل هذه الثنائيات.
  • الترانزستور أو transistors: وهو وبالرغم من حجمه الصغير، يعد بحق أحد أهم الاختراعات في القرن العشرين (توصل إليه العلماء في الولايات المتحدة عام ١٩٤٧) ويستخدم في تكبير الإشارات الكهربائية والتحكم بها. ما مكن من تصغير الحواسيب بدرجة كبيرة بدلا من الحواسيب البدائية التي كانت تشغل مساحة غرفة كبيرة ويصل وزنها لنحو ٣٠ طن، كما ساهم في تسريعها، علاوة على انخفاض درجة حرارته.
  • الأجهزة الطبية المتطورة.
  • مكيفات الهواء، والقطع الخاصة بضبط درجة حرارة الغرفة.
  • بعض أنظمة النقل والسيارات الحديثة وخصوصا السيارات الكهربائية.
  • أجهزة الاستشعار البصرية التي تستخدم في تصنيع الأسلحة المتطورة المزودة بأنظمة رصد كهرو-ضوئية مثل: ((صواريخ سبايك الإسرائيلية))، و ((الطائرة الأمريكية بدون طيار جنرال أتوميكس MQ-1C .. النسر الرمادي))... وهذين مجرد مثالين فقط لأسلحة نشرنا تقارير سابقة عنها، وبلا مبالغة فكل الأسلحة الحديثة دخلت أشباه الموصلات في صناعتها و صناعة ما تحمله من معدات وأسلحة.
  • ليزر الحالة الصلبة.
  • الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، الحوسبة الكمومية.
  • العديد والعديد من التطبيقات التكنولوجية والصناعية.

هذه الأشياء -وهي مجرد أمثلة- تجعلنا نعتقد بصحة العنوان الذي اختاره دوغلاس هيفين، المتخصص في الذكاء الاصطناعي AI، في تقريره الرائع الذي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تحت عنوان: (المعدن الوضيع الذي غير العالم).

قمرات قيادة الطائرات المدنية أو العسكرية كلها تتكون من الكثير من الأجهزة التي اعتمدت على أشباه الموصلات في صناعتها، CC0 Public Domain، Petr Kratochvil.

ولا غرابة في وصف دوغلاس هيفين لأشباه المواصلات بأنها (معدن وضيع)، فأهم عناصر أشباه الموصلات semiconductor هو السيليكون، هو عنصر وفير للغاية على كوكبنا ويتواجد في الرمال، فنحن لا نتحدث هنا عن ذهب أو فضة.

يري دوغلاس هيفين أن أشباه الموصلات semiconductor حققت ما لم تحققه أي تقنية أخرى في ربط العالم وتقريبه ببعضه أكثر.

فمن المدن التي لا تنام أبدًا، إلى القرى الريفية النائية، ترسم أشباه الموصلات طريقة حياتنا، من الهواتف الذكية في جيوبنا، والطائرات التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، وأجهزة تنظيم ضريات القلب، إلى أجهزة الكمبيوتر العملاقة التي تتنبأ بالطقس.

كل هذه الأشياء بداخلها قطع صغيرة لا يراها الناس ولا يعرفونها، لكن بدونها فإن الكثير من هذه الأشياء لم تكن ممكنة بدونها، إنها أشباه الموصلات semiconductor.

وربما يعود السبب الأساسي وراء هذا الغزو لأشباه الموصلات العديد من الصناعات الأساسية في عالمنا اليوم، أنها قد حققت المعادلة الصعبة والتي قلما تتكرر، معادلة الجودة والسعر المنخفض في نفس الوقت.

الأهمية الاقتصادية لأشباه الموصلات Semiconductors:

في أبريل من العام ٢٠٢٢، نشرت شركة ((ماكنزي وَشُرَكَاؤُهُ)) الأمريكية، وهي واحدة من أهم شركات الاستشارات الإدارية والمالية في العالم تقريرا بعنوان: ((عصر أشباه الموصلات: قطاع التريليون دولار)).

التقرير توقع أن تصل قيمة قطاع أشباه الموصلات عالميا بحلول عام ٢٠٣٠ إلى تريليون دولار أمريكي.

هذا الرقم الفلكي يثير شهية كل الدول والحكومات والشركات الكبرى، لكن الكعكة لا تتوقف عند حد هذا العائد الاقتصادي المذهل، بل تمتد للحقيقة التي أشرنا إليها منذ البداية، الحقيقة التي تقول أن أشباه الموصلات Semiconductors تدخل في كل صناعات الأجهزة المتقدمة في كل المجالات.

مبني ليس شاهق الارتفاع ولا يبدو أنه كان باهظ التكلفة أيضا، لكن بداخله واحدة من أهم شركات العالم، شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (TSMC)، في حديقة هسينشو للعلوم، تايوان، Peellden، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

معني ذلك، أن الدولة التي تملك تصنيع تكنولوجيا أشباه الموصلات تمتلك الشريان الرئيسي للحياة التكنولوجية التي تحيطنا بكل تفاصيلها، فمن امتلكها فقد امتلك رقاب الناس بلا مبالغة، إذن فالأهمية هنا تصعد لتكون أهمية إستراتيجية وليست اقتصادية فحسب.

هذا على صعيد النظري قد يثير المشاكل، لكن المفارقة أنه وعمليا فإن بذور المشاكل موجودة بالفعل.

ذلك لأن دولة واحدة هي (تايوان) تملك بالفعل الريادة بل والسيطرة على صناعة أشباه الموصلات (رقميا تسيطر تايوان على نحو ٦٥٪ من سوق أشباه الموصلات عالميا، في حين أن دولة عظمى مثل الصين على سبيل المثال لا تزيد حصتها عن ٦٪ فقط).

الأهمية الإستراتيجية لأشباه الموصلات:

تايوان ليست بالدولة العادية، فهذه الجزيرة الصغيرة الواقعة جنوب الصين واحدة من أكثر الأماكن المرشحة لاندلاع الحرب فيها في أي لحظة، ((يمكنكم الإطلاع على تقريرنا: من سينتصر في الحرب بين الصين وأمريكا.. سيناريوهات الحرب القادمة.. الجزء الأول)). لتكتشفوا بسهولة أن مسرح أي حرب قادمة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية سيكون هناك في تايوان.

فمع سياسة معلنة، وعزيمة لا تلين، تصمم الصين على تبعية تايوان لها ضمن سياسة تعرف باسم (الصين الواحدة)، والتي تقوم على أساس أن تايوان وإن كان لها نظام حكم مختلف، فهي تابعة للصين وجزء منها وليست دولة مستقلة.

على الجانب الآخر، هناك الولايات المتحدة الأمريكية التي تتخذ من تايوان مسمار جحا، الذي يتيح لها التواجد في ملعب الصين وساحتها الاستراتيجية.

تايوان نفسها وفي خطابها الدعائي المضاد للصين، والموجه للغرب أساسا، تضع أشباه الموصلات كسبب من الأسباب التي قد تدفع الصين للتحرك ضدها بهدف السيطرة على مصانعها الرائدة عالمياً في هذا المجال.

نحن بالفعل نواجه حالة من زيادة المطلوب من أشباه الموصلات semiconductor عن المعروض فعليا، وبرغم من أن هذه مشكلة، إلا أنها وفي نفس الوقت تعد فرصة للعديد من الشركات لاقتناص هذه الحالة وتعزيز معدلات انتاجها.

حقق كيان الاحتلال الصهيوني اختراقات مهمة في صناعة أشباه الموصلات، صورة لمبني شركة البرج لصناعة أشباه الموصلات، Tower Semiconductor، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

لقد شعر العالم كله بتأثير نقص المعروض من أشباه الموصلات خصوصا عند تفاقم أزمة سلاسل التوريد، والتي منعت الكثير من شحنات أشباه الموصلات من الوصول إلى المصانع في المواعيد المحددة، ما عطل الكثير من عمليات الانتاج لمدة وصلت أحيانا إلى ٦ شهور.

تعلمت الولايات المتحدة الأمريكية هذا الدرس جيدا، وبدأت بالفعل في العمل على تعزيز قدراتها في مجال صناعة أشباه الموصلات، وأصدر الكونغرس الأمريكي قانون الرقائق أو قانون CHIPS الذي من شأنه أن يدعم صناعة أشباه موصلات محلية قوية داخل أمريكا.

توصية بشأن أشباه الموصلات semiconductor:

نخلص في نهاية دراستنا هذه إلى توصية بأن تحرص الدول العربية على توطين صناعة أشباه الموصلات بداخلها، وذلك لضخامة العائد الاقتصادي، بخلاف الأهمية الإستراتيجية لتلك الصناعة، والتي ترفع من الثقل السياسي لأي دولة تقوم بتصنيعها.

إن تصاعد الطلب العالمي على أشباه الموصلات، وقلة المعروض، وبقاءه تحت طائلة التوترات الجيوسياسية، يجعل النجاح من الممكن وبشدة.

علينا دراسة أسواق أشباه الموصلات semiconductor بشكل جيد، وبدء دخولنا في المناطق الفارغة فيها أو سهلة المنافسة، خصوصا أن شركات ومصانع إنتاج أشباه الموصلات تميل للتركيز على إنتاج نوع معين من أشباه الموصلات مثلا تلك التي ستستخدم في صناعة (ذاكرة الأجهزة الإلكترونية، الشاشات، أجهزة الاستشعار.. إلخ) ولن تقوم بإنتاج هذه الثلاثة أنواع معا.

على العكس تريد شركة مثلا تنتج الهواتف الذكية أن تحصل على كل القطع جاهزة ومصنعة، لأنها حين تبدأ إنتاج الهواتف فإنها لن ترغب أبدا في أن يؤدي عدم وجود شريحة واحدة متخصصة إلى توقف تصنيع المنتج النهائي، حتى لو كانت جميع مكونات الهاتف الأخرى متاحة.

هناك متخصصين عرب من الأفضل عالميا في دراسة الأسواق وتقديم الاستشارات، وهؤلاء يجب دعوتهم لإرشاد الحكومات نحو ثغرات هذه السوق، لنشق طريقنا إليها.

ولا ننسي الإشارة للتركيز الإسرائيلي في صناعة أشباه الموصلات semiconductor، ولعل أبرز مثال في هذا الصدد، هي الصفقة التي اشترت بها شركة إنتل Intel الأمريكية شركة البرج لصناعة أشباه الموصلات بقيمة ٥،٤ مليار دولار مطلع العام ٢٠٢٢.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -