غزوة خيبر .. أعظم انتصارات المسلمين على اليهود

لم تكن غزوة خيبر هي مجرد العمليات القتالية المريرة والشديدة التي وقعت بين المسلمين بقيادة النبي محمد صلى اللَّه عليه وسلم.

حصن القموص، أحد 8 حصون في خيبر، يبدو واضحا اختياره على مكان مرتفع ليسهل مهمة الدفاع عنه
حصن القموص، أحد 8 حصون في خيبر، يبدو واضحا اختياره على مكان مرتفع ليسهل مهمة الدفاع عنه، Hardscarf, CC BY-SA 4.0 DEED، via wikimedia commons.

كان لهذه الغزوة جذور كبيرة من العداء الذي أبطنه اليهود تارة وأعلنوه تارة أخرى نحو النبي وبعثة الإسلام كلها.

ذلك بالرغم من العهد الذي أبرمه الطرفين، والذي مثل بعرف عصرنا الحالي وثيقة للتعايش أو دستور التعامل بين سكان المدينة المنورة من مسلمين ويهود، كانت تلزم كل طرف أن يعاون الآخر إذا ما اعتدي عليه معتدي، وأن لا يخون أحدهما الآخر، وأن يتشاركا ككتلة واحدة في الدفاع عن يثرب.

الظروف التي أدت إلى غزوة خيبر:

كان اليهود يعيشون في تلك الفترة في المدينة المنورة وفي خيبر، يتحدثون العربية، ولهم أسماء عربية، وهذا السبب ما جعل المؤرخين يختلفون هل كانوا عربا دخلوا اليهودية ام يهودا تعربوا بعدما فروا لاجئين من الاحتلال الروماني للشام، وأن منهم من جاء انتظارا لبعث نبي آخر الزمان الذي كانت الإشارات تجعل (يثرب) وقتها هي أقرب وأرجح أماكن ظهوره حسب كتبهم.

وكان اليهود يأملون أن يخرج هذا النبي منهم .. فلما خرج نبيا عربيا هاشميا أقاموا عليه حربا لا هوادة فيها.

فها هو (كعب بن الأشرف) أحد زعماء اليهود وشعرائهم بعد غزوة بدر التي انتصر فيها المسلمين على قريش، يعبر علنا عن موقفه فيقول: ((بطن الأرض اليوم خير من ظهرها بعد أن أصيب أشراف الناس وسادتهم وملوك العرب وأهل الحرم والأمن)).

ثم كانت غزوة بني النضير عام 625 ميلادية، وهم يهود من أهل المدينة، كانوا قد دبروا لقتل النبي صلى اللّه عليه وسلم، وتم كشف ذلك، علاوة على أنهم حرضوا المشركين وخصوصا من قريش على الهجوم على المدينة المنورة، في مخالفة للعهد مع المسلمين.

انتهت الغزوة بالاتفاق على خروجهم من المدينة وحملهم أموالهم إلا السلاح وأدوات صياغة الذهب، ولم يدخل في الإسلام منهم إلا رجلين بقيا في المدينة.

خرج بني النضير من بيوتهم في المدينة صوب خيبر حيث عاشوا فيها مع اليهود من سكانها، لتزداد خيبر على ما فيها أصلا من عداء وتربص بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه.

رسم فارسي لغزوة بني قريظة، مأخوذ من غلاف كتاب تراث الجهاد لأندرو بوستوم
رسم فارسي لغزوة بني قريظة، مأخوذ من غلاف كتاب تراث الجهاد لأندرو بوستوم، British Library، Muhammad Rafi Bazil، public domain via wikimedia commons.

وما زاد نفوس اليهود غيظا وكراهية تجاه النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين، هو ما حدث عقب ذلك مع يهود بني قريظة، الذين غدروا بالمسلمين في غزوة الخندق، وكادوا يفتحوا الطريق للمشركين لدخول المدينة المنورة من جهتهم فخالفوا هم أيضا العهد مع المسلمين.

فورا وعقب رحيل جيوش المشركين، قاد النبي صلى اللّه عليه وسلم المسلمين فألحقوا هزيمة تاريخية ببني قريظة بعد حصار استمر لمدة 25 يومًا، وأنتهي أمرهم بقتل رجالهم جميعا جزاء على غدرهم ونقضهم العهد.

حمل ذلك سببا إضافيا ليهود خيبر لكراهية المسلمين، خصوصا انهم في خيبر كانوا سببا رئيسيا في جمع وتأسيس تحالف الأحزاب، وكانوا هم أنفسهم محرضا دافعا لبني قريظة على خيانتهم.

وهكذا كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة للانتقام، ولكنهم لم يكونوا يعلمون أن تلك اللحظة عندما تأتي ستكون لحظة إتيان دورهم في الهزيمة.

وبطول التاريخ وعرضه، نجد الكثير من القصص عن الخيانة والخونة، فهذا يهوذا الإسخريوطي تلميذ المسيح -عليه السلام- الذي خانه وأبلغ عنه الجنود الرومان.

وهذا الجنرال (بنديكت أرنولد) الذي يعتبر رمزا للخيانة لدي الأمريكيين، حيث خانهم في حرب الاستقلال ضد بريطانيا وانضم لصفوف الإنجليز.

لكن ما حدث في خيبر كان مختلفا، لقد كانت الخيانة (جماعية) اشترك فيها كل يهود خيبر بلا استثناء.

في العام السابق على الغزوة على سبيل المثال، حاول النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يجري تفاهما مع أهلها يضمن التعايش السلمي بين الطرفين، بالرغم من أن سيد اليهود في خيبر (أسير بن رزام) كان قد بدء تحركات نشطة لجمع القبائل والتحالف ضد المسلمين والهجوم على المدينة المنورة.

صورة حديثة لخيبر
صورة حديثة لخيبر، من Hardscarf، CC BY-SA 4.0 DEED، via wikimedia commons.

في تلك اللحظة، أرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم سرية من 30 رجل فقط وجعل أميرهم عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- وعرضوا على (أسير بن رزام) القدوم إلى المدينة والتفاهم مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم.

أبدى (أسير بن رزام) موافقته، ولكن اليهود في الطريق حاولوا الغدر وقتل المسلمين، لكن ما حدث أن المسلمين شدوا عليهم، وقتل (عبد اللّٰه بن أنيس الجهني) زعيمهم أسير بن رزام.

وتمر الأيام، ويعقد النبي صلى اللّه عليه وسلم (صلح الحديبية) الذي نص على وقف الحرب بينه وبين مشركي قريش لمدة 10 أعوام، وتبقي جبهة اليهود فقط هي المفتوحة على المسلمين، فإن لم يبدأ المسلمين بالهجوم والصفع، فإنهم كانوا سيتلقون ذلك من اليهود.

عن كل تلك الأحداث يقول البروفيسور (إسرائيل ولفنسون) في كتابه (تاريخ اليهود في بلاد العرب) وتعقيبا على تحريضهم الكفار على التجمع في غزوة الأحزاب وسؤال المشركين لهم هل دينهم أفضل أم دين محمد؟: 

وكان من واجب هؤلاء ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي، ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطالبهم، لأن بني إسرائيل كانوا مدة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الاقدمين، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتى من الأدوار التاريخية، كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين، هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عباد الاصنام، إنما كانوا يحاربون أنفسهم ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام، وبالوقوف منهم موقف الخصومة.

ونعلق نحن هنا قائلين .. ما أشبه كل تلك المؤامرات بما فعلوه مع نبي الله عيسي بن مريم -عليهما السلام-، والذي تواطؤ مع الرومان على محاولة قتله .. ((للمزيد عن هذا يمكنكم قراءة تقريرنا: يهوذا الإسخريوطي .. قصة تلميذ المسيح الخائن)).

مكان وظروف المعركة:

جغرافيا، تبعد خيبر عن المدينة مسافة 180 كيلو متر جهة الشمال، وهي عبارة عن واحة استوطنها اليهود وبنوا فيها أقوى القلاع وأشدها تحصينا.

مكان خيبر نفسها كان محاطا بصخور البازلت، ما ساعد اليهود على استخدامها في حصونهم واستحكاماتهم الدفاعية.

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تتخيل واحة خيبر.
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تتخيل واحة خيبر.

وفي شهر محرم من السنة السابعة من الهجرة (الموافقة لسنة 627 ميلادية) -يقول الواقدي أن ذلك حدث في شهر صفر أو ربيع الأول من نفس السنة-، قرر النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه لم يعد هناك بد من غزوها بعدما تصاعد خطر اليهود منها، علاوة على كل ما فعلوه سابقا من كيد وغدر بالإسلام والمسلمين.

لكن خيبر لم تكن كغيرها، وذلك للعديد من الأسباب:

  • أنها كانت شديدة التحصين قوية القلاع وساعد في ذلك طبيعتها الجغرافية كما أوضحنا.
  • كانت خيبر هي أوفر طوائف اليهود مالا وتسليحا.
  • كانت عقر اليهود الأخير، الذين وبكل تأكيد سيستبسلون في الدفاع عنه.
  • حول الحصون كان اليهود يمتلكون مزارع وفيرة الخير والثمار وينابيع من ماء تمدهم بكل ما يحتاجونه منها.
  • طبيعة أهل خيبر أنفسهم، فكان منهم مقاتلين أشداء ذوي صيت شديد بين كافة قبائل العرب.

خيبر يا عزيزي القارئ لم تكن قبيلة كغيرها، بل كانت دولة وسط شبه الجزيرة العربية.

نجد هذا الوصف مثلا في محاضرة شهيرة بعنوان The Legend of Khaybar, A Jewish “Kingdom” in the Arabian Desert أو (أسطورة خيبر "مملكة" يهودية في الصحراء العربية) ألقاها (ليران يادغار) أستاذ الدراسات اليهودية بجامعة كاليفورنيا.

كانت هذه القوة الهائلة لخيبر تمثل تحديا كبيرا للمسلمين، خصوصا وأنها "قوة معادية".. بدت وكأنها (لا تهزم).

ومع ذلك، فهناك الكثير من التفسيرات القرآنية التي تشير إلى أن الله -عز وجل- قد بشر نبيه والمسلمين بأنهم سيفتحون خيبر، وذلك في قوله -سبحانه وتعالى-: ((۞ لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)) (سورة الفتح: 18).

عن ذلك يقول (محمد حسين هيكل) المحامي والقاضي والوزير المصري في عهد الملك فؤاد الأول .. في كتابه (حياه محمد صلي الله عليه وسلم):

((ووقفت قريش، ووقفت شبه جزيرة العرب كلها متطلعة إلى هذه الغزوة، حتى لقد كان من قريش من يتراهنون على نتائجها، ولمن يتم الغلب فيها، وكان كثيرون من قريش يتوقعون أن تدور الدائرة على المسلمين، لما عرف من قوة حصون خيبر، وقيامها فوق الصخور والجبال، ولطول ممارسة أهلها للحرب والقتال)).

القوة العسكرية للمسلمين مقابل قوة يهود خيبر:

إذا نظرنا إلى القوتين العسكريتين المتحاربتين قبل بدء المعركة، فلن نقول أن النصر مؤكد ليهود خيبر فحسب، بل قد نعتبر أن هجوم المسلمين عليهم من الأساس يعتبر انتحارا من الناحية العسكرية.

بجانب أنهم يقاتلون داخل حصونهم المنيعة، كان يهود خيبر يزيدون عدديا بأكثر من سبعة أضعاف عن جيش المسلمين، فهم 10 آلاف، وجيش المسلمين تعداده 1400 فقط، وقيل في بعض المصادر 1600.

في العلوم العسكرية، يقال دوما أن القوة المهاجمة لابد أن تكون ثلاثة أمثال القوة المدافعة حتى تستطيع هزيمتها، ما يجعل الأمر يزداد صعوبة وتعقيدا على المسلمين.

ففي ذلك الوقت، بدأ المنافقين يعملون دعما لحلفائهم اليهود.

فها هو رأس النفاق (عبد الله بن ابي بن سلول) يرسل إلى يهود خيبر بتحرك النبي صلى اللّه عليه وسلم بالجيش، مطمئنا إياهم أنهم في عدد قليل وتسليح متواضع.

ربما كانت كل تلك الأسباب هي ما دعت قبيلة (بنو غطفان) وهي من أكبر قبائل العرب حتى يومنا هذا للإنضمام إلى اليهود فأمدوهم بأربع مائة مقاتل.

صورة مولدة بنموذج الذكاء الاصطناعي freepik، تتخيل عبد الله بن ابي بن سلول.
صورة مولدة بنموذج الذكاء الاصطناعي freepik، تتخيل عبد الله بن ابي بن سلول.

كان ذلك بناء على اتفاق تم إبرامه بعدما أرسل لهم يهود خيبر رجلين منهم هما (كنانة بن أبي الحقيق) و (هوذة بن قيس)، ونص الاتفاق كذلك على أن يكون لغطفان نصف ثمار خيبر إن هم هزموا المسلمين.

لكن مهلا هنا..

فهذا ليس العدد الذي كان بوسع النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يأخذه معه ... بل إنه من أخذ قرار جعل جيشه بهذا الحجم.

ذلك لأن ما ذكرناه من البشرى في القرآن الكريم بفتح خيبر، جعلت الجميع بمن فيهم حتى المنافقين يرغب في الإنضمام إلى الجيش، للفوز بالغنائم الوفيرة.

وذلك تصديقا لقول الحق سبحانه وتعالى:

((سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا)) {الفتح: 15}.

إن هذا الفعل بمفرده لهو من دلائل صدق نبوة هذا الرجل (محمد صلي الله عليه وسلم)، فهو أولا لم يترك احتمالات للنصر أو الهزيمة كما هي أي حرب، بل أكد انتصاره فيها.

وثانيا لم يسعي لتكبير جيشه لزيادة احتمالات نصره، بل هو اكتفي فقط بالمؤمنين الذين بايعونه تحت الشجرة قبل (صلح الحديبية)، ومنع المنافقين وضعفاء الإيمان الذين تخلفوا من قبل عن صحبته في الحديبية من القدوم معه إلى خيبر.

صلح الحديبية، مشهد من فيلم الرسالة.
صلح الحديبية، مشهد من فيلم الرسالة.

وهكذا تحرك النبي صلى اللَّه عليه وسلم وجيش المسلمين ليقطعوا المسافة بين المدينة وخيبر في غضون ثلاثة أيام، دون أن يشعر بهم أحد، بعدما استعمل ((سباع بن عرفطة الغفاري)) يكون بها في غيابه هو والجيش.

وفي الطريق أنشد المسلمون أبياتا من شعر (عامر بن الأكوع) وكان في الجيش .. قال فيها: ((اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلين .. فأغفر فداء لك ما اتقينا وثبت الأقدام إن لاقينا)).. وفي صحيح البخاري أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم دعا له الله أن يغفر له، وفي رواية أخرى أن يرحمه .. وقد كان من يدعو له رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم في غزوة أو قتال يسقط شهيدا.

وبالفعل يستشهد رضي الله عنه بعد ذلك خلال القتال في خيبر.

أما طريق الجيش نفسه، فقد أختار النبي صلى اللَّه عليه وسلم أن يسلك طريقا يجعله يصل خيبر من جهة الشمال، وفي ذلك حسن تدبير من الناحية الخططية، فمن ذلك الموضع يقطع الطريق بين خيبر وبين الشام، كما يحول بينهم وبين حلفائهم في غطفان.

ومما وقع في الطريق كذلك أن المسلمين علا صوتهم بالتكبير والتوحيد .. فنهاهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم بقوله: ((انكم لا تدعون أصما ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا)).. ومن ذلك نتعلم أن لا تعلو أصواتنا عند الذكر أو الدعاء.

فتح خيبر:

الغريب أنه ومع ذلك التفوق العسكري الكاسح ليهود خيبر، فإنه لما وصل جيش المسلمين فإنهم فروا داخل حصونهم فورا.

فيحكي لنا أنس بن مالك -رضي الله عنه- فيما رواه البخاري أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم وصل بجيش المسلمين إلى خيبر عند الليل، وكان لا يهاجم ليلا فأنتظر حتى الصباح.

وفي الصباح خرج مزارعين خيبر إلى أراضيهم وحقولهم، فإذا بجيش المسلمين أمامهم، هربوا إلى داخل الحصون وهم يصرخون: (محمد والله .. محمد والخميس) .. يقصدون بالخميس : الجيش.

وهنا يكبر رسول اللّه صلى اللَّه عليه وسلم، وبقوة وعزة يقول: ((الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)).

ومنذ تلك اللحظة بدأ حصار المسلمين لحصون خيبر.

بجانب الحسابات العسكرية، كان هناك بعد حاسم آخر في المعركة يشير إلى أنه يميل وبشدة إلى مصلحة اليهود.

نتحدث هنا عن (العامل اللوجستي) .. فداخل حصونهم كانوا يمتلكون من الطعام ما يكفيهم لشهور من الحصار الطويل، وكان على المسلمين بقيادة النبي مواجهة كل تلك الأشياء.

بدأت غزوة خيبر وكان اليهود قد وزعوا قواتهم على حصونهم الثمانية، حيث بنوا تكتيكهم على أن لا يضعوا كل البيض في سلة واحدة.

فوضعوا الأطفال والأموال في حصنى (الوطيح والسلالم) فيما ركزوا الذخائر في (حصن ناعم)، وجمعوا أفضل المقاتلين لديهم في (حصن نطاة).

وافتتح المسلمون الهجوم بحصن (ناعم) خط الدفاع اليهودي الأول عن خيبر وأقوى حصونهم فيها.

هنا بدأ الأمر بمعارك فردية، حيث خرج أحد أبطال اليهود ويدعي (الحارث بن أبي زينب) أو (الحارث بن الحارث) متباهيا في زهو يدعو للمبارزة، فخرج له الإمام على -رضي الله عنه- فقتله.

ثم تبعه بطل ثاني من أبطال اليهود وكان يسمي (عامر).

عامر هذا كان طويلا بشكل استثنائي.. حتى أن ذلك لفت نظر حبيبنا محمد صلى اللَّه عليه وسلم فقال لأصحابه من حوله: ((أترونه خمسة أذرع؟)).

فلما خرج دعا للمبارزة وكان يرتدي الدروع تغطي معظم جسده، ومرة أخرى يخرج له الإمام علي بن أبي طالب، فتمكن منه -رضي الله عنه-، لكن الدروع كانت تحمي (عامر اليهودي)، فلما رأي الإمام علي ذلك، ضربه على ساقيه، فبرك عامر، ثم حمل عليه الإمام علي فقتله.

تبعه بطل آخر من أبطال خيبر هو (ياسر) الذي خرج من الحصن يطلب المنازلة، وهنا أقسم الزبير بن العوام على (علي بن أبي طالب) أن يتركه له.

فلما رأت أمه (السيدة صفية) ذلك خافت على ابنها، فذهبت إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم تطلب منه منع أبنها وهي تقول بقلب الام: ((يا رسول اللّه يقتل ابني)) فأجابها صلى اللَّه عليه وسلم بل إبنك يقتله إن شاء الله.

وبالفعل هذا ما يحدث ويقتله الزبير بن العوام .. وترتفع الروح المعنوية للمسلمين إلى عنان السماء، فيما أهل خيبر في عكس ذلك بعدما رأوا رجالهم يتساقطون واحدا تلو الآخر.

وكان من الأشياء الملفتة للنظر والتي أكدت نية يهود خيبر الهجوم على المسلمين، هو ما عثر عليه المسلمين داخل حصونهم من آلات حربية مثل المنجنيق والدبابات وهي معدات كانوا يجهزونها للهجوم على المدينة المنورة.

قاد على بن أبي طالب جيش المسلمين عند حصن ناعم
قاد على بن أبي طالب جيش المسلمين عند حصن ناعم، Designed by Freepik.

كان (حصن ناعم) هو أكثر الحصون اليهودية صمودا في خيبر، إذ احتاج لأحد عشر يوما كاملة من أجل أن يفتح، استشهد خلالها الصحابي (محمود بن مسلمة الأنصاري).

في ختام أحد تلك الأيام لمحاولات المسلمين المستمرة من أجل فتح الحصن والتي كانت بقيادة أبي بكر الصديق، قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه يوم غدا سيدفع الراية إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح له... وتأتي الروايات تقص علينا أن كل المسلمين باتوا ليلتهم يتمني كل منهم أن يكون هو نفسه هذا الرجل.

وكان الإمام علي -رضي الله عنه- يومها يشكو من ألم في عينيه، فدعاه النبي صلي الله عليه وسلم، فمسح على عينيه ودعا له فشفي من مرضه فورا.

وأمره النبي صلي الله عليه وسلم أن يدعو أهل خيبر للدخول إلى الإسلام قبل أن يبدأ قتالهم، قائلا له: ((فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حُمْر النعم)).

لكن اليهود رفضوا دعوته وظلوا مصممين على القتال.

وفي أحدى الروايات أن الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- انتزع باب الحصن بيديه، ثم استطاع المسلمين اقتحامه وانهارت الدفاعات اليهودية.

ثم قاد (الحباب بن منذر الأنصاري) -رضي الله عنه- قيادة المسلمين في الهجوم على حصن الصّعب، الذي صمد لمدة ثلاثة أيام، ثم فتحه الله للمسلمين، وكان فتح هذا الحصن في الوقت المناسب، إذ عثروا فيه على كميات كبيرة من الطعام الذي كان يلزمهم لمواصلة القتال بقوة.

تلي ذلك، توجه المسلمين إلى (حصن القموص) والذي دارت حوله كذلك معارك قوية حتى استطاع المسلمين فتحه بفضل اللَّهَ.

فيما كانت المعركة عند (حصن نطاة) حيث أفضل وأقوى مقاتلي خيبر شديدة وحامية الوطيس، لدرجة أن إصيب خمسين رجلا من المسلمين في يوم واحد من القتال عنده.

ومن المعارك المهمة في غزوة خيبر، معركة (حصن القلة) والذي سمي بعد ذلك (حصن الزبير)، ذلك لأن هذا الحصن بالتحديد كان شديد الارتفاع، إذا ما حاول المسلمين الهجوم عليه، رصدهم من بداخله فأمطروهم بالسهام وردوهم.

فرأي النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يحاصرهم لكن بدون جدوى.

وهنا يأتي المدد الإلهي .. فيخرج من بين اليهود رجلا يسمي (غزال)، وطلب من النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يعطي الأمان له وأهله وماله، فأعطاه .. فأرشده إلى طريق يخرج منه المتحصنين في حصن القلة كل ليلة، يشربون من أحد عيون الماء ثم يعودون لا يشعر بهم أحد.

فقطع المسلمين طريقهم إلى تلك العين ومنعوهم من الوصول لها، فأضطروهم إلى الخروج والقتال، فانهزموا وأنسحبوا من الحصن.

وتتوالي حصون اليهود في القلاع وكان اليهود يفرون من كل حصن يسقط إلى الحصن الذي يليه، حتى وصل النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه إلى آخر الحصون، وبالتحديد حصنى (الوطيح والسلالم).

حينها عرف اليهود أنهم قد هزموا، فبعثوا يطلبون الصلح بحقن دماءهم مقابل خروجهم من خيبر، فأقرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم لتنتهي المعركة، ويفرح المؤمنين بنصر الله.

هذا وتشير بعض المصادر الإسرائيلية التي بحثنا فيها عند إعداد هذا التقرير أن عدد قتلى اليهود في غزوة خيبر بلغ 100 قتيل.

لقد كان انتصار المسلمين في تلك المعارك، وفتحهم خيبر بمثابة واحدة من الحلقات المفصلية في تاريخ الدعوة، حيث شجع ذلك الفتح الكثيرين على دخول الإسلام والاقتناع بصدق نبوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم، كما خاف أعداء الإسلام من الاقتراب منه فها هم المسلمين وها هي قوتهم حين يتحركون.

عقب غزوة خيبر لم يعد لليهود ذكر يذكر في جزيرة العرب حتى خرجوا منها تماما بعد ذلك بسنوات، وإن كان التدقيق التاريخي يوجب القول أنهم لم يغادروها فورا بل بقوا فيه لسنوات عديدة.

خيبر اليوم:

غلاف كتاب العودة إلى مكة، ويظهر فيها الكعبة المشرفة محاطة بشريطين باللون الأسود، ويعلو الصورة رمز "التفيلين" اليهودي.
غلاف كتاب العودة إلى مكة، ويظهر فيها الكعبة المشرفة محاطة بشريطين باللون الأسود، ويعلو الصورة رمز "التفيلين" اليهودي. 

لا تزال خيبر وغيرها من بقاع تواجد اليهود في جزيرة العرب من أكثر المواضيع التي تشغل الذهنية اليهودية أو الصهيونية بمعني أدق.

هناك اليوم في إسرائيل من يدعوا حتى لاحتلال تلك المناطق، ومن أخطر تلك الدعوات الكتاب الذي عرضناه في تقريرنا تحت عنوان: ((كتاب العودة إلى مكة.. الحلم الإسرائيلي بإحتلال السعودية والسيطرة على الكعبة)).

وبالعودة إلى محاضرة (أسطورة خيبر "مملكة" يهودية في الصحراء العربية) التي ألقاها البروفيسور ليران يادغار، نجده يشير إلى أن الصهاينة الاوائل جعلوا خيبر بمثابة (الأسطورة)، واستخدموها في ربط اليهود مطلع القرن العشرين مع الأراضي القادمين إليها.

كلا طرفي المعركة لا يزالان يذكران بعضهما البعض بها، فالمسلمون يرددون كثيرا: ((خيبر خيبر يا يهود .. جيش محمد سوف يعود))، ومما يتردد كثيرا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي عندما دخل القدس في يونيو 1967 كان من ضمن هتافات جنوده يومها: ((هذا يوم بيوم خيبر يا لثارات خيبر)).

هذا وتسعي الحكومة السعودية حاليا إلى جعل خيبر وجهة جذب سياحي للناس الذين يريدون القدوم وتتبع آثار معركة كانت ذات يوم هي الأعظم في انتصارات المسلمين على اليهود -تنويه: بحسب وكالة رويترز للأنباء فإن جدول السياح في خيبر حاليا لا يذكر المعركة، وهو أمر مستغرب، إذ لا يوجد مزار سياحي في أي مكان بالعالم دارت فيه معركة تاريخية هامة لا يتعرض لذكرها-.

تحول المكان الذي كان مأهول بالسكان حتى الثمانينات إلى مزار سياحي حاليا، يستطيع الزائر أن يتناول فيه الأطعمة في عدد من المطاعم الراقية أو استكشافه بالكامل عبر جولة بطائرة هليكوبتر، أو التجول في متاهة المباني بداخلها التي عاش فيها يهود خيبر، ووسط ينابيع المياه التي زرعوا وشربوا منها طويلا.

أيضا يمكن أن يشمل جدول الزيارة (واحة خيبر) أو تختار استكشاف المكان عبر التحليق فوقه بطائرة هليكوبتر.

المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات الإستراتيجية والسياسية، هي محاولة عربية جادة لتقديم أهم الأخبار العربية والعالمية مع التركيز علي تحليل مدلولاتها، لكي يقرأ العرب ويفهمون ويدركون. نمتلك في المعرفة للدراسات عددا من أفضل الكتاب العرب في عديد من التخصصات، لنقدم لكم محتوى حصري وفريد من نوعه. facebook twitter
تعليقات