زدني معرفة

قصة حياة الملك فؤاد الأول الحافلة بكل شئ.. رجل الأقدار الذي حكم مصر بدهاء

علي مدار سبعة آلاف عام ويزيدون، حكم مصر المئات.. أمراء وسلاطين وملوك ورؤساء، ومن بينهم جميعا يحتل الملك فؤاد الأول مكانة خاصة، رغم قلة الاهتمام بتاريخ عهده في أحيان كثيرة.

الملك فؤاد الأول، ملك مصر والسودان

فهو الملك قبل الأخير لمصر، ووالد آخر ملوكها "فاروق الأول"، وأول من تلقب بالملك من أسرة محمد علي الحاكمة.


نبوءة:


مما يكتب عن فؤاد الأول، مفسرا لحرصه الدائم علي حرف "الفاء"، ليسمي به كل أبناءه، بل ويزين قصوره به بنمطه الإنجليزي F، أنه وفي إحدي الليالي التقي بعرافة، قصت عليه أنه سيكون ملكا لمصر وسيمتد الملك له في ذريته من بعده، شريطة الحفاظ دوما علي هذا الحرف "ف".


الملك فؤاد الأول، عزيز مصر.


ويبدو أن فؤاد الأول لم يصدق النبوءة فحسب، بل آمن بها إيمانا مطلقا، حتى شغلته دوما، فها هم أبناءه جميعا تبدأ أسمائهم بالحرف الذهبي "فوقية وفاروق وفوزية وفائزة وفائقة وفتحية".


المفارقة الغريبة في قصة حرف الفاء مع فؤاد وبنيه، أن النبوءة أورثها لأبنه فاروق كما أورثه العرش.


فنجد أن الملك فاروق الأول اطلق اسم "فريدة" علي زوجته الأولى "صافيناز يوسف ذو الفقار"، وكذلك فعل مع بناته "فريال وفوزية وفادية".


الملك فاروق في زفافه علي زوجته الأولى الملكة فريدة


لكن الدائرة كسرت مع زواج فاروق الثاني من الملكة "ناريمان" التي ظلت محتفظة بأسمها الأصلى، كما أن ابنه الملك فؤاد الثاني حمل حرف الفاء في الاسم الثاني، إذ أن اسمه مركب "أحمد فؤاد".. ولذا يقول أصحاب التصديق في الخرافات والحكايات والودع والمناديل والعرافين وأصحاب الحنجل والمنجل، يقولون أن انتهاء الملكية في مصر كان بسبب التوقف عن استخدام حرف الفاء، وهو قول يكشف عن عقل مغيب عن الواقع والتاريخ بل وأبسط مبادئ التفكير، وهو قبل ذلك جريمة في الدين.


عنه:


وقد يكون من الجيد قبل التوغل في عرض حياة الملك فؤاد أن نعرض عنه بعض المعلومات الأساسية، كوقت ميلاده مثلا، ففي السادس والعشرين من مارس لعام ١٨٦٨ ولد بمحافظة الجيزة.


الخديوي إسماعيل 

أبوه هو "الخديوي إسماعيل" ابن إبراهيم باشا ابن محمد علي، وقائد جيوشه المظفر. وفؤاد هو الأبن الأصغر له. ووالدته هي زوجته الثالثة الأميرة "فريال هانم".


الحقه أبوه بمدرسة خاصة بالأمراء في قصر عابدين، ثم انتقل لإيطاليا ليكمل تعليمه، وذلك بعدما فقد أبوه عرشه، كان الخديوي إسماعيل وفقا لفريق من المؤرخين بانيا عظيما لمصر ساعيا لاستقلالها وتفوقها، ووفقا لفريق آخر سببا في أنها أصبحت تحت رحمة تدخل الأجانب نظرا لغرقها في الديون بسبب مشاريعه الكبرى التي اضطرته كثيرا للاستدانة، إلي أن عزله السلطان عام ١٨٧٩، قبل ثلاث سنوات فقط من الاحتلال البريطاني لمصر عام ١٨٨٢.


فؤاد ضابطا:


وفي إيطاليا التي انتقل إليها فؤاد مع أبوه المنفي إليها بعد عزله، وهناك استكمل تعليمه في مدينة تورينو، ثم انتقل لمدرسة تورين الحربية العليا، حيث تخرج كضابط برتبة ملازم في الجيش الإيطالي، وألتحق بالفرقة الثالثة عشر (مدفعية الميدان).


الملك فؤاد الأول في صباه، صورة إلتقطت له في إيطاليا 


لكن الأمير فؤاد واجه هناك بعض الصعوبات ما خلق لديه الرغبة في العودة لمصر.


وهنا كان عليه أن يفكر في شخص يستطيع أن يتوسط له أو حتى أن يكون له كلمة علي الخديوي في شأن مثل هذا، فلم يجد بديلا عن السلطان العثماني، والذي توسط للأمير في ذلك بل وأعاده ضابطا في الجيش المصري، ومن ثم كبيرا للياوران في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني.


لكن لا يمكن أن نغفل دور تلك الرحلة في اكتساب فؤاد وهو أمير لمعرفة بأوروبا وشئونها وباللغة الإيطالية، وحبه لإيطاليا وشعبها، حتى أن حاشيته كان كثيرا من موظفيها من الإيطاليين، وكذلك فنان قصوره الملكية. وهو التقليد الذي حافظ عليه ابنه فاروق من بعده.


علي العرش:


في التاسع من أكتوبر لعام ١٩١٦، صعد فؤاد عرش مصر ليصبح السلطان فؤاد الأول.


الملك فؤاد الأول في حديقه أحد قصوره الملكية


كان للبريطانيين دورا -وهم محتلين لمصر وقتها- في تنصيبه علي العرش بدلا من أخيه السلطان حسين كامل الذي توفي في ذلك التاريخ أيضا.


وسرعان ما انتهت الحرب العالمية الأولى بعد عام وشهر، وبالتحديد في ١١ نوفمبر ١٩١٨، وحينها نشطت الحركة الوطنية المصرية للمطالبة بالاستقلال، وعلي رأسها حزب الوفد برئاسة سعد باشا زغلول. ولكن الملك مال ميلة تحسب عليه دوما تجاه الإنجليز الذين أجلسوه علي العرش، فكانت خشيته علي ملكه سببا في عدائه للحركة الوطنية.


فربما فضل أن يحكم مملكة محتلة، علي مملكة مستقلة تقيمه من فوق عرشه.


الاستقلال:


علي عرش مصر والسودان، يجلس الملك فؤاد الأول


لكن ورغم أنف الإنجليز ومن بعدهم فؤاد، وفي ٢٨ فبراير ١٩٢٢، ونتيجة لتضحيات الشعب المصري في ثورة ١٩١٩، وجد فؤاد نفسه يتحول من سلطان إلي ملكا، والمملكة دوما أفضل وأقوى من السلطنة، ذلك بعد تصريح بريطانيا الذي اعترفت فيه بأن مصر دولة مستقلة، وإن ابقي التصريح للأنجليز قدرة علي التدخل في سياسات مصر، وفي السودان، وابقي لهم قوات تحمي منطقة قناة السويس.


كما ووقعت معاهدة صداقة وتحالف كما سميت حينها بين المملكتين، وأصبح فؤاد رسميا هو ملك مصر والسودان وسيد النوبة وكردفان ودارفور.


صراعات مع الوفد:


لم تتوقف معارك وصراعات فؤاد الأول مع الوفد يوما، فعقب الاستقلال مباشرة، كان لابد من صياغة دستور للمملكة المصرية.


الملك فؤاد علي العرش يحضر افتتاح دورة برلمانية في مجلس النواب


وبالفعل صدر في العام التالي مباشرة دستور عام ١٩٢٣، ورغم ما قيل من ثناء كبير علي هذا الدستور، إلا أن صلاحيات الملك فيه شملت قدرته علي عزل البرلمان المنتخب من الشعب. بخلاف سلطات مدنية وعسكرية واسعة أخرى.


وبالفعل، كان مسلسل الصراع المستمر بينه وبين حزب الوفد المصري سببا في أنه لم يطق صبرا، فحل البرلمان عام ١٩٣٠، بل وقام بإلغاء الدستور والاستعاضة عنه بدستور آخر بأوامر من الملك.


مع وفاة سعد باشا زغلول في ٢٢ أغسطس ١٩٢٧، ورث مصطفي باشا النحاس زعامة الوفد، واستمر بدوره صلبا ضد الملك، صورة تجمع الرجلين معا. 


وقاطعت القوى الوطنية البرلمان المنتخب عام ١٩٣١ حسب الدستور الجديد، وتسببت الاضطرابات السياسية في إسقاط دستور الملك وإعادة دستور ١٩٢٣، ليعود حزب الوفد إلى السلطة.


حب التعليم:


الملك الذي تلقي تعليمه في إيطاليا، آمن بأهميته، وعندما عاد لمصر عني بالتعليم والثقافة.


الملك فؤاد الأول تأسست في عهده أول جامعة مصرية، وهي الآن جامعة القاهرة


ومما يشهد له بذلك أن كان المسئول عن اللجنة التي تكلفت بانشاء الجامعة الأهلية المصرية، والتي أصبحت بعد ذلك في عهده "جامعة فؤاد" ، وهي الآن جامعة القاهرة.


مصحف الملك فؤاد:


وقد يبدو مستغربا أن الملك فؤاد وما يحكي عنه من الإيمان بنبؤات العرافين، إلا أنه وفي عهده صدرت طبعة تاريخية مذهلة الجمال من المصحف الشريف سمي بمصحف الملك فؤاد، كما اطلق عليه مصحف القاهرة.


صفحة من ضمن صفحات مصحف الملك فؤاد التي عرف عنها جمال الكتابة ودقتها


إلا أن الأمر قد لا يخلو من دهاء سياسي عرف عن الملك فؤاد، فهو مدرك جيدا لواحدة من صفات الشعب المصري النفسية، وهي حب الدين، حتى لغير المتدينين منهم، وبالتأكيد فإن الملك عندما يطبع المصحف الشريف تكون له نقطة إيجابية لدي شعبه، حتى وإن كان معظمه حينها أميا لا يجيد القراءة ولا الكتابة.


وقد ينظر للأمر من زاوية أخرى، أن الملك في النهاية، شأنه شأن كل مسلم، يريد أن يفعل عمل صالحا كبيرا، وكونه ملكا يسهل له أعمال من قبيل طباعة المصحف الشريف.


وتميزت هذه الطبعة الفريدة التي سيمر مائة عام علي صدورها بعد ثلاث سنوات "طبعت عام ١٩٢٤". بأنها طبعت بإشراف لجنة علمية مختصة من الأزهر الشريف، وبتباعد سطورها وكبر حجم حروفها، وقد كسب من الانتشار والشعبية في أرجاء مصر والعالم العربي الكثير، حتى لم ينافسه فيها أي مصحف سوى مصحف الملك فهد بعد ذلك بعقود.


إنجازات أخرى:

كما كان عهد فؤاد الأول عهد انجازات تناسبت مع تأسيس مملكة مستقلة، فهو من انشأ الديوان الملكي، ووزارة الخارجية المصرية، وفي عهده افتتحت الكثير من السفارات المصرية حول العالم.


صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر


وتأسس بنك مصر عام ١٩٢٠ وهو نفس عام تأسيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وشركة مصر للطيران عام ١٩٣٠ والجامعة الأميرية عام ١٩٢٥ التي سميت باسم "جامعة فؤاد الأول"، كما تم إطلاق أول نشيد وطني مصري ألفه الشاعر أحمد شوقي بدلا من النشيد السلطاني الخديوي، وتأسس البريد المصري وادخلت شبكات التليفون، وبني مطار ألماظة ومطار الإسكندرية، وميناء بور فؤاد. وتأسست الإذاعة المصرية، كما كان ثالث أكثر حكام أسرة محمد علي بعثا للمصريين ليتعلموا في الخارج.


الملك فؤاد الأول في إحدي الافتتاحات


كما شهد عهده تأسيس مجمع اللغة العربية عام ١٩٣٢، وتأسيس كثير من أستوديوهات السينما، وانتعاش السينما المصرية بإنتاج الأفلام الصامتة والناطقة.


الملك فؤاد الأول في زيه الرسمي، ويبدو علي يساره سيدة وضابط إنجليزيان


ومما يحسب للملك فؤاد، وحتى وإن نظرنا إليه باعتباره كان يسعي لفعل ذلك زيادة لسطانه وملكه، أنه قضي عامه الأخير في مفاوضات مع الأنجليز لاعادة النظر في بنود معاهدة الاستقلال، ورغم أنه توفي قبل فعل ذلك، إلا أنه مهد الطريق لمعاهدة ١٩٣٦ التي وقعت في عهد خليفته ونجله فاروق، محسنة العلاقة بعض الشئ لصالح مصر، وظلت هي المعاهدة الحاكمة لعلاقة المملكتين، قبل أن يوقع جمال عبد الناصر اتفاقية الجلاء التي خرج بمقتضاها آخر جندي بريطاني من مصر عام ١٩٥٦.


فؤاد زوجا:


تزوج فؤاد الأول مرتين، الأولى من الأسرة العلوية وهي الأميرة "شيوه كار خاتم أفندي". وهي حفيدة لإبراهيم باشا مثله، لكنها كان قد وصلها بالميراث عنه الكثير من الأموال والعقارات والأطيان، بينما كانت ظروف فؤاد المالية ليست جيدة.


الملك فؤاد مع زوجته الأولى الأميرة شيوه كار خاتم أفندى


انجبت له أكبر أبناءه وهي الأميرة "فوقية" عام ١٨٩٧، لكن وفي العام التالي مباشرة طلقها بعد خلافات مالية حادة بينهما، واتهامها له باستغلالها ماليا، بل وتطور الأمر لاطلاق شقيقها الأمير أحمد سيف الدين الرصاص علي فؤاد، وكاد يقتله، لكن فؤاد نجا وكان لا يزال حينها أميرا، وإن تركت له الحادثة مشكلات في حنجرته وضخامة في الصوت. وبقيت الأميرة شيوه تحب فاروق ابن فؤاد وتعتبره ابنها التي لم تنجبه.


وقد تزوج فؤاد الأول ثانية من الملكة نازلي بنت عبد الرحيم باشا صبري، الذي كان وزير للزراعة ومديرا للمنوفية "محافظ بالتسمية الحالية"، وجدها لامها سليمان باشا الفرنساوي الذي جاء لمصر مع الحملة الفرنسية ولكنه رفض الرحيل ومكث بمصر واشهر اسلامه، وصار أحد أشهر قادة جيش محمد علي.


يري العديد من المؤرخين، أن الملكة نازلي كانت سببا من أسباب خسارة إبنها فاروق عرشه مع تزايد السخط الشعبي نتيجة تصرفاتها


وقد أنجبت من الملك فؤاد خمسة أبناء هم : الملك فاروق ، الأميرة فوزية الأميرة فائزة الأميرة فائقة ثم الأميرة فتحية. 


الملك فؤاد مع أولاده، ويظهر الملك فاروق يسارا بالبدلة الكاملة، بينما شقيقاته الثلاث يحيطون بوالدهن


وقد تركت الملكة نازلي مصر عام ١٩٤٦، وسافرت إلى الولايات المتحدة الامريكية مع ابنتيها فايقه وفتحيه التى ارتبطت مع رياض غالى القبطى المصرى بقصة حب وقامت ضجه كبيرة في مصر ودعا الملك فاروق رياض غالى إلى اشهار اسلامه وتزوج الأميرة الصغيرة فرفض، وقد عادت الاميره فائقة من أمريكا وبقيت نازلى وفتحية في أمريكا وما لبث الملك فاروق ان حرمهما من كل الألقاب الملكية والثروة أيضاً ،ثم أعلنتا تحولهما إلى المسيحية. فى عام ١٩٧٦ قتل رياض غالى فتحية ثم حاول الانتحار وفى عام ١٩٧٨ ماتت نازلى في لوس انجلوس بأمريكا عن عمر يناهز ٨٤ عاما. 


الرحيل:


في الثامن والعشرين من أبريل/نيسان عام ١٩٣٦، رحل الملك فؤاد الأول ، وابنه وولي عهده "فاروق" في إنجلترا حيث كان يكمل دراسته، ولم يصعد فاروق إلي العرش مباشرة، بل انتظر بعض الوقت في ظل مجلس وصاية، وأمير متربص اسمه محمد علي توفيق، كان يري نفسه أحق بالعرش من فؤاد نفسه.


جنازة الملك فؤاد

فهنا أصدر شيخ الأزهر الشريف حينها الشيخ المجدد مصطفي المراغي فتوى احتساب عمر الملك بالتقويم الهجري لا الميلادي، ما جعل فاروق يصعد عرشه سريعا والذي كان الأمير محمد علي توفيق يتهيأ الفرص للظفر به، فكأنه هو من أجلسه علي عرشه.


---بعض المعلومات الواردة بالموضوع، تم الاعتماد فيها علي المصادر التالية:
*معهد الدراسات الشرقية للأباء الدومينكان.
*موقع رئاسة جمهورية مصر العربية.
*هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي عربي".
*موقع فاروق مصر.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -