التنوع البيولوجي .. أساس الكوكب الذي يعبث به الإنسان

التنوع البيولوجي (باللغة الإنجليزية: biodiversity أو biological diversity أو biotic diversity)، هذا المصطلح الذي يقصد به كل صور الحياة التي ستجدها في منطقة واحدة من الأرض (المحيطات والغابات والصحاري والقمم الجليدية وحتى المدن).

عندما يقرأ الإنسان عن التنوع البيولوجي، فإنه يدرك جيدا أن لهذا الكون خالق مبدع أحسن كل شيء صنعا، The Emirr، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

كما قد يشير المصطلح نفسه (التنوع البيولوجي) في كثير من الأحيان إلى التنوع الكلي لصور الحياة على الأرض.

ما هو التنوع البيولوجي:

تلك المجموعة المتنوعة من الحيوانات والنباتات والفطريات وحتى الكائنات الحية الدقيقة مثل البكتيريا، والذين يشكلون معا عالمنا الطبيعي الذي نعيش فيه.

كل تلك الأنواع المختلفة من المخلوقات تعمل معا في نظم بيئية مثل شبكة معقدة بهدف الحفاظ على التوازن ودعم استمرار الحياة، كل منها يؤدي دوره دون أن نشعر، وربما حتى دون أن نراه.

وهكذا، فإن التنوع البيولوجي biodiversity، يعمل على دعم كل شيء في الطبيعة يحتاجه البشر ليواصلوا رحلة الحياة على كوكب الأرض: الغذاء والمياه النظيفة وحتى المكونات التي يستخدمونها من الطبيعة في صنع الأدوية، وكذلك يؤمن لهم بقائهم في منازلهم بسلام دون خشية تقلبات الطبيعة.

وبعبارة تختصر الكثير يمكننا القول بأن الهواء الذي تتنفسه والماء الذي تشربه والطعام الذي تتناوله، كل هذا يعتمد على التنوع البيولوجي biodiversity.

أما (جامعة ستانفورد) الأمريكية ومعها الموسوعة البريطانية Brittanica، فيضيفا أيضا في تعريفها للتنوع البيولوجي حتى جينات المخلوقات وسماتهم.

وتضيف الجامعة الأمريكية العريقة أيضا أن مصطلح (التنوع البيولوجي biodiversity) ظهر لأول مرة في ندوة علمية اقيمت عام ١٩٨٦، لكن الفضل الأكبر في جذب أنظار العالم نحو التنوع البيولوجي، يعود لعالم الأحياء الأمريكي (إدوارد أوسبورن ويلسون).

وضع ويلسون كتابه الهام (biodiversity) عام ١٩٨٨، ومنذ ذلك التاريخ، أخذ اهتمام العالم يزيد بالتنوع البيولوجي، المئات وربما الآلاف من الكتب والدراسات العلمية، ومثلها من تقارير الصحافة ومقالات الكتاب وساعات لا يعرف عددها من التغطية الإعلامية حول العالم، حتى وصلنا إلى أن أعلنت الأمم المتحدة سنة ٢٠١٠ باعتبارها (السنة الدولية للتنوع البيولوجي).

إذن، فيمكننا بعد كل هذا أن نقول مطمئنين أن التنوع البيولوجي هو تنوع الحياة على الأرض بكل أشكالها، أو كما يقول البروفيسور ديفيد ماكدونالد من جامعة أكسفورد: "بدون التنوع البيولوجي ، لا يوجد مستقبل للبشرية".

ثراء التنوع البيولوجي:

الذئاب مجرد جزء من التنوع البيولوجي في عالمنا، والذي قد يصل عدد مكوناته لنحو ٩ مليون مخلوق لم يكتشف معظمها بعد، Gunnar Ries.(CC BY-SA 3.0).

الحقيقة أن اللّه -عز وجل- قد جعل التنوع البيولوجي biodiversity ، في كوكب الأرض غني جدًا، لدرجة لا تصدق.

فمن ناحية، هناك العديد من أنواع المخلوقات التي لم يكتشفها الإنسان بعد برغم كل هذا التقدم التكنولوجي والعلمي الذي حققته البشرية، بل إن الأرقام التي بحوزة العلماء تكشف لنا أن معظم الكائنات الحية الأخرى لم تكتشف بعد، ولا تزال لغزا كاملا بالنسبة لنا نحن البشر.

وللمفارقة، ففي نفس الوقت هناك العديد من الأنواع التي باتت مهددة بالانقراض بسبب الأنشطة البشرية.

وبصورة عامة، فإذا أردنا قياس مدى ثراء التنوع البيولوجي biodiversity في منطقة معينة، فإننا نحددها بعدد أنواع المخلوقات والكائنات الحية فيها، فكلما زادت الأعداد كانت منطقة غنية بالتنوع البيولوجي، وكلما قلت كان العكس صحيح.

ومع ذلك، فهناك طرق أخرى لقياس ووزن مدى التنوع البيولوجي، وتستخدم عادة في الأماكن التي تحتوى على أنواع قليلة من الموائل الطبيعية والمخلوقات، مثل البراكين والفتحات الحرارية، وينابيع المياه الساخنة.

وبحسب أرقام (برنامج الأمم المتحدة للبيئة) فهناك على الأرض، ٨ مليون نوع من الحيوانات والنباتات والنظم الإيكولوجية التي تؤويهم، في حين ترفع ناشيونال جيوغرافيك الرقم إلى ٨،٧ مليون.

أنت نفسك عزيزي القارئ، لربما صادفت في حياتك أنواع متنوعة من الكلاب، من النمل، من القطط، من الوزغ الذي يصل عدد أنواعه إلى ١٦٠٠ نوع، من أسماك التونة التي تنقسم لسبعة أنواع، وأسماك القرش بأنواعها المختلفة، والعسل المختلف ألوانه من ذلك متواضع الثمن إلى عسل المانوكا بسعره الفلكي، والفراشات المختلفة اختلافا كبيرا في ألوانها وأنواعها، وكذلك الزهور والأشجار، كلها مخلوقات قد تتشابه في الكثير من أشكالها الخارجية وجيناتها الوراثية.

لكن هذا التنوع الجميل في ألوانها وأشكالها وأحجامها، سيقرب من ذهنك مستوى التنوع البيولوجي الممكن داخل مخلوق أو كائن حي واحد.

التنوع البيولوجي هو عالمنا، صورة من المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي (AMNH) ، قاعة التنوع البيولوجي، Dom Dada، (CC BY-NC-ND 2.0)، via Flickr.

فإذا كان هذا الحال مع كائن واحد، فكيف تتصور التنوع البيولوجي في عالمنا ككل؟.

إننا عندما نتحدث عن التنوع البيولوجي biodiversity، لابد أن نتذكر قول الحق -سبحانه وتعالى-: ((هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)) {الآية ١١ من سورة لقمان}.

أزمة التنوع البيولوجي biodiversity:

كنتيجة مباشرة لزيادة أعداد سكان كوكب الأرض، ومتطلبات التنمية الاقتصادية، أفرط البشر في صيد الأسماك من المحيطات والبحار والأنهار ، وأزالوا الغابات ، ولوثوا مصادر المياه العذبة ، وخلقوا أزمة مناخية، ما نتج عنه أزمة التنوع البيولوجي.

إن انقراض أي نوع من أنواع المخلوقات، يعرض التنوع البيولوجي للأرض biodiversity للخطر، ببساطة لأن النظام البيئي التي هي جزء منه يفقد بعض عناصره ما يهدده بالانهيار، لينتج عن ذلك ما بتنا نعرفه من مشاكل بيئية تتزايد يوما بعد يوم.

بخلاف ذلك، وكما سبق أن أشرنا، فإن التنوع البيولوجي هو الأساس الذي نعتمد عليه في طعامنا وشرابنا.

ولنعطي هنا أمثلة مدعمة بالأرقام، استندنا فيها لإحصائيات الأمم المتحدة، فنحن بني البشر نعتمد على الأسماك لتوفر لنا نحو ٢٠٪ من البروتين الحيواني لثلاثة مليار نسمة، أما النباتات فتعطينا أكثر من ٨٠٪ من غذائنا.

إذن، فمن ناحية، عندما نقلل من التنوع البيولوجي biodiversity فإننا نصبح أكثر عرضة لتقلبات الطبيعة، ومن ناحية أخرى، فإننا حتى قد نفقد موارد غذائنا بل وحتى المياه الصالحة للشرب.

لكن الفاتورة التي ندفعها لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل الصحة العامة، فقد ثبت علميا أن فقدان أو نقص التنوع البيولوجي biodiversity، يمكن أن يزيد من الأمراض حيوانية المنشأ (الأمراض التي تنقلها الحيوانات إلى البشر) "مثال: مرض الطاعون".

تدمير الغابات الشوكية في مدغشقر، Maky (Alex Dunkel)، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

أما أزمة التنوع البيولوجي biodiversity فتحدث بسبب البشر الذين يمارسون ضغطًا متزايدًا على الكوكب ، باستخدام واستهلاك المزيد من الموارد أكثر من أي وقت مضى، هذا يؤدي في النهاية إلى إختلال توازن النظم البيئية وفقدان التنوع البيولوجي.

ولنتحدث بلغة الأرقام مجددا، وهي للأسف الشديد محبطة للغاية، فبحسب تقرير الكوكب الحي الصادر عن الصندوق العالمي للطبيعة WWF انخفاضًا بمتوسط ٦٨٪ في أعداد الثدييات والأسماك والطيور والزواحف والبرمائيات العالمية منذ عام ١٩٧٠.

بينما نجد أن تقرير التقييم العالمي لعام ٢٠١٩ الصادر عن المنبر الحكومي الدولي المعني بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية، وهو التقرير الذي يعتبر علميا أحد أهم التقارير في تاريخ العالم من ناحية الطبيعة، قد توصل لنتيجة مفادها أن مليون نوع من الحيوانات والنباتات مهددة الآن بالانقراض - وهو أعلى رقم في تاريخ البشرية.

وفي تقرير نشرته ((الجارديان))، قالت الصحيفة البريطانية العريقة، أن عدد الحيوانات التي تعيش على كوكب الأرض انخفض بشكل مخيف (نتحدث عن انخفاض بمقدار النصف في غضون الفترة بين سنة ١٩٧٠ حتى ٢٠١٨).

كما فقد الكوكب ٩٧٪ من النمور التي كانت تعيش عليه خلال القرن العشرين.

ولا يقتصر الأمر على كل ما سبق، فقد نالت يد الإنسان بين عامي ٢٠١٠ : ٢٠١٥ فقط من ٣٢ مليون هكتار من الغابات حول العالم، تلك الغابات التي كانت بمثابة رئة الأرض، تسحب منها ثاني أكسيد الكربون وتعطيها الأوكسجين.

حتى الشعاب المرجانية في البحار لم تسلم من أذى الإنسان، وخلال القرن ونصف الماضيين دمر الإنسان نصفها، في حين تشير دراسات إلى أن ٦٦٪ من البيئة محيطات العالم قد تغيرت بشكل كبير. 

هذه النسب كارثية بالمعني الحرفي للكلمة دون أي مبالغة، وتنذر بفقداننا التنوع البيولوجي في كثير من أجزاء عالمنا والنظم البيئية فيه، وما سينتج عن ذلك من مشكلات، أو كما يقول الوصف لما نحن فيه الآن ((إننا نسير نحو حالة الانتحار الجماعي)).

التنوع البيولوجي هو الحل:

حيوان أورانجوتان، محمية ريمبا رايا للتنوع البيولوجي، إندونيسيا، Crystal Reidemann، (CC BY-SA 4.0)، Via wikimedia commons.

من أفضل ما يمكن قوله في هذا الصدد، هو أن الحل هو التنوع البيولوجي biodiversity نفسه، أن نحافظ عليه ونرعاه.

فالتنوع البيولوجي هو الحل لمواجهة آثار تغير المناخ، على سبيل المثال: زراعة الأشجار يزيد من التنوع البيولوجي في المنطقة التي تزرع فيها، وفي نفس الوقت يعمل على تقليل كميات غاز ثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة من الغلاف الجوي.

أيضا، فإن برامج الحفاظ على غابات المانغروف، لا تساعد فقط في الحفاظ على التنوع البيولوجي biodiversity، بل تتصدي لكوارث مثل العواصف والفيضانات.

ولعل خير ما قد نشير إليه في الختام، هو تلك التجربة الفعالة والناجحة للأمم المتحدة التي تبنتها في كوبا بإعادة زراعة أشجار المانغروف على سواحلها بعد القطع الجائر للكثير منها.

أعادت أشجار المانغروف التنوع البيولوجي للشاطئ الكوبي، بل وحتى في البحر لوحظ تكاثر كبير للروبيان والأسماك، كما قللت من خطر الفيضانات التي كانت تضرب المدن والقري الساحلية.

لقد أعطتنا هذه التجربة وغيرها، المثال الحي لكيف تسير حياتنا بشكل أفضل إذا ما احترمنا التنوع البيولوجي لكوكبنا، والعكس صحيح.. فهل آن الأوان لكي تنتبه البشرية؟.

المعرفة للدراسات
بواسطة : المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات الإستراتيجية والسياسية، هي محاولة عربية جادة لتقديم أهم الأخبار العربية والعالمية مع التركيز علي تحليل مدلولاتها، لكي يقرأ العرب ويفهمون ويدركون. نمتلك في المعرفة للدراسات عددا من أفضل الكتاب العرب في عديد من التخصصات، لنقدم لكم محتوى حصري وفريد من نوعه. facebook twitter
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-