زدني معرفة

فاينانشال تايمز: أزمة الطاقة وارتفاع أسعار النفط زاد نفوذ محمد بن سلمان وقادة الخليج على حساب الغرب

قالت صحيفة (فاينانشال تايمز) البريطانية، التي تعد على نطاق واسع أهم صحيفة اقتصادية في العالم، أن الازدهار الجديد في أسعار النفط الذي استفادت منه دول الخليج، قد خلق في المقابل معضلات للغرب.

بينما يحتسي الأمير محمد بن سلمان قهوته، كان مدركا بشكل جيد لطبيعة الأوراق التي في يده، مستغلا لها بشكل صحيح، وفي الوقت المناسب في لعبة الأمم، World Tourism Organization (UNWTO)، (CC BY-NC-ND 2.0)، via Flickr.

وفي تقرير نشرته فاينانشال تايمز، قالت الصحيفة العريقة أن الحرب في أوكرانيا قد أجبرت الولايات المتحدة على طلب المساعدة من المملكة العربية السعودية بزيادة إمدادات النفط في السوق العالمية.

زيارة بايدن إلي السعودية:

ذات يوم، وقف الرئيس الأمريكي جو بايدن، يصف السعودية بأنها "منبوذة"، متعهدا بأنه سيجعلها "تدفع الثمن".

بحسب فاينانشال تايمز، وسبقها إلى ذلك العديد من التقارير الصحفية التي نشرتها عددا من أهم صحف العالم، فإن نفس  الرجل، بايدن ذاته اليوم، يفكر في إجراء زيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية.

تحققت هذه التوقعات بالفعل ، وثبتت صحتها.

يوم امس، الثلاثاء، أعلن الديوان الملكي السعودي أن الرئيس الأمريكي جو بايدن، سيزور السعودية يومي ١٥ و ١٦ يونيو الجاري (أي أن الزيارة ستبدأ اليوم) بدعوة من الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، خادم الحرمين الشريفين.

يبدو أن الدعوة السعودية جاءت بحركة ذكية و (لطيفة سياسياً) من السعودية التي قررت تمهيد طريقا بايدن إلي الرياض بذكاء، فموقف الرئيس الأمريكي يبدو أنه كان أصعب من أن يعلن هو نفسه، أو المتحدث باسم البيت الأبيض، أنه سيزور السعودية بمبادرة شخصية، إنها الدولة ذاتها التي وصفها بالمنبوذة، فوجد نفسه اليوم يقف على عتبات قصر ملكها وولي عهده.

تأثير الحرب بين روسيا وأوكرانيا:

أشار التقرير إلى خطاب الرئيس الأمريكي جو بايدن في خطابه عن حالة الاتحاد الذي ألقاه بعد أيام قليلة من بدأ الحرب بين روسيا وأوكرانيا، الذي ذكر فيه الإجراءات التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتخذها لمعاقبة روسيا على فيما سماه "المعركة بين الديمقراطية والاستبداد".

من أجل هذا، وحربها ضد من تصفه ببوتين المستبد، تضطر الولايات المتحدة اليوم إلى طلب المساعدة من السعودية، وبقية دول الخليج العربية الغنية بالنفط.

لدينا مصالحنا مع دول أخرى بخلاف الولايات المتحدة، هكذا كانت نظرة ولي العهد السعودي، صورة للقاء جمعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، The Kremlin, Moscow، (CC BY 4.0)، via wikimedia commons.

هي إذن (لعبة الأمم) التي يبدو أن ولى العهد السعودي محمد بن سلمان، يعرف أوراقه فيها جيدا، ويجيد اللعب بها بشكل كبير.

لنتذكر معا لقاء لأمير محمد بن سلمان مع مجلة ذا أتلانتيك الأمريكية الشهيرة في مارس ٢٠٢٢، يومها سأله غرايم وود، الصحفي الأمريكي الشهير الذي أجرى معه الحوار، عن علاقته بالرئيس الأمريكي جو بايدن.

في ذلك اللقاء (الذي يمكنكم الإطلاع على نصه الكامل هنا مترجم من المعرفة للدراسات إلى اللغة العربية)، قال ولي العهد السعودي أن علاقات بلده لا تقف عند عتبة الولايات المتحدة، كاشفا عن أن لديه أيضا خطوط مفتوحة مع الصينيين.

يومها قال ولي العهد السعودي وكأنه يقرأ المستقبل من كتاب مفتوح: (أين هي الإمكانيات في العالم اليوم؟ إنها في السعودية، وإذا كنت تريد تفويتها ، أعتقد أن الناس الآخرين في الشرق سيكونون سعداء للغاية).

وعندما سأله الصحفي (غرايم وود) عن ما إذا كان يريد توضيح شيء للرئيس بايدن قد يكون الرئيس الأمريكي يسيء فهمه، فأجاب ولي العهد: "ببساطة ، أنا لا أهتم".

الأمير محمد بن سلمان لفت إلي أن تصرفات بايدن لو أدت إلى تنفير العرش السعودي منه، فإن موقف بايدن نفسه هو ما سيصاب بالضرر وليس العرش، قائلا: (الأمر متروك له للتفكير في مصالح أمريكا، فإذا أراد تحقيقها، عليه أن يسعي لهذا).

فورة أسعار النفط:

تذكرنا الحرب بين روسيا وأوكرانيا التي أحدثت فورة كبيرة في أسعار النفط بما حدث في خريف العام ١٩٧٣، حينما عبر المصريين قناة السويس، وقاتل السوريين في الجولان.

فارت أسعار النفط التي كانت هامدة بفعل الركود الذي سببته أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-١٩)، كما ارتفعت في السبعينيات مع الحرب بعد سنوات طويلة حاولت فيها دول الخليج بلا فائدة زيادة سعر برميل النفط.

ينظر دوما إلى حرب أكتوبر ١٩٧٣، باعتبارها الحرب التي حررت النفط العربي، صورة لدبابة إسرائيلية طراز M-60 دمرتها القوات المصرية في سيناء، Wikimedia Commons، public domain.

لم تكد تمر سوى بضعة ساعات على الإعلان السعودي عن زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى المملكة حتى أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية عن بيع رابع دفعة من الاحتياطي الفيدرالي الاستراتيجي للنفط منذ إندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

وتقدر هذه الدفعة ب(٤٥ مليون برميل من النفط الخام)، إنها جزء من خطة وضعتها إدارة الرئيس جو بايدن لحماية المواطنين الأمريكيين من ارتفاع الأسعار بسبب الحرب، عبر إخراج جزء من الاحتياطي الأمريكي من النفط الذي يعد أكبر احتياطي من النفط الخام لحالات الطوارئ في العالم، وتخزنه في ٤ مناطق في ولايتي تكساس و لويزيانا.

كل هذا يأتي نتيجة لمحاولة الغرب بقيادة الولايات المتحدة خنق صادرات النفط الروسية، ما جعل أسعار النفط والغاز الطبيعي تصل أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد من الزمن.

برغم ذلك، واستمرارا لمحاولات الضغط الاقتصادي على موسكو، وافق الاتحاد الأوروبي الشهر الجاري على خطة لحظر واردات النفط الروسية المنقولة بحرا.

كما ووافق الاتحاد الأوروبي أيضًا على التنسيق مع المملكة المتحدة بشأن خطط (حظر التأمين) على السفن التي تحمل الخام الروسي، مما سيعيق قدرة موسكو على التصدير.

لنفهم أهمية النفط بشكل أكبر في الصراع الذي يدور حاليا، علينا أن نعلم أنه وقبل الحرب، كانت روسيا تنتج أكثر من ١٠ في المائة من إمدادات النفط العالمية، كما كانت مصدرًا حيويًا للطاقة لأوروبا.

وبحسب (الوكالة الدولية للطاقة) IEA، فإنه ونتيجة للإجراءات التي اتخذتها الدول الغربية في مواجهة روسيا منذ بداية الحرب، فمن المقدر أن روسيا فقدت القدرة على بيع ما يقدر بثلاثة ملايين برميل يوميًا من النفط، كانت تنتجها و تصدرها قبل الحرب.

ومع أنه هناك شركات شحن على استعداد لنقل الخام الروسي إلى الصين أو الهند، فإن مستوى صادرات موسكو من النفط والذي يسير في اتجاه واحد فقط نحو الانخفاض، يهدد بحدوث نقصًا كبيرًا في المعروض في السوق.

لجوء بايدن إلى السعودية:

محطة Standard لوقود السيارات، تابعة لشركة شيفرون، في لاس فيجاس ، نيفادا ، غرب قطاع لاس فيغاس، Coolcaesar، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons. 

وهكذا ولتخميد أسعار البنزين المرتفعة للغاية قبل الانتخابات النصفية الأمريكية التي سيخوضها حزب الرئيس بايدن (الديمقراطي)، سيتعين عليه اللجوء إلى دولة كان لا يتوقف عن الهجوم عليها.

بخلاف الانتخابات، فإن سلاح النفط، يعد سلاحا قديما في ترسانة أسلحة ووسائل الولايات المتحدة في صراعها المرير مع روسيا، والاتحاد السوفيتي السابق، ففي ثمانينات القرن العشرين، لعبت السعودية نفسها دورا مفصليا في تخفيض سعر البترول بزيادة إنتاجها من النفط، ما وجه حينها ضربة قوية للاقتصاد السوفيتي، ما سهل من سقوط الاتحاد السوفيتي بعد ذلك بسنوات.

تريد واشنطن إعادة نفس السيناريو بحث السعودية (أكبر منتج في أوبك) على زيادة إنتاجها من النفط.

لكن كل ما حدث حتى اليوم، أنه وفي وقت سابق من هذا الشهر ، أعلنت المملكة وحلفاؤها في منظمة (أوبك +)، التي تضم روسيا ، أخيرًا عن تسارع للإنتاج لكنه جاء بصورة "متواضعة".

حينها، وبرغم تواضع الزيادة المتفق عليها، أثنت أمريكا على السعودية ، واعتبرتها صاحبة الفضل في الوصول إلى توافق الدول أعضاء مجموعة (أوبك +).

الآن، وبزيارة الرئيس جو بايدن إلى السعودية، فإن أمريكا ستتوقف عن ثرثرة بعض المسؤولين فيها منذ ما يزيد عن أربع سنوات بشأن قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

زيادة نفوذ القادة الخليجيين:

إذن، قادت أزمة الطاقة لزيادة نفوذ الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، وباقي قادة دول الخليج العربية.

فالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة فقط، هما الدولتان التي لديهما القدرة الفائضة على زيادة إنتاج النفط بشكل كبير.

الشيخ محمد بن زايد وصل لمنصب رئاسة الإمارات عقب وفاة شقيقه الشيخ خليفة منتصف مايو ٢٠٢٢، حاكم خليجي آخر يمتلك الكثير من أوراق اللعب.

بينما تعد جارتهما (قطر) هي أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وهي ذاتها الدولة التي سعت خلفها ألمانيا منذ الفترة الأولى للحرب لتوقيع اتفاقية تستورد بموجبها الدولة الأكبر اقتصاديا في أوروبا الغاز الطبيعي من قطر ، وحينها وصف الألمان الصفقة بأنها شراكة ستكون (طويلة الأمد).

وبخلاف ألمانيا، تتودد الحكومات الغربية وشركات الطاقة حاليا لهذا الثلاثي ومعهم بالطبع الكويت، الدولة التي تمتلك اليوم خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم.

فنحن اليوم نعيش في عالم، تتخوف فيه كل دولة فيه من تأمين إمدادات الطاقة، والتضخم الحاصل في الأسعار، في حين أن دول الخليج العربية تتمتع بما يحدث وهي تشهد أسعار النفط ترتفع إلى مستويات قياسية لم تكن في الحسبان.

مصالح دول الخليج العربية:

يبدو أن الأمور سارت بعكس ما تشتهي رياح سفن بايدن، وجعلته مضطرا للاعتماد على نفس الدول التي هاجمها منذ أن كان مرشحا في الانتخابات ضد دونالد ترامب.

لذا فإذا أراد بايدن أن يستمع إليه قادة هذه الدول، فإن عليه هو أولا أن يستمع إلى ما يهمهم، وخصوصا التوترات الحالية مع إيران بشأن طموحاتها النووية، تلك الطموحات التي تهدد بإشعال الشرق الأوسط كله في حريق كبير وليس مجرد حرب بين دولتين كما هو الحال الآن بين روسيا وأوكرانيا، وما سيتبع هذا السيناريو من كوارث اقتصادية لا يمكن بحال من الأحوال تداركها.

وفي مكان قريب للغاية، تقف أقرب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة (إسرائيل) مهددة بسل السيف وبدأ العمليات العسكرية ضد إيران. منفذين بعض أكبر مناوراتهم العسكرية منذ تأسيس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة.

إن اندلاع حرب في الخليج، سيجعل سعر برميل النفط الواحد، بخلاف الغاز الطبيعي، سيجعله يقفز إلى أرقام قد تبدو خرافية، بخلاف مسألة وصوله أصلا إلى الأسواق، هذه الاضطرابات ستخلف كوارث اقتصادية واجتماعية عالميا بلا استثناء حتى الولايات المتحدة الأمريكية.

تدرك أمريكا أنها لم تعد تستورد النفط من الخليج بعد التوصل لتقنية (النفط الصخري) وهو نفط خفيف ينتج بتكنولوجيا تحويل الصخور التي تحتوي على ترسبات مادة الكيروجين إلى سائل هيدروكربوني يكون بديلا للنفط، وتتم هذه العملية باستخدام الحرارة.

صفيحة صخرية غنية بالسديريت، من هنا يستخرج النفط الصخري، Gretarsson، (CC BY-SA 1.0)، via wikimedia commons.

لكنها تعرف أن حتى هذه التقنية، وحتى الاحتياطي الفيدرالي من النفط، لن يكونا كافيان لمواجهة ما سيترتب على اشتعال حرب في الخليج، وأنها ستكتوى بنيرانها.

ولعلنا نذكر أيضا أنه حتى في اجتماع القادة في غلاسكو في اجتماع COP26 في نوفمبر ٢٠٢١، للالتزام بالتخلص التدريجي من استخدام الوقود الأحفوري . كان بايدن ينتقد روسيا والمملكة العربية السعودية لعدم ضخ المزيد من النفط مع ارتفاع أسعار البنزين، ما اعتبره الكثيرون حينها تصريحات تقال في غير مقامها، لكنها كشفت أن العالم لا يستطيع الآن أن يستغني عن النفط بأي مصدر آخر للطاقة.

ذلك لأن الحقيقة تقول أن صناع السياسة الغربيين كانوا بطيئين، وربما عن عمد في التحول إلى مصادر الطاقة البديلة، واليوم ونتيجة لذلك فهم لا يملكون سوي القليل من الحلول في أيديهم لتنويع مصادر الطاقة التي يعتمدون عليها لتسير الحياة في بلدانهم.

أما إذا فكروا في مشاريع جديدة للنفط والغاز، فلن يكون أمامهم أقل من ٣ سنوات للانتهاء، مع تكلفة تقدر بمليارات الدولارات، مع العلم أنه لن تدفع شركة نفط دولارا واحدا في استثمار مثل هذا، إلا إذا تأكدت من وجود سوق طويل الأجل في المستقبل، وهي كلها ضروط قد لا تكون ممكنة التحقق على أرض الواقع حاليا.

لذا فإن الخيارات حاليا كلها صعبة، إما أن يحاول العالم السعي نحو مصادر الطاقة الخضراء ملتزما أصلا بتعهداته البيئية، وهذا له فاتورة اقتصادية شديدة، وإما أن يواصل اللعب في لعبة أسعار النفط.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -