حرب الأيام الستة (نكسة يونيو 1967)

حرب الأيام الستة أو (هزيمة يونيو 1967) أو (نكسة يونيو) أو (الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة)، أسماء متعددة لحرب تلقي فيها العرب هزيمتهم الأكثر فداحة في القرن العشرين على يد إسرائيل.

ما هي أسباب نكسة ٦٧؟
دبابات من اللواء الإسرائيلي الرابع عشر تتقدم جنوب أبو عجيلة في شبه جزيرة سيناء المصرية، صورة بتاريخ 5 يونيو 1967، IDF Spokesperson's Unit.

نتج عن هذه الحرب تغيير جوهري وشامل في منطقة الشرق الأوسط، ففي خلال ستة أيام فقط نجحت إسرائيل في هزيمة ثلاث جيوش عربية (مصر، سوريا، الأردن)، واحتلت أراضي بلغت مساحتها أربعة أضعاف مساحتها قبل الحرب، وفرضت نفسها باعتبارها القوة العسكرية الأبرز في المنطقة.

هذه الحرب التي بدأت بإدعاء إسرائيل أنها تقاتل من أجل بقائها، انتهت بتحولها إلى دولة محتلة.

الطريق إلى يونيو 1967:

شكلت سوريا في مطلع الستينيات من القرن الماضي قاعدة لإنطلاق بعض عمليات المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل.

في ذات الوقت تكررت الإعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان والأردن ضمن ما يعرف باسم (حرب المياه العربية الإسرائيلية)، والتي كانت تدور بهدف استغلال مياه نهر الأردن وبحيرة طبريا.

ومع مطلع مايو 1967، دخلت مصر على الخط.

طلب السوريين من الرئيس المصري حينها دعمهم أمام ما اعتبروه تهديد إسرائيلي بالغزو.

في نفس الوقت تقريبا، تلقي رئيس مجلس الأمة المصري وقتها والرئيس المصري بعد ذلك (أنور السادات) خلال زيارة له إلى العاصمة السوفيتية موسكو تحذيرا سوفيتيا مفاده أن الإسرائيليين يحشدون قواتهم على طول الحدود مع سوريا.

بمجرد عودته إلي القاهرة، أبلغ السادات الرئيس عبد الناصر بهذه الرسالة .. وفورا يطير رئيس الأركان المصري حينها (محمد فوزي) إلي سوريا، يستطلع الرجل الجبهة السورية بنفسه، ويعود إلي القاهرة نافيا بشكل تام وجود أي حشود إسرائيلية على الحدود مع سوريا.

5 حزيران / يونيو 1967
أبلغ السادات رسالة السوفييت إلى عبد الناصر، الأخير وللمفارقة لم يثق في السوفييت وأرسل رئيس أركانه إلى سوريا حيث نفي المعلومة، لكنه وبغرابة شديدة تصرف باعتبارها صحيحة. Bibliotheca Alexandrina، public domain via wikimedia commons.

هناك وجهة نظر تاريخية ظهرت تشرح السبب في تسريب السوفييت هذه المعلومات المغلوطة للمصريين، تحدث أصحابها عن رغبة الاتحاد السوفيتي في إشعال حرب في المنطقة بتلك الفترة لعدد من الأسباب:
  1. رغبة السوفييت في زيادة مبيعاتهم العسكرية إلى الدول العربية.
  2. تعزيز مكانة الاتحاد السوفيتي في المنطقة.
  3. اعتقادهم أن العرب قادرين على خوض حرب معقولة ضد إسرائيل، لن تنتهي بتدمير إسرائيل ولا انتصارها بشكل واضح على العرب.
وهكذا لعب السوفييت من أجل مصالحهم.

وبالرغم من نفي رئيس أركانه القاطع لوجود حشد إسرائيلي على الحدود السورية، وبالرغم من رسالة تحذيرية وردته من الملك الأردني حسين بأن لا يتورط مع السوريين الذين وصفهم بأنهم "مخترقين على أعلى مستوي"، رد جمال عبد الناصر بالعديد من الخطوات:
حرب 67
الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر يعلن إغلاق مرور السفن الإسرائيلية من خليج العقبة، باعتبارها "عمل عدواني ستواجهه مصر بكل قوة".
  • إغلاق مضيق العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية وهو المضيق الذي كان مرور السفن الإسرائيلية منه أحد أهم ترتيبات انسحاب إسرائيل من سيناء عقب العدوان الثلاثي، وبذلك خنق عبد الناصر إسرائيل من جهة البحر الأحمر تماما، حيث سد حركة مرور السفن من وإلى منفذها الوحيد إليه عبر ميناء إيلات .. وبما أنه لا يسمح لها أصلا بالمرور عبر قناة السويس، فقد ترك لها بهذا الشكل فقط مؤانيها على البحر المتوسط للتواصل مع العالم.
  • الدفع بقوات الجيش المصري إلي سيناء، أو لنقل ما لديه من قوات، لأن ثلث الجيش المصري وقوته الضاربة وذات الخبرة القتالية الأعلى والأكثر تجهيزا كانت تخوض حربا منذ سنوات في اليمن.
  • توقيع معاهدة دفاع مشترك مع المملكة الأردنية الهاشمية والسماح للواء الشهير والكفء (عبد المنعم رياض) بالذهاب صحبة الملك حسين لتولي قيادة الجبهة الأردنية.
وفي خطابه أمام أعضاء المجلس المركزي لاتحاد نقابات العمال العرب قال عبد الناصر الذي كان يعرف أن جيشه غير مستعد أو على أفضل الأحوال كان غير واثق في استعداده: ((احنا أخيرا شعرنا أن احنا قوتنا كافية، وإن احنا في دخولنا أي معركة مع إسرائيل -بعون الله- نستطيع أن ننتصر، وعلى هذا فعلا قررنا نأخذ خطوات حقيقية)).

لكن، لابد هنا أن نوضح نقطة نظام مهمة في سير الأحداث، وهي أن إسرائيل كانت متشوقة إلى تلك الحرب، فهي تعد لها من عشر سنوات، وبالتحديد منذ نهاية العدوان الثلاثي.

كان الجيش الإسرائيلي جاهزا ومدربا ومسلحا بشكل جيد جدا لهذه الجولة، فيما كانت كل الجيوش العربية في أضعف حالاتها، لذا كانت الفرصة سانحة، بشكل كان الإسرائيليين يعرفون جيدا أنه لن يتكرر مجددا، وأنها لو فلتت من أيديهم فلن تعود من جديد.

في سبتمبر 1965، اجتمع الزعماء العرب في المغرب، حيث تمت مناقشة الاستعدادات العربية لأي حرب قادمة مع إسرائيل، وتبين عدم جاهزية الجيوش العربية لأي مواجهة.

وبحسب وثائق إسرائيلية تم الكشف عنها، سمح الملك المغربي (الحسن الثاني) لوحدة مشتركة من جهازي (شين بيت) و (الموساد) حملت اسم (الطيور) بتسجيل هذه الاجتماعات التي نقلت إلى تل أبيب واقع الجيوش العربية بالتفصيل.

قبل يوم واحد من الاجتماع، وخوفا من رصد الوحدة من أجهزة الأمن المصاحبة للزعماء العرب، طلب الملك الحسن الثاني من الضباط الإسرائيليين المغادرة، لكنه أرسل لهم التسجيلات الكاملة بعد نهاية القمة.

وللمفارقة فقد تأكدت إسرائيل بشكل عملي من عدم استعداد الجيوش العربية لهذه الجولة قبل الحرب بأقل من شهرين، وبالتحديد في السابع من أبريل 1967.

في ذلك التاريخ، تطورت مناوشات برية بين سوريا وإسرائيل إلى اشتباك بين سلاحي الجو، فماذا كانت النتيجة؟.

أسقط الإسرائيليين 6 مقاتلات سورية من طراز ميغ فوق منطقة جبل الشيخ في الجولان دون أن يفقدوا أي طائرة، كان ذلك دليلا عمليا على مستوى وجاهزية طيران كلا الدولتين في ذلك الوقت.

أسباب هزيمة العرب في حرب يونيو 1967
طائرة الميج-٢١ العراقية التي فر بها الطيار الخائن منير روفا، معروضة حاليا في حتسريم حيث متحف القوات الجوية الإسرائيلية، Oren Rozen، ونلاحظ ترقيمها 007 في إشارة لرمز رجل المخابرات البريطاني الشهير جيمس بوند، Oren Rozen CC BY-SA 3.0، via wikimedia commons.

كما تأكد الإسرائيليين في ذلك الاشتباك من نجاح Operation Diamond أو (عملية الماس) وهي عملية نجح فيها الموساد في تجنيد طيار عراقي خائن يدعي (منير روفا) والذي نقل لهم طائرة ميج-٢١ والتي كانت وقتها أحدث طائرة مقاتلة لدي العرب.

بامتلاكهم الطائرة بين أيديهم تمكنوا من دراستها جيدا ومعرفة نقاط قوة وضعفها، وتأكدوا في الاشتباك بشكل فعلي من قدرة طياريهم على مواجهتها والفتك بها.

لذا مثلت تحركات عبد الناصر (الحجة) التي تمسكت بها إسرائيل أمام العالم، فيما كان الرئيس المصري لا يريد الحرب، وإنما جرفته الأحداث إليها.

رابين وجمال عبد الناصر مرة أخرى:

إذا ما عدنا بالزمن إلي الوراء لنحو عشرين عاما، وبالتحديد إلى حرب فلسطين عام 1948، كانت تلك المناسبة الأولى التي تجمع بين ضابط إسرائيلي يبلغ من العمر 26 عاما يدعي إسحق رابين، قائد العمليات في جبهة الجيش المصري، حيث مثل ذلك الفرصة لمواجهة رائد مصري يبلغ من العمر 30 عاما اسمه "جمال عبد الناصر".

نكسة ١٩٦٧
إسحاق رابين على اليسار وفي المنتصف موشيه ديان وعلى اليسار قائد الجبهة الوسطى في الجيش الإسرائيلي خلال حرب الأيام الستة عوزي ناركيس، الصورة التقطت لهذا الثلاثي خلال دخولهم إلى المدينة القديمة في القدس عقب احتلالها في يونيو ١٩٦٧، الصورة من مجموعة الصور الوطنية في إسرائيل حتى اليوم، via wikimedia commons.

في هذه المرة .. كان الرجلين سيلتقيان مجددا، لكن هذه المرة كان رابين قد وصل إلى منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، فيما عبد الناصر هو رئيس مصر.

الحرب:

في صباح 5 يونيو 1967 شنت إسرائيل هجوم بداية الحرب التي استطاعت خلالها أن تحتل شبه جزيرة سيناء المصرية، ومعها قطاع غزة الفلسطيني الذي كان تحت الإدارة المصرية وقتها.

كما احتلت الضفة الغربية لنهر الأردن، والقدس الشرقية حيث سقط المسجد الأقصى في أيديهم فيما يسمي إسرائيليا بإعادة توحيد القدس "reunification of Jerusalem" بعدما كانت خاضعة لسيطرة المملكة الأردنية الهاشمية منذ عام 1949، لتصبح المدينة المقدسة في الإسلام والمسيحية خاضعة منذ تلك اللحظة للسيطرة اليهودية.

كل هذا بجانب مرتفعات الجولان السورية.

هذه المساحة الشاسعة من الأرض التي أستولت عليها إسرائيل جعلت حتى النقيب في البحرية الأمريكية (دبليو جيه كوتش) يصف في مقاله الذي نشرته مجلة معهد البحرية الأمريكية التحركات العسكرية الإسرائيلية بأنها كانت تتصف بالبراعة و (الوقاحة).. ولعله يقصد كيف لدولة لم تكمل عشرين عاما أن تضع خططا عسكرية وتنفذها بنجاح بأخذ كل تلك الأراضي من جيرانها.

البعض يصف الحرب بأنها حرب الساعات الست، وذلك لأن القوات الجوية الإسرائيلية شنت هجوما كاسحا ضد المطارات المصرية دمرت به تلك المطارات وسلاح الجو المصري بشكل شبه كامل على الأرض، ما مكن قواتها من العمل بحرية بعد ذلك حيث نجح هجومها البري في السيطرة على كل المناطق التي ذكرناها.

انتهت الحرب بوقف إطلاق النار بقرار صادر من الأمم المتحدة.

من وجهة النظر الأمريكية، تعتبر الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1967 بمثابة فشل لإدارات الرؤساء أيزنهاور وكينيدي وجونسون في منع تجدد الصراع العربي الإسرائيلي في أعقاب حرب السويس عام 1956 "العدوان الثلاثي"

أسباب حرب 1967
ماتيلدا كريم (يسار) تجلس بجوار ليدي بيرد، السيدة الأمريكية الأولى حينها وزوجة الرئيس جونسون، بينما يظهر ظهر الرئيس الأمريكي، صورة من داخل المروحية الرئاسية الأمريكية، نوفمبر ١٩٦٦، MIKE GEISSINGER OF THE WHITE HOUSE.

وجهة النظر تلك تتعارض بشدة مع حقيقة أن الرئيس جونسون كان مؤيدا لإسرائيل بشكل مطلق، ويمكنكم في هذا الصدد الإطلاع على تقريرنا: ((ماتيلدا كريم.. دور الطبيبة اليهودية الحسناء التي عشقها رئيس أمريكا في هزيمة ١٩٦٧)).

كما تتعارض مع أن الرئيس جونسون نفسه أدرك منذ اجتماعه مع وزير الخارجية الإسرائيلي في 26 مايو 1967 أن الإسرائيليين سيقومون بالهجوم، ومع ذلك ظل الأمريكيين يطالبون مصر بعدم توجيه الضربة الأولى.

ولوقت طويل ركزت الجهود الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط بعد حرب يونيو 1967، على أساس أن تنسحب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في تلك الحرب مقابل السلام مع جيرانها العرب، وهو الأمر الذي لم يحصل إلا في حالة وحيدة مع مصر التي كانت قد شنت أصلا حربا عام 1973، نجحت خلالها في تحرير جزء من أرضها المحتلة في سيناء.

رفض العرب الهزيمة في يونيو 1967، وفي أغسطس من نفس العام، عقدوا واحدة من أشهر القمم في تاريخ (جامعة الدول العربية) وهي (قمة الخرطوم) التي أعلنوا فيها عن (اللاءات الثلاث) وهي "لا صلح .. لا تفاوض .. لا اعتراف".

المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات الإستراتيجية والسياسية، هي محاولة عربية جادة لتقديم أهم الأخبار العربية والعالمية مع التركيز علي تحليل مدلولاتها، لكي يقرأ العرب ويفهمون ويدركون. نمتلك في المعرفة للدراسات عددا من أفضل الكتاب العرب في عديد من التخصصات، لنقدم لكم محتوى حصري وفريد من نوعه. facebook twitter
تعليقات