صكوك الغفران .. قصة شراء الجنة بالمال في المسيحية الكاثوليكية

صكوك الغفران (مفردها: صك غفران)، إنها واحدة من أغرب الاختراعات التي ربطت بين الأديان والمال، وأكثرها إثارة للدهشة.

صورة لصك من صكوك الغفران، مكتوب باللغة الإيطالية، وهو صادر عن البابا بيوس الثاني عشر بتاريخ 26 أكتوبر 1948، ومما جاء فيه على لسان السيدة التي حصلت عليه مخاطبة البابا أنها: ((تسجد بتواضع عند أقدام قداستك، تتوسل بالبركة الرسولية، وصك الغفران في ساعة الموت، حتى ولو كانت غير قادرة على الاعتراف أو التناول المقدس إذا كانت تائبة وتستدعي ، بفم أو قلب ، اسم يسوع الأقدس))، Nick-philly، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

ظهرت فكرة (صكوك الغفران) بالتحديد في زمن الحروب الصليبية، من الكنيسة الكاثوليكية في روما، تشجيعا على حشد أكبر عدد من المقاتلين للذهاب إلى بلاد الشرق.

وقامت الفكرة على أساس أن أي شخص يتطوع للذهاب والقتال في الشرق، فإن الكنيسة ستمنحه (صك غفران) يضمن له النجاة من (نار المطهر) وهي وفقا للمسيحية الكاثوليكية نار في الآخرة تطهر ذنوب الشخص التي لم يغفرها له الرب.

وهكذا نصبت الكنيسة نفسها في موضع الرب ذاته، وأصبحت تمنح للناس صكوك الغفران، التي مهما فعل صاحبها من ذنوب، فإنه يضمن لنفسه النجاة من نار المطهر.

ما هي قصة صكوك الغفران؟:

في العام 1215، وفي المجمع الثاني عشر الذي ترأسه البابا (أوربان الثاني) أعطت الكنيسة الكاثوليكية لنفسها الحق في (غفران الذنوب).

وكانت الخطوة التالية مباشرة هي طباعة (صكوك الغفران) التي متي حصل الشخص عليها، فإنها تغفر له جميع ذنوبه السابقة بل واللاحقة، وأيضا تعفيه من أي حقوق أو التزامات تجاه الآخرين.

بعبارة أخرى، كان من يحصل على صك غفران، يستطيع أن يزني أو يسرق أو يمتنع عن أداء الدين الذي أخذه وغيرها من الذنوب والآثام، وهو يضمن أن كل هذا لا يضره، لما لا وهو معه صك غفران؟!!!.

فقط كان عليه أولا أن يقوم بخطوة أساسية أخرى، وهي للملاحظة ترتبط أيضا بالتبعية للرهبان والقساوسة، إذ كان عليه أولا أن (يعترف) الاعتراف السري.

وهكذا تحول القساوسة والرهبان إلى ممارسة عمل تجاري، أصبغوه بصبغة دينية غريبة، جعلت منهم بمثابة الأله الذي يعفو ويغفر.

نسخة تم إعدادها عام 1948 من نقش سترادانوس، وهو فنان هولندي كان قد رسم صك غفران منحته الكنيسة مقابل مساهمات نقدية لبناء أحد الأضرحة، public domain، via wikimedia commons.

وكأننا نري تجسيدا حقيقيا لقوله تعالى في كتابه الحكيم:
((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) (الاية 31: سورة التوبة).

وقوله عز وجل:
((۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)) (الآية 34 : سورة التوبة)

لقد بدأ الأمر بمنح صك الغفران لمن يخدم في فلسطين لمدة 40 يوم فقط، كما تم منحها للأغنياء الذين لا يريدون ترك حياتهم المرفهة والذهاب للقتال بشرط أن يتكفل كل واحد منهم بنفقات محارب ذاهب إلى الشرق.

ثورة صكوك الغفران:

في المجتمع الأوروبي مطلع القرن الثالث عشر، حيث كان الجهل سيد الموقف، والإيمان الطفولي بالغيبيات هو الحاكم على معظم الناس، في مجتمع كهذا بدت فكرة (صك الغفران) فكرة مثيرة للجميع، فمن يحصل عليها، سيضمن دخول الجنة مهما كانت ذنوبه.

وانتقلنا من مجرد منح صك غفران لمن يذهب في الحروب الصليبية حتى وصلنا إلى مرحلة بيعها حتى للناس العاديين في مقابل أموال تحصل عليها الكنيسة الكاثوليكية، ما مثل لها مشروعا تجاريا جر إليها عائدات خيالية، فالجميع يدفع ليحصل على صكوك الغفران.

وتوسع الامر حتى وصل إلى أن الكنيسة بدأت تبيع صكوك الغفران للموتى، بحيث يشتري أهل الميت صك غفران لميتهم.

كانت تلك تجارة رابحة للغاية للكنيسة، وأيضا مريحة عاطفيا وإنسانيا، لمن فقد أبوه أو أمه مثلا، فذهب واشتري لهم صك غفران.

ثم اتسع الأمر أكثر فأكثر، فأصبحت صكوك الغفران تمنح حتى لمن يحاربوا ضد الملوك الذين غضبت عليهم الكنيسة الكاثوليكية، مثل (فريدريك الثاني)، أو حتى الجماعات  الدينية التي خرجت من طوع الكنيسة مثل الألبچنسيين في فرنسا.

صك غفران يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، ممنوح من بطريرك القدس، وتم بيعه بواسطة رهبان يونانيين في الأفلاق وهي منطقة تابعة لرومانيا، معروض حاليا في متحف التاريخ في العاصمة الرومانية بوخارست، Unknown author، public domain.

فأصبح حتى القتال ضد المسيحيين وليس المسلمين فقط وسيلة للحصول على صك غفران طالما كان يقاتل في صفوف الكنيسة والبابا.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل استمر في الاتساع حتى وصل بحسب ما تقوله (الموسوعة البريطانية) إلى جعل صكوك الغفران ذات درجات، فبعضها يمنح مغفرة كاملة للذنوب، وبعضها أقل درجة يمنح مغفرة لجزء منها.

أيضا اختلفت قيمة صك الغفران من حيث الذنب الذي يريد صاحبه الحصول على المغفرة منه، بحيث ترتفع قيمة الصك كلما ارتفعت درجة الذنب وهكذا.

كذلك استخدم البابوات صكوك الغفران في جذب الحجيج إلي روما، كما فعل على سبيل المثال (البابا بونيفاتيوس الثامن) في أول سنين القرن الرابع عشر، عندما أعلن عن منح صك الغفران لكل من يأتي إلي قبري (بطرس و بولس) لمدة 30 يوم إذا كان من أبناء روما، و 15 يوما للغرباء بمناسبة (سنة اليوبيل).

و (سنة اليوبيل) في المسيحية هي السنة التي يبدأ منها كل قرن.

وعلى ما يبدو نجحت هذه الفكرة في تكديس الأموال في خزائن البابا من أموال الزائرين الساعين نحو الغفران، لدرجة أن من لحقه من بابوات قلصوا المدد الفاصلة بين سنة اليوبيل من قرن كامل إلى نصف قرن ثم ثلاثين عاما، وانتهي الأمر لجعل سنة اليوبيل تتكرر كل 25 عاما.

وهكذا اتسعت التجارة الدينية بصكوك الغفران، ووصل الأمر إلى حد أنه قد تم استخدام أساليب متعددة للدعاية والترويج لها مثل ما يحدث بالضبط الآن مع حملات الدعاية والإعلان التي تستخدم لترويج منتج أو خدمة ما.

فعلي سبيل المثال، كان يقف البائع يقول: ((إن صكوك الغفران هي أثمن وأشرف هبات اللَّهِ، تعالوا فأعطيكم رسائل مختومة ختمًا صحيحًا بها تضمنون الغفران حتى للخطايا التي تنوون ارتكابها)).

لوحة تجسد عملية بيع صكوك الغفران، لوحة رسمها الفنان الألماني هانز هولباين الأصغر، القرن السادس عشر، معروضة حاليا في متحف المتروبوليتان للفنون، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، Harris Brisbane Dick Fund, 1936، public domain via wikimedia commons.

كما لم تكتفي الكنيسة ببيع صكوك الغفران داخل أروقتها، بل سارت المواكب التي تبيعها تصل إلي المدن والقرى في جميع أنحاء أوروبا.

ودفاعا عن هذا العبث، حاولت الكنيسة الكاثوليكية أن تضع فكرة صكوك الغفران في قالب ديني، فقالت أن (صك الغفران) يمنح للشخص لأنه وفقا للكتاب المقدس، فإنه يلزم لغفران الذنب أن يخضع الشخص لعقوبة زمنية في الدنيا "للتكفير عن الذنب".

لذا فإن دفع المال مقابل صك الغفران يكون هو بمثابة العقوبة الزمنية التي يتعرض لها الشخص.

والحقيقة أنه وبرغم حالة الجهل والضياع التي عاشها الكثير من الأوروبيين في تلك الحقبة الزمنية، فإن صكوك الغفران ظلت على الدوام مادة للتندر والسخرية حتى من العوام برغم كل محاولات الكنيسة لتلبسها لباس الدين.

فلك أن تتخيل ماذا كان يفعله الخيال الشعبي أمام حقائق مثل أن حتى العاهرات اللواتي كبرن في السن، ولم يعد يأتيهن طالبي المتعة، كانوا يدفعون جزء من أموالهن المجموعة من ممارسة البغاء ويدفعن بها للحصول على صكوك الغفران، ببساطة لأن الكنيسة لم تكن تسأل عن مصدر الأموال، أكانت حلال ام حرام.

حركة الإصلاح الديني في أوروبا:

مع قيام ما سيعرف فيما بعد بأنها (حركة الإصلاح الديني في أوروبا)، وضعت هذه الحركة نصب أعينها التصدي ومحاربة ظاهرة صكوك الغفران.

بدأت تلك الحركة في القرن السادس عشر على يد أستاذ دراسات الكتاب المُقدس (الإنجيل) بجامعة فتنبيرغ الألمانية، والذي خلد التاريخ اسمه (مارتن لوثر)، والذي كان ينتمي إلى المذهب البروستانتي وليس الكاثوليكي.

من الناحية التاريخية، ربما لم يكن مارتن لوثر يسعي إلا للقضاء على صكوك الغفران، هي وغيرها مما اعتبرها (عقائد دخيلة على الدين المسيحي).

وكان مارتن لوثر قد بدأ حركته خصوصا مع الحالة غير المسبوقة من بيع البابا (لاون العاشر) صكوك غفران تمنح المغفرة الكاملة للشخص سواء كان حيا أو ميتا، بهدف جمع المال اللازم للزخرفة التي صممها العبقري (مايكل أنجلو) لكنيسة القديس بطرس، علاوة على نفقات البابا نفسه والتي كانت تتسم بالارتفاع الشديد، فهو في الأصل أمير من بيت ملكي، ووالده كان ملكا على إيطاليا.

لكن حركة مارتن لوثر والتي استهدفت الصكوك في البداية، تحولت إلى حركة شاملة، قادت في النهاية إلى فصل الكنيسة عن الدولة في أوروبا، وبدأ عصر جديد ظهرت وحكمت فيه مبادئ العلمانية، خصوصا أنها لم تواجه أي معارضة من ملوك أوروبا الطامحين في التخلص من سلطة الكنيسة وتدخلها في الكثير من نواحي الحكم لقرون متتالية.

في نهاية المطاف، اضطرت الكنيسة الكاثوليكية نتيجة لهجوم البروستانت عليها مستغلين صكوك الغفران، إلي كبح جماح استخدامها.

ومع ذلك، ظلت صكوك الغفران موجودة ومستعملة حتى في القرن العشرين، وإن تم تقليصها إلي حد كبير، سواء من حيث الأفعال المطلوبة ليحصل الشخص على صك غفران، أو حتى من حيث تأثير صكوك الغفران نفسها في تغيير مصير الشخص في نار المطهر.

ذلك لأنه وإن اضطر البابا (بيوس الخامس) لوقف بيع صكوك الغفران بعد نصف قرن من بداية هجوم مارتن لوثر عليها، فإن البابا ذاته لم يلغي فكرة صكوك الغفران واعتبرها صحيحة بشرط أن لا يتم دفع أموال مقابل الحصول على صك غفران.

وبحلول عام 1563، كان البابا بيوس الثاني أيضا، قد أيد مذهبًا شاملاً بشأن صكوك الغفران، نشأ عن سلسلة من الاجتماعات مع رجال دين رفيعي المستوى في الكنيسة الكاثوليكية يُطلق عليها (مجلس ترينت).

من الناحية الرسمية أيضا، وفي الأول من يناير عام 1967، دافع البابا بولس السادس، وهو بابا الفاتيكان وقتها عن صكوك الغفران، مدعيا أن الهدف من ورائها كان مساعدة المؤمنين على التخلص من خطاياهم حسب وصفه.

كما أضاف أن الكنيسة كانت تريد جعل أتباعها (أكثر حماسةً للأعمال الخيرية).

وصدر في عهد هذا البابا مرسوما جعل من صكوك الغفران أمرا شرعيا، وإن ربطها فقط بالأعمال الصالحة مثل الصلوات المهمة والصدقات، دون ربطها بدفع المال.

صكوك الغفران في العصر الحالي:

قد يبدو الأمر مدهشا، لكن الحقيقة أن صكوك الغفران لم تختفي من عالمنا حتى ونحن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

وما قد يثير دهشتك أكثر، أن هذا الأمر ينطلي حتى على إناس متعلمين بشكل جيد للغاية، ويعيشون في مجتمعات متطورة.

ففي اليابان على سبيل المثال، هناك كنيسة تسمي "كنيسة التوحيد" أو "اتحاد الأسرة من أجل السلام العالمي والتوحيد"، والتوحيد هنا ليس المقصود به عبادة الله وحده، ولكن توحيد البشر والناس كما تقول تلك الكنيسة عن أهدافها.

هذه الكنيسة لا تزال تبيع صكوك الغفران، ولك أن تعلم عزيزي القارئ أن اغتيال رئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي .. في 8 يوليو 2022 كان على يد عاطل عن العمل عمره 41 عاما اسمه "تيتسويا ياماغامي".

هذا الشاب كانت والدته قد ضحت بمستقبله حينما اعطا والدته 100 مليون ين (ما يعادل 692 ألف دولار) للكنيسة من محصول تأمين والده على حياته قبل انتحاره، مما أدى بالأسرة إلى الإفلاس.

الكنيسة نفسها كان لها علاقات قوية مع شينزو آبي، ومع حزبه الحاكم، بل حتى مع السيد "نوبوسوكِه كيشي" رئيس الوزراء الياباني من 1957 إلى 196، وهو أيضا جد "شينزو آبي".

لذا أراد تيتسويا ياماغامي أن ينتقم من رئيس الوزراء الذي كلفه ضياع أموال والده، وحول حياته إلى جحيم.

هذه الكنيسة والتي اتسعت الأنظار حولها بعد الحادث، يقدر اتباعها في اليابان بنحو 600 ألف، ونحو 10 مليون في جميع أنحاء العالم.

أيضا، في الولايات المتحدة الأمريكية، كشفت صحيفة (نيويورك تايمز) النقاب عن كنائس كاثوليكية عادت لتبيع صكوك الغفران في تحقيق حمل عنوان (For Catholics, a Door to Absolution Is Reopened)، تم نشره بتاريخ 9 فبراير 2009.

كشف التحقيق عن وجود إعلانات عبر نشرات الكنائس والعديد من المواقع الإلكترونية عن صكوك غفران تمنحها الكنائس الكاثوليكية.

تعليقات