زدني معرفة

المسيح الدجال .. قصة أعظم فتنة منذ خلق آدم إلي قيام الساعة

نواصل في "المعرفة للدراسات" عرض (سلسلة علامات النهاية)... والتي بدأناها بموضوع (من هم يأجوج ومأجوج .. قصة ملحمة من علامات الساعة الكبرى).

لوحة من أشهر اللوحات التي رسمت عن شخصية المسيح الدجال، ويظهر فيها وهو محاط بالشيطان يوسوس له، والناس الذين اتبعوه يقفون حوله، رسمها الرسام الايطالي الشهير لوكا سينيوريلي، وهو أحد رسامي عصر النهضة، public domain.

نتحدث اليوم عن المسيح الدجال، عن قصة الفتنة الكبري للمسيح الدجال، ذلك الذي يعيش في جزيرة منذ قديم الأزل دون أن يعرف الناس مكانه. 

والحقيقة أن الناس يسألون كثيرا عنه، ومن هم الذين سيتبعونه عند خروجه، ومن أين سيخرج الدجال، ومن هو النبي الذي سيقتله؟.

ونشير في البداية إلي نقطة قد تلتبس عند الكثيرين، فقد جاءت جميع الروايات الإسلامية عن (المسيح الدجال) بحرف الحاء، وليس كما يكتبه أو ينطقه البعض بصورة خاطئة (المسيخ الدجال).

علامة من علامات الساعة الكبرى:

يعد خروج المسيح الدجال علامة من علامات الساعة الكبرى.

فعن حذيفة بن أسيد الغفاري، اطَّلَع النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم علينا ونحن نتَذاكَرُ فقال ما تَذكُرونَ قالوا نَذكُرُ الساعةَ قال: ((إنها لن تَقومَ حتى ترَوا قبلَها عشْرَ آياتٍ فذَكَر الدُّخانَ والدجَّالَ والدابَّةَ وطُلوعَ الشمسِ من مَغرِبِها ونُزولَ عيسى ابنِ مريمَ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم ويَأجوجَ ومَأجوجَ وثلاثَ خُسوفٍ خَسفٌ بالمَشرِقِ وخَسفٌ بالمَغرِبِ وخَسفٌ بجزيرةِ العربِ وآخِرُ ذلك نارٌ تَخرُجُ من اليمَنِ تَطرُدُ الناسَ إلى مَحشَرِهم)). أخرجه مسلم (٢٩٠١).

هل المسيح الدجال موجود الآن:

كثيرا ما يتكرر السؤال عن هل المسيح الدجال موجود وحي الآن؟.

والحقيقة أن الإجابة هي (نعم)، فالمسيح الدجال موجود وحي، وهذا ما أخبرتنا به الروايات الشرعية.

وللأسف الشديد، نري اليوم في عصر الإنترنت من يتاجر بعلامة من علامات الساعة الكبرى، وإحدي أخطر الفتن التي حذر منها أنبياء الله المتعاقبين، ونجد من يستغل ولادة طفل هنا أو هناك بعيب خلقي في عينه أو وجهه.

ونجد من ينحدر لأسفل من ذلك، ويستخدم برامج تركيب الصور والتعديل عليها، وينشر صور لطفل يغير ملامح وجهه.

وهكذا نري العناوين من قبيل (ميلاد المسيح الدجال)، وهؤلاء إما يجهلون حقيقة الأمر الذي يتحدثون عنه من الأصل، أو يحاولون جذب أكبر عدد من الناس لما يكتبونه أو حتى ينشرونه من فيديوهات على مواقع مثل اليوتيوب، دون اعتبار للحقيقة في أمر من أخطر وأعظم الأمور.

والمسيح الدجال، هو رجل من (بني آدم)، فهو من جنس البشر، وليس كما يظنه أو يعتقده البعض أنه من جنس آخر غير الجنس البشري.

مكان المسيح الدجال:

وفقا للحديث الذي ذكر فيه قصة تميم الداري ومن معه، فقد شاهدوا المسيح الدجال في جزيرة مهجورة، Pixabay License, Free for commercial use, No attribution required.

قد ورد في صحيح مسلم، حديث الواقعة التي حدثت للصحابي (تميم الداري) وعدد من الناس كانوا معه على متن سفينة، فنزلوا على جزيرة وجدوا فيها دير، فدخلوه، فإذا بهم يجدون المسيح الدجال بداخله، وهكذا تكون هذه الرواية هي الرواية الوحيدة عن من شاهد المسيح الدجال بعينه.

فتقول فاطمة بنت قيس، وهي من روت تلك الواقعة، ونقلها الإمام مسلم في صحيحه: ((فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا، وأشده وثاقا، مجموعة يداه إلي عنقه، مابين ركبتيه إلي كعبيه بالحديد)).

إذن فالدجال موجود بالفعل في مكان ما، داخل جزيرة لا يعلم أحد موقعها، وهو مقيد بداخلها... وشاء -عز وجل- أن لا يراه أحد من البشر إلا تميم الداري فقط ومن كانوا معه في تلك الرحلة.

فتنة المسيح الدجال:

علاوة على كونه من علامات الساعة الكبرى، فإن المسيح الدجال يعد أحد أخطر الفتن التي ستمر على بني آدم منذ خلقهم الله، إلي قيام الساعة.

والحقيقة أنه وفي هذا العالم الذي نعيش فيه اليوم، حيث ضعف الإيمان، وقل ورع الكثير من البشر، وشغلتهم الحياة المادية بشكل كامل، فإنصرف ذهنهم عن الآخرة، في ظروف مثل هذه، فإن خطر فتنة المسيح الدجال تزيد وتعظم.

فلقد أعطاه الله عز وجل، الكثير من القدرات الخارقة التي سيفتن بها الكفار والمنافقين وضعاف الإيمان، إذ أعطاه الله، القدرة على إنزال المطر وإنبات الأرض وزيادة الثمار والثروات، بل وإحياء الموتي.

ومما يؤكد عظم هذه الفتنة، أن جميع أنبياء الله ورسله قد أنذروا قومهم من المسيح الدجال، وهذا ما أخبرنا به النبي الامين صلى اللّه عليه وسلم، في حديثه الذي قال فيه: ((ما بعث الله من نبيٍّ إلا أنذره قومَه، حتى نوح أنذره قومه)).

وقد ورد عن "على هشام بن عامر" أن عمران بن حصين، وهو أحد صحابة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، قال ذات يوم: إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلم بحديثه مني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال) وفي رواية: (أمر أكبر من الدجال).

وهذا الحديث بالتحديد هو ما يكشف أن فتنة المسيح الدجال هي أخطر وأعظم فتنة تمر على الناس من خلق آدم إلي قيام الساعة.

ومما يذكر في الروايات عن فتنة المسيح الدجال، أن الله سيعطيه القدرة على إنزال المطر على أرض من اتبعوه، rawpixel, Public Domain.

ولعل السبب في هذا أنه سبق من أدعى الألوهية من قبل مثل (النمرود الذي قتلته ذبابة)، لكن النمرود هذا وفرعون وكل من هو مثلهما، لم يمتلكوا القدرات الخارقة التي يمتلكها المسيح الدجال بأمر الله، والتي ستفتن الناس فتنة لم يعرفوا قبلها ولن يعرفوا بعدها.

شكل المسيح الدجال:

مما أخبرنا به النبي صلى اللّه عليه وسلم، أن المسيح الدجال مسيح العين اليمنى، كأنها عنبةٌ طافيةٌ. (العنبة الطافية تعني العنبة المرتفعة أو الظاهرة، والمقصود هنا أن عينه اليمين قد ذهب بصرها، فلا يري إلا بعينه اليسري).

وفي حديث شريف، قال صلى اللّه عليه وسلم: "ما بُعث نبيٌّ إلا أنذَر أُمّته الأعورَ الكذَّاب، ألا إنَّه أعوْرُ، وإنَّ ربَّكُم ليسَ بأعور، وإن بين عينيه مكتوبٌ: كافرٌ".

ومن هذا الحديث الثاني نعرف صفة ثانية من صفات المسيح الدجال بجانب ما في عينه من عوار، أنه مكتوب بين عينيه كافر، كلمة يراها كل مؤمن يشاهد وجه المسيح الدجال، فهاتان آياتان بياناتان ليتعرف المؤمنين عليه.

ويستطيع جميع المؤمنين قراءة كلمة (كافر) المكتوبة بين عيني المسيح الدجال، سواء كان المؤمن في حياته العادية يستطيع القراءة والكتابة أو لا يستطيع.

خروج المسيح الدجال:

يخرج المسيح الدجال من جهة الشرق، من جهة خراسان (تشمل هذه المنطقة حاليا أجزاء من أفغانستان وإيران وتركمانستان).

ففي حديث شريف عَنْ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثنَا رَسُولُ الله قَالَ: «الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بالمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ». أخرجه أحمد والترمذي.

والاتباع المقصود في الحديث ((يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ)).. المقصود به يأجوج ومأجوج، ومعناه هنا التبعية الزمنية، وليس أنهم سيتبعوه ويكونوا له أتباع أو معاونين، بل سيخرجوا بعد نهاية فتنة المسيح الدجال.

وسيفسد المسيح الدجال في الأرض، ومعه أتباعه من اليهود الطيالسة (اليهود الطيالسة يعيشون الآن في إيران).. وبهذا يتضح التوافق في المكان وفي الناس الذين سيتبعون المسيح الدجال، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أنس بن مالك: «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ، سَبْعُونَ أَلْفاً عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ».

رسم تخيلي للمسيح الدجال.

ومما قاله صلى اللَّه عليه وسلم عن المسيح الدجال، ورواه عنه أبي أمامة رضي اللَّه عنه: ((وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة)).

الوقاية من فتنة المسيح الدجال:

والحمد لله الذي بعث نبيه محمد بن عبد الله، صلى اللّه عليه وسلم، رحمة للعالمين، فعلم أمته كيف يستعيذوا بالله ويطلبوا وقايته لهم من فتنة المسيح الدجال.

ففي الحديث الصحيح الثابت عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: ((إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)).

ومما تتقي به فتنة المسيح الدجال أيضا أن يكون الإنسان في أحد الأماكن التي لن يدخلها المسيح الدجال.

وهناك روايتين عن ((الأماكن المحرم على الدجال دخولها))، الأولى وردت عن أنَس بْن مَالِكٍ رَضيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلا مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ». متفق عليه.

ورواية أخرى جعلت جبل الطور في صحراء سيناء المصرية، والمسجد الأقصى، بجانب مكة المكرمة والمدينة المنورة، ففي حديث رواه أحمد، قال صلى اللَّه عليه وسلم: ((لا يَقْرَبُ أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ: مَسْجِدَ الحَرَامِ، وَمَسْجِدَ المَدِينَةِ، وَمَسْجِدَ الطُّورِ، وَمَسْجِدَ الأَقْصَى)).

كما يتقي من فتنة المسيح الدجال إذا لقاه شخص مؤمن، بأن يقرأ فواتيح سورة الكهف، ويقال العشر آيات الأولى منها.

عدم ورود ذكر المسيح الدجال في القرآن الكريم:

لا يوجد في القرآن الكريم ذكر للمسيح الدجال، ولكن هذا لا ينفي وجوده، إذا وردت كثير من الأحاديث النبوية الشريفة، والتي ذكرته، وحذرت منه.

والسنة النبوية المطهرة تأتي من علم يوحي به لرسول اللّه، لكنه ليس بقرآن، وذكر المسيح الدجال وفتنته فيها جاء بشكل مستفيض لا يمكن معه إنكاره... ولكن فقط ما يمكن الحديث عنه هو هل المسيح الدجال قصير القامة ام طويل .. وما قاله عدد من العلماء أنه لم يولد بعد وأن حديث تميم الداري والسفينة ليس صحيحا، وإن كان من قال هذا ليس بجانب كبير من العلماء، وإنما عدد قليل منهم.

مقتل المسيح الدجال:

صورة من منطقة باب لد في فلسطين حيث ورد حديث أن فيها سيلتقي نبي الله عيسى عليه السلام بالمسيح الدجال، فيقتله نبي الله ويخلص الأرض من شره وفتنته.

بعد أن تنقضي المدة المحددة لبقاء المسيح الدجال وفتنته في الأرض، والتي أخبرنا بها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، أنها ستكون ٤٠ يوما (يوما كسنة، ويوما كشهر، ويوما كأسبوع، وسائر الأيام كباقي الأيام العادية).

مدة تري فيها الأرض ومن عليها من بشر، فتنة لم ولن تعرف مثلها، فتنة المسيح الدجال الذي يأمر السماء لتمطر على أرض من اتبعوه فتمطر، ويأمر الأرض أن تخرج الثمار في أرض من اتبعوه فتخرج، ويأمر الخرابات في الأرض أن تخرج كنوزها، فتخرج.. كل ذلك بأمر الله ولكن الظالمين لا يعلمون فيتبعوه.

في تلك المدة أيضا، يضرب المسيح الدجال القحط وهلاك المال على المؤمنين الذين عرفوه وكذبوا بكونه ربا أو خالقا، وتمسكوا بربهم لا شريك له.

حينها، وعندما تنقضي هذه المدة، ينزل السيد المسيح-عليه السلام- ويهبط بأمر ربه من السماء عند شرقي دمشق، ويبحث السيد المسيح عيسى عن المسيح الدجال، فيجده أخيراً عند منطقة (باب لد)، وهي الآن منطقة في فلسطين المحتلة.

فيقتله السيد المسيح عيسى عليه السلام، بعدما يحاول المسيح الدجال أن يهرب منه بلا فائدة. وهكذا تكون نهاية المسيح الدجال الضال المضل، على يد عبد الله ورسوله المسيح عيسى بن مريم.

ويلتقي نبي الله عيسى بقوم من المؤمنين الذين عصمهم الله من فتنة المسيح الدجال، فيمسح على وجوههم ويبشرهم بمكانهم في الجنة، وفي هذه الحالة، يأتي الوحي لعيسى بن مريم -عليه السلام-أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا، فما تنتهي فتنة الدجال حتى تبدأ فتنة يأجوج ومأجوج.

المسيح الدجال في المعتقدات المسيحية واليهودية:

في المعتقدات المسيحية، يعد المسيح الدجال هو العدو المطلق والمباشر للسيد المسيح -عليه السلام-.

ويذكر كذلك في الكتب المسيحية أنه سيظهر قبل يوم القيامة ليسود الأرض بشكل رهيب.

بالنسبة لفريق من اليهود حاليا، فإنه ينتظر ظهور المسيح، ويعتقد مؤمنا أنهم سيحكمون العالم من خلاله، وينتقمون من كل أعدائهم، لذا فليس من المستغرب عندما نقرأ أن معظم اتباع المسيح الدجال سيكونون من اليهود، وأنهم سيرون فيه المسيح الذي ينتظرونه.

الغريب أن هناك نظرة تاريخية تذهب إلي أن أول من تحدث عن المسيح الدجال في الكتب اليهودية، وهو (دانيال)، إنما كان يقصد الحديث عن شخصية كانت تعيش في عصره وزمانه، وبالتحديد أنطيوخس الرابع، حاكم فلسطين الذي حاول جهده للقضاء على الديانة اليهودية.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -