زدني معرفة

فتح القسطنطينية .. كيف أسقط محمد الفاتح عاصمة الإمبراطورية البيزنطية التي أستعصت على المسلمين من قبله

سيظل على الدوام، تاريخ ٢٩ مايو ١٤٥٣، تاريخا خالدا، ففيه نجحت جيوش العثمانيين بقيادة (محمد الفاتح) في دخول القسطنطينية، في حدث غير مجري التاريخ، وسيسمي على الدوام لدي المسلمين باسم (فتح القسطنطينية) .. بينما سيظل الغرب يطلق عليه (سقوط القسطنطينية) أو Fall of Constantinople.

لوحة من معروضات متحف إسطنبول العسكري، السلطان محمد الفاتح على فرسه على يسار اللوحة يتابع القتال العنيف عند أسوار القسطنطينية، Dosseman، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.


وهكذا هو التاريخ دوما، يقرأ من طرفيه، ومن هذا المنطلق جمعنا في (المعرفة للدراسات) مصادرنا من المصادر العربية والغربية والتركية معا، لنتحدث اليوم عن معركة القسطنطينية ١٤٥٣.

عن مدينة القسطنطينية:

بلا شك، تعد القسطنطينية أو Constantinople، واحدة من أهم المدن في التاريخ، فلقد شهدت من الأحداث ما عز أن تشهده مدينة مثلها.

إذ كانت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية / البيزنطية، وقد أسسها الإمبراطور قسطنطين الكبير عام ٣٣٠ بعد الميلاد في مدينة بيزنطة اليونانية، بالتحديد بين القرن الذهبي وبحر مرمرة في مضيق البوسفور.

في الغرب، كانت القسطنطينية تسمي دوما باسم (ملكة المدن).

وبرغم أن مؤسسها (قسطنطين الكبير) قد أطلق على المدينة اسم "نوفا روما" ، أي "روما الجديدة"، فإن المدينة التي أصبحت عاصمة للإمبراطورية الرومانية بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، حملت اسمه هو نفسه، فأصبحت ((القسطنطينية)).

واشتهرت المدينة بروائعها المعمارية، مثل آيا صوفيا ، وكاتدرائية الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية (التي كانت مقرًا للبطريركية المسكونية)، والقصر الإمبراطوري، وميدان سباق الخيل، والقصور الأرستقراطية الفخمة.

لتفتحن القسطنطينية:

يبدأ الخلاف حول فتح القسطنطينية بحديث منسوب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، أنه قال: “لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش”.

فهناك طرف يري فيه بشارة نبوية، تحققت بالفعل بعد فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح، ويتخذونه أساسا دينيا للثناء على هذا الفتح، وعلى قائده.

الطرف الثاني، تكلم في (سند الحديث) فجعلوه ضعيفا ومن بينهم الإمام الألباني، والأرنؤوط في تحقيق المسند، وهناك من أشار لورود الحديث في صحيح الإمام مسلم، لكن بدون ثناء لا على الجيش ولا على قائده.

الحديث النبوي المختلف حول سنده، بل وحول مقصده، مدون على أحد الحوائط في مدينة القسطنطينية (إسطنبول التركية حاليا)، صورة من مواقع التواصل الاجتماعي.

طرف ثالث، اتخذ موقفا في الوسط بين الرأيان السابقان، ويذهب أصحابه لكون هذا الحديث إشارة إلى فتح القسطنطينية الثاني الذي سيكون مصاحبا لعلامات الساعة الكبرى ويعقبه خروج المسيح الدجال و يأجوج ومأجوج.

محاولات فتح القسطنطينية:

إذا ما كان هناك مدينة ما أستعصت على المسلمين وأرهقتهم حتى استطاعوا فتحها، فبكل تأكيد ستكون هي القسطنطينية.

فمنذ القرن الأول الهجري، ومحاولات المسلمين لم تتوقف لفتح القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، وهناك سببين رئيسيين لذلك الجهد المبذول لفتح القسطنطينية بالتحديد.

الأول، سبب ديني، ويتمثل في قوله صلى اللّه عليه وسلم: ((أوَّلُ جَيْشٍ مِن أُمَّتي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لهمْ))، وهذا حديث صحيح، أخرجه البخاري.. وبرغم أن أول جيش حاول فتح القسطنطينية لم يفلح في ذلك، فإن المدينة ظلت هدفا ذو صبغة دينية بسبب هذا الحديث.

الثاني، سبب إستراتيجي، إذ ظلت القسطنطينية على الدوام نقطة الانطلاق لهجمات البيزنطيين، ومن خلفهم الحملات الصليبية على بلاد الشرق، لذا كان يهم المسلمين سد باب الأخطار عنهم النابع أصلا من هذه المدينة.

فكانت المحاولة الأولى في عهد الخليفة الراشد (عثمان بن عفان) رضي اللّه عنه، وقاد جيش المسلمين فيها (معاوية بن أبي سفيان)، وكان من في صفوف هذا الجيش، الصحابي الجليل (أبو أيوب الأنصاري) حيث استشهد خلالها، ودفن عند أسوار القسطنطينية، وقبره اليوم معروف في إسطنبول.

المحاولة الثانية، كانت في عصر الخلافة الأموية، وبالتحديد في عهد الخليفة (سليمان بن عبد الملك بن مروان)، واستمرت في القتال ضد القسطنطينية ومحاولة فتحها لسنوات، وهي تحت قيادة أخو الخليفة، الأمير (مسلمة بن عبد الملك).

هذه الحرب الطويلة أنهكت الجيش المسلم إنهاكا عظيما، كما أنهكت القسطنطينية وأهلها بشدة حتى شح لدي أهلها الطعام.

فلما تولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، بعث بالغوث والمدد إلي مسلمة، ومعه خطاب أمره فيه بأن يفك الحصار عن القسطنطينية، ويعود بالجيش، وقد كان لتلك الخطوة أثرا كبيرا في حسن ذكرى عمر بن عبد العزيز في كتب المؤرخين الغربيين.

المحاولات العثمانية لفتح القسطنطينية:

لوحة لقلعة روملي حصار، التي بناها العثمانيين بأوامر السلطان محمد الثاني قبل معركة القسطنطينية بعام واحد فقط (أي عام ١٤٥٢)، في منطقة يضيق فيها مضيق البوسفور في مواجهة مدينة القسطنطينية ليصل إلي ٧٢٢ ياردة فحسب، هذه المنطقة كانت محمية بسلسلة ضخمة جدا من الحديد كانت تحطم أي سفينة تحاول الاقتراب منها، illustration Countries of the world,1925، (CC BY-NC-SA 2.0)، via Flickr.

تشير المصادر التركية إلي أن محمد الفاتح لم يكن هو أول من حاول فتح القسطنطينية، بل جاء بعد سلسلة محاولات عثمانية كان هو آخرها.

البداية كانت مع (أورخان بن عثمان)، لكنه قد لقي هزيمته على يد البحرية البيزنطية التي كانت تفوق بحرية آل عثمان في تلك الفترة.

كما حاول السلطان بايزيد الأول (بايزيد الصاعقة)، فتح القسطنطينية في عهد الإمبراطور مانويل بن يوحنا الخامس، إلا أن الحصار انتهى بعقد صلح بين الطرفين.

السلطان مراد الثاني أيضا فرض حصارًا على القسطنطينية عام ١٤٢٢، لكنه اضطر إلى رفعه لقمع حركات تمرد وقعت في أماكن أخرى من الإمبراطورية العثمانية.

ما قبل سقوط القسطنطينية:

بتتبع المسار التاريخي للإمبراطورية البيزنطية، سنجد أن تلك الإمبراطورية العظيمة اختارت أن تموت ببطء.

لقرون، ظلت أوضاعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في حالة تدهور في غالب أوقاتها، ومن الناحية العسكرية كان جيرانها المسيحيين مثل الإمبراطورية البلغارية والإمبراطورية الصربية يقتطعون من أراضيها، كما أنها اكتوت بنيران الحملات الصليبية، والتي قرر قادة بعضها الهجوم على القسطنطينية قبل الهجوم على المسلمين !!.

أما مناطق سيطرة الإمبراطورية البيزنطية في آسيا الصغرى، فكانت قد سقطت بالكامل في يد الأتراك، كما زاد العثمانيين من اقتطاعهم لأراضي البيزنطيين بالسيطرة على جميع منطقة البلقان تقريبًا ومعظم هضبة الأناضول، بعد الاستيلاء على العديد من المدن البيزنطية الواقعة غرب القسطنطينية.

لذا بدت الإمبراطورية وعاصمتها القسطنطينية، كمن ينتظر قدره المحتوم بالهزيمة والسقوط.

لكن الأكثر من هذا كله، أن الصراع على الحكم وعلى الوصول على عرش الإمبراطورية البيزنطية كان قد مزق جبهتها الداخلية، إلي الحد أن السلاطين العثمانيين مثل مراد الأول، و بايزيد الأول (الملقب بالصاعقة)، تدخلوا ولعبوا أدوارا حاسمة فيمن يصل لعرش القسطنطينية.

السلطان العثماني بايزيد الأول (بايزيد الصاعقة) حاول فتح القسطنطينية، reddit، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

علاوة على ذلك، فمع تعرض القسطنطينية للعديد من مرات الحصار المدمرة سعيا للسيطرة عليها، تعرضت المدينة لكارثة على صعيد التعداد، إذ انخفض عدد سكان المدينة من حوالي ٤٠٠٠٠٠ في القرن الثاني عشر، إلى ما بين ٤٠،٠٠٠ و ٥٠،٠٠٠ بحلول عام ١٤٥٠.

ولنا أن نتخيل دولة كتلك، عصفت بها المشاكل من كل ناحية، لذا فبحلول منتصف القرن الخامس عشر، لم يكن قد بقي لها إلا ذكريات ماضيها العظيم الذي كانت تحكم فيه بلاد الشام وفي كل من تونس وليبيا ومصر وفلسطين وسوريا وآسيا الصغرى مروراً بالبلقان واليونان وصولاً إلى جنوبي شرقي إيطاليا.

لذا، فإن هناك رأي تاريخي يذهب إلي القول بأن القسطنطينية كانت هي الجائزة التي سيفوز بها إما العثمانيين، أو أعدائهم في المجر أقوى منافسيهم الأوروبيين على صعيد القوة البرية، أو واحدة من مدينتي البندقية وجنوة (ستقاتل المدينتان بجانب القسطنطينية عند الحصار)، اللتان كانتا تسيطران على الكثير من بحر إيجه والبحر الأسود، وأن العثمانيين كانوا هم من فازوا بها، ببساطة لأنهم أكثر من حاولوا فتحها، واستفادوا من كل محاولاتهم ومحاولات المسلمين السابقة، 

الطريق نحو المعركة:

استغل العثمانيين هذا الضعف الشديد في الإمبراطورية العثمانية لدرجة أن السلطان (محمد الفاتح) قرر أن يبني قلعة داخل الإمبراطورية البيزنطية نفسها، بل الأدهي أنه قرر بنائها على الجانب الأوروبي من البوسفور، بل لنا أن نتخيل أنه اختار مكانها في مواجهة أسوار القسطنطينية.

موقع كهذا، كان يعني وبلا مواربة، أن محمد الفاتح قد بدأ العمليات الحربية ضد القسطنطينية، وأنه يريد بناء هذه القلعة لحشد القوة العسكرية اللازمة له لدخول القسطنطينية، وكذا توفير المكان المناسب لقواته لدخوله إن أتي عليها الشتاء القارص وهي تحاصر القسطنطينية، ذلك الشتاء الذي دافع كثيراً عن المدينة، وكان سببا رئيسيا في هزيمة الكثير من الحملات قبل ذلك.

لذا فليس من المستغرب ، أن يقوم الامبراطور البيزنطي (قسطنطين الحادي عشر) بعمل مشاغلات ومناوشات مع قوات الفاتح والعمال الذين يبنون القلعة، ومع رفض السلطان العثماني التراجع، ورفضه لطلب الإمبراطور بوقف بناء القلعة، بدا أنه لا مفر من الحرب.

حصار القسطنطينية:

تحركت جيوش العثمانيين بقيادة محمد الثاني ، الذي سيلقب بعد ذلك دوما بمحمد الفاتح.

أما في القسطنطينية من الداخل، فقد قرر الامبراطور الأخير (قسطنطين الحادي عشر باليولوج) أن يقاتل دفاعا عن ملك أباءه وأجداده، ورفض تسليم المدينة.

الروايات التاريخية القادمة من داخل القسطنطينية قبل سقوطها، كلها تتماشي مع حقيقة أن الشعوب في أوقات الكوارث تعتبر أي حدث نذير شؤم، وربما كانت مجرد حكايات شعبية تناقلتها الألسنة من مخيلات خصبة اخترعت تلك القصص بعد سقوط المدينة بالفعل.

لوحة تمثل الدخول التاريخي للسلطان محمد الفاتح القسطنطينية، ،LeongLT، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

فعلى سبيل المثال، يقال أن الجنود البيزنطيين وحلفاؤهم من البندقية وجنوة المدافعين عن القسطنطينية، شاهدوا خسوفا للقمر قبل المعركة بأسبوع.

حكاية أخرى عن سقوط تمثال للسيدة العذراء مريم في مسيرة في شوارع المدينة، ذات هذه المسيرة، ضربتها عاصفة رعدية اضطرت المشاركين فيها لوقفها.

خارج القسطنطينية، كان العثمانيين أبعد ما يكونون عن النذور السيئة، ويصنعون واقعهم بالسيف، فمع مطلع أبريل ١٤٥٣، كانوا قد أتموا الاستيلاء السريع على المستوطنات الساحلية البيزنطية على طول البحر الأسود وبحر مرمرة، وتجمعت الأفواج العثمانية في روميليا والأناضول خارج العاصمة البيزنطية. كما انتقل أسطولهم من جاليبولي إلى ديبلوكيونيون القريبة، وانطلق السلطان محمد الفاتح وهو يومها ابن الحادية والعشرين من عمره، انطلق بنفسه لقيادة جيشه.

وعند نفس السور الذي صد الكثير من قبلهم ممن حاولوا اختراقه، من المسلمين وغيرهم مثل الفرس والروس والبلغاريين، والذي كان يمثل الأمل الوحيد لبقاء الإمبراطورية وصمودها، عند نفس السور، وضعت كلمة النهاية للإمبراطورية البيزنطية المتضائلة عندما اخترق العثمانيون سور القسطنطينية القديم بعد محاصرة المدينة لمدة ٥٥ يومًا.

خلال تلك المدة، وبقوته العسكرية التي تكونت من ٢٦٥ ألف مقاتل، ومعهم ٣٥٠ سفينة حربية، انبنت خطة محمد الفاتح على محاصرة القسطنطينية من البر والبحر في آن واحد، مع الحفاظ وبشكل مستمر على وابل مستمر من نيران المدفعية العثمانية يدك أسوار المدينة الهائلة.

وبدأ حصار القسطنطينية في يوم الجمعة ١٢ رمضان لعام ٨٠٥ ه‍ ، الموافق ٥ أبريل ١٤٥٣ م.

القصف المدفعي بالتحديد يعتقد أنه بدأ منذ اليوم الخامس عشر للحصار، ما يجعل مدة قصف المدفعية العثمانية لجدران القسطنطينية العظيمة، قد استمر على مدار أربعين يومًا.

هذا القصف المدفعي كان أيضاً أحد أهم أسباب فتح القسطنطينية، فأسوار المدينة العظيمة، صمدت من قبل أمام المحاولات التقليدية لاختراقها، لكن الجديد هذه المرة كان المدافع والتي كان لها قوة تدميرية كبيرة سهلت من مهمة فتح الثغرات فيها.

في تاريخ الحرب، كان هذا منعطفًا فاصلاً. فلقد ثبت أن البارود يمكن أن يسقط أقوى الجدران بما يكفي للسماح للمهاجمين بالدخول.

لوحة لحصار القسطنطينية، القتال شديد كما يبدو، وفي يمين الصورة يظهر كلمة السر، المدافع التي حسمت المعركة لصالح العثمانيين، صورة من معروضات متحف إسطنبول العسكري.

كما أثبتت المدافع العثمانية التي أسقطت القسطنطينية، أنه قد انتهى عصر الجنود غير المتحركين، الذين يرتدون ملابس حديدية ويدافعون عن الحصون الحجرية الكبيرة.

لكن وبدون نقاش، فإن أمضي هذه المدافع ، كان ماعرف باسم المدفع السلطاني، والذي تشير بعض المصادر العثمانية أنه كان يحتاج لما يزيد عن ٣٠٠ ثور لجره، وكانت القذيفة الواحدة من قذائفه تصل إلي ١٦٠٠ رطل، فهذا المدفع وبخلاف قوته التدميرية والنيرانية الهائلة، سبب أثرا نفسيا هائلا في نفوس المدافعين عن القسطنطينية.

وللمفارقة أن المدفع السلطاني بالذات لم يكن من تصميم عثماني، بل كان من تصميم مهندس مجري يسمي (أوربان)، كان محبوسا في أحد أسوار القسطنطينية، فهربه العثمانيين للسلطان محمد الفاتح الذي أحسن إليه، فصمم له هذا المدفع، وفي هذا درس لكل الدول، كل الدول التي تتخلى عن مبدعيها، فيتلقفهم آخرون، فيكون في هذا هلاكها، فالقسطنطينية كان بداخلها أحد أهم المساهمين في سقوطها، بدلا من أن يكون أحد المسؤولين عن الدفاع عنها.

هذا المدفع تم نقله من أدرنة، عاصمة العثمانيين قبل سقوط القسطنطينية وانتقالهم إليها، ووصل إلي ضواحي القسطنطينية في نهاية شهر مارس، أي قبل بدء الحصار بعدة أيام فحسب.

لكن ومن المؤكد أن المدينة لم تستسلم، وتقرر المصادر الغربية أن الامبراطور البيزنطي الاخير قسطنطين الحادي عشر، وعند مطلع ليل الليلة السابقة لسقوط المدينة (أي ليل ٢٨ مايو)، قام فخطب في جنوده ورعاياه، ودعاهم للموت من أجل الإيمان والأسرة والوطن والسيادة، وبرغم الخلاف المرير بين الكاثوليك والأرذوكس، فقد إقيم قداس مسائي جمع بينهما في آيا صوفيا، أعظم كنيسة في العالم المسيحي الشرقي، التي كانت تتهيأ لتصبح مسجدا فقط منذ اليوم التالي ٢٩ مايو، اليوم الذي سقطت فيه القسطنطينية.

في الساعات الأولى من اليوم التالي، بدأ الهجوم الأخير بضوضاء تصم الآذان من الأبواق والطبول وصرخات الحرب. انسحب المتطوعين القادمين من جنوة إلى البحر بعد إصابة قائدهم. في النهاية، وصلت عشرات السفن اليونانية والإيطالية، حملت باللاجئين المذعورين إلى عرض البحر، وتركت المدينة للعثمانيين الذين دخلوها أخيراً.

ما بعد سقوط القسطنطينية:

شكل سقوط القسطنطينية حدثا مدويا تاريخيا واستراتيجيا، كما كان بمثابة صدمة مريرة للعالم المسيحي الغربي.

فقدت أوروبا مركز انطلاقها لشن الهجمات ضد بلاد الشرق، بل الأكثر من ذلك، أن القسطنطينية، وكما كانت رأس حربة أوروبا، كانت في الوقت نفسه، المدافع رقم واحد عنها، فما سقطت القسطنطينية، حتى استطاع العثمانيين التوغل في شرق أوروبا، بل وواصلوا تقدمهم بعد ذلك إلي قلب القارة الأوروبية.

كما مثل سقوط القسطنطينية سببا أكثر من كافيا ليتشاجر ملوك أوروبا مع بعضهم بعضا، ويلوم كل منهم الآخر، بأنه قد أهمل القسطنطينية في محنتها، ولم يتم إرسال مساعدة تذكر لها تعينها على الصمود في مواجهة العثمانيين.

أسوار القسطنطينية العظيمة وقد أصابها الكثير من الدمار بفعل قذائف المدفعية العثمانية التي لم تنقطع لمدة أربعين يومًا، في حين يظهر قتال ببن الجنود المدافعين عن المدينة والمهاجمين، dmytrok، (CC BY-ND 2.0)، via Flickr.


وبرغم أن ملوك أوروبا أصلا كانوا يريدون للإمبراطورية البيزنطية الفناء بسبب إتباعها المسيحية الأرثوذكسية، وليس المسيحية الكاثوليكية، فإنهم بكل تأكيد لم يكونوا يريدون لها السقوط في قبضة العثمانيين.

لذا، فلربما كانت تلك الحالة ذاتها سببا تركيز ملوك غرب أوروبا بالذات على شن حملاتهم ضد المسلمين في الأندلس كمحاولة لتعويض سقوط القسطنطينية.

وعلى الصعيد الثقافي ، فقد تغير اسم المدينة، فمنذ ذلك التاريخ، تغير اسم المدينة ليتحول من القسطنطينية إلي إسطنبول، وكانت تنطق (إسلامبول) وتعني في اللغة التركية الإسلام الكثير.

كما تحولت آيا صوفيا والتي ظلت كاتدارئية لمدة ألف عام ومقراً للكنيسة الارثوذكسية الشرقية لتسعة قرون، تحولت إلى مسجد، وأدى به السلطان محمد الثاني (المعروف باسم محمد الفاتح) أول صلاة جمعة بعد دخوله المدينة وكان ذلك في الفاتح من يونيو/حزيران من العام ذاته، مُصدرا أوامر بتغطية الرسوم والنقوش المسيحية، وسمي باسم (الجامع الكبير).

تدريجيا، تحولت القسطنطينية خصوصا، والأناضول عموما من أرض مسيحية بيزنطية إلى أرض إسلامية يهيمن عليها الأتراك، لتصبح في النهاية الإمبراطورية العثمانية التي ستستمر منذ ذلك الوقت حتى هزيمتها وكتابة حكم الهزيمة عليها هي أيضا ، لكن في الحرب العالمية الأولى.

ثقافيا أيضا، ولأن تاريخ سقوط القسطنطينية في ٢٩ مايو سنة ١٤٥٣، كان يوافق يوم ((الثلاثاء))، لايزال الشعب اليوناني حتى اليوم لايتفائل بهذا اليوم، ويعتبرونه مرادفا لسوء الطالع.

فبالنسبة لليونانيين، كان سقوط القسطنطينية يعني نهاية حضارة بيزنطة، وأدى إلى هجرة العلماء اليونانيين، مما حفز التوسع الهائل للدراسات اليونانية في عصر النهضة الأوروبية.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-