زدني معرفة

صربيا تعقد صفقات أسلحة هائلة.. ومخاوف من اشتعال البلقان مجددا

تمر صربيا حاليا بحالة من الفوران في شراء الأسلحة، لتبدأ بذلك سباق تسلح في البلقان، بحسب تقرير نشرته مجلة ذي إيكونوميست The Economist البريطانية.

قوات من الجيش الصربي في استعراض عسكري في مطار "العقيد الطيار ميلينكو بافلوفيتش" العسكري، Srđan Popović، (CC BY-SA 4.0)، via Wikimedia commons. 


المجلة أضافت أن الدول المجاورة لصربيا لا تشعر بالراحة إزاء ذلك، خصوصا مع التاريخ العدواني لصربيا في الحرب التي اندلعت عقب تفكك يوغسلافيا السابقة في مطلع تسعينيات القرن العشرين.


مثل طائر الفينيق ينهض:


افتتاحية تقرير المجلة البريطانية الشهيرة لم تكن مطمئنة.

كانت البداية مع الرئيس الصربي "ألكسندر فوتشيتش" الذي قال لمراسل الإيكونوميست: (تعال معي)، وتابع "الآن سترى ابتسامة ترتسم على وجهي".

ومن شرفة مبني الرئاسة في بلغراد ، أشار إلي ناطحات السحاب التي شيدت في عاصمة الصرب، وقال بنبرة الانتصار: ((مثل طائر الفينيق ينهض من تحت الرماد)).

هذه النبرة تشعر بها الدول التي استقلت عن جمهورية يوغسلافيا السابقة، وتثير القلق من أن الجيش الصربي الذي أحال البلقان جحيما ذات يوم، ينهض من تحت الانقاض.

هذه النبرة، وهذه النزعة، عن نهضة الصرب من جديد، بحلمهم القديم بإنشاء جمهورية صربيا الكبرى، والتي لن تتحقق إلا بالقتال والنار والدم، يثير الخشية من تجدد أكبر مذابح شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، مثل مذبحة سريبرينيتشا ضد مسلمي البوشناق، كما يثير التساؤلات عن مدى اختلاف الساسة والقادة الصرب الموجودين اليوم، عن مجرم مثل رادوفان كاراديتش.. جزار حرب البوسنة.. الذي تحول من طبيب نفسي وشاعر إلي مجرم حرب.


نزاع لوحات السيارات:


أمور بسيطة تحدث قد تكون مؤشرات عن مدى استعداد الوضع للتفجر في أي لحظة.

ففي سبتمبر ٢٠٢١، استعرضت صربيا عضلاتها على جارتها الصغيرة كوسوفو.

نزاع حدث بسبب "لوحات السيارات" ، عندما قررت حكومة كوسوفو نزع لوحات السيارات التي تدخل من صربيا إلي أراضيها، وتركيب لوحات مؤقتة بدلا منها، وذلك كنوع من "المعاملة بالمثل" إذ تقوم الشرطة الصربية بنفس الشئ مع السيارات القادمة إليها من كوسوفو.

الأمر أكثر تعقيدا من هذا، فصربيا لا تزال غير معترفة بكوسوفو كدولة مستقلة أصلا (وتراها أقليم تابع لها وأن الحدود بينهما "إدارية) ، لذا فمسألة نزع اللوحات هنا مسألة تتعلق بالسيادة.

منازل قرية مسلمة مدمرة على يد الجيش الصربي، ويبدو في الخلفية مأذنة مسجد مدمرة، ١٥ يونيو ١٩٩٩، amarcord69، (CC BY 2.0)، via Wikimedia commons. 


لا تزال صربيا تعرقل عضوية كوسوفو في الأمم المتحدة، برغم أن سلطات العاصمة الكوسوفية (بريشتينا) حصلت على اعتراف ١١٠ دولة من أعضاء الأمم المتحدة باستقلالها.

وكانت صربيا قد شنت حربا دامية أخرى بخلاف حربها ضد البوسنة والهرسك، كانت ضد كوسوفو، وأسفرت عن مقتل ١٣ ألف شخص معظمهم من المسلمين الألبان، وتوقف الجيش الصربي حينها على وقع ضربات تحالف دولي.

عندما حدثت أزمة لوحات السيارات تلك، حلقت الطائرات الحربية الصربية بالقرب من الحدود مع كوسوفو، وحشدت بلغراد مدرعات على الحدود كذلك، فيما بدا حينها رسالة استعراض قوة وتهديد واضحة.


تراكم القوة:


بين عامي ٢٠١٥ و ٢٠٢١، قفز الإنفاق الدفاعي لصربيا ليزيد بنحو ٧٠٪ويصل إلى ١،٤ مليار دولار سنويًا.

أعطتها روسيا حليفها التاريخي وبيلاروسيا التي تدور في فلكها عشر طائرات من طراز ميج-٢٩. وزادتها روسيا ٣٠ دبابة وناقلة جند مدرعة، كما عقدت معها صفقة سلمتها بموجبها نظام للدفاع الجوي.

من ضمن فاتورة مشتريات صربيا العسكرية أيضا طائرات صينية بدون طيار UAV مسلحة، وطائرات هيلكوبتر روسية، ونظام صواريخ دفاع جوي فرنسي الصنع.

كما أعلن وزير الدفاع الصربي في شهر أكتوبر عام ٢٠٢١ أن صربيا دخلت مفاوضات لشراء طائرات نقل وطائرات هليكوبتر من شركة إيرباص الأوروبية.

تراكم القوة استمر مع ورود أنباء في سبتمبر ٢٠٢١، تفيد بأن صربيا دخلت في مفاوضات مع إسرائيل لشراء صواريخ مضادة للدروع يرجح كونها من طراز سبايك.

هناك أيضا الطائرات التركية بدون طيار، التي استُخدمت وأحدثت تأثيرات مدمرة في هزيمة القوات الأرمينية العام قبل الماضي في الحرب التي دارت على أقليم (ناغورنو كاراباخ) وانتهت بانتصار أذربيجان.

علاوة على كل ذلك، بدأت المصانع الحربية الصربية تنتج أسلحة من طرازات جديدة ومتطورة، بدلا من إنتاج النماذج القديمة التي ورثتها عن الحقبة اليوغسلافية.

هذا الفوران في شراء الأسلحة، يأتي بعدما تلاشت قوة الصرب العسكرية في أعقاب النزاع الدموي في التسعينات، والذي سعي فيه الصرب لتحقيق حلمهم بتكوين صربيا الكبرى.

لكن مع العام ٢٠١٤، قررت الحكومة الصربية البدأ في عملية إعادة تسليح للجيش.


حرب تقليدية جديدة:

قاعدة عسكرية في بيرفالن أثناء احتلال القوات الروسية لشبه جزيرة القرم، Anton Holoborodko، (CC BY-SA 3.0)، via Wikimedia commons. 


لقد أظهر التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا والذي انتهي بضم شبه جزيرة القرم للاتحاد الروسي، وإنشاء جمهوريات صغيرة للغاية شرق أوكرانيا تدين بالولاء لموسكو، أظهر أن عصر الحروب التقليدية لم ينتهي في أوروبا.

في ذات العام (٢٠١٤) أظهرت الطبيعة للصرب شيئا هاما، لقد وقعت فيضانات عارمة في كامل البلقان، وسجلت أمطار كانت الأعنف منذ بدأ تسجيل كميات الأمطار قبل ١٢٠ عاما، حينها تدهورت الأمور لدرجة أن الجيش الصربي دفع بالمدرعات البرمائية في محاولة لإنقاذ العالقين في هذه القرية أو تلك المدينة.

في تقرير مجلة "ذي إيكونوميست" يقول دانييل سانتر من شبكة البلقان الأمنية ، وهي مؤسسة فكرية، أن هذه الفيضانات كانت بمثابة "جرس إنذار"، كشف لقادة الجيش الصربي افتقار قواتهم إلي مروحيات البحث والانقاذ search-and-rescue، إنها حيوية في المعارك في مهام نقل الجرحي وإنقاذ أي طيار ذو حظ عثر سقطت طائرته بالقرب من مواقع العدو.

في العام التالي (٢٠١٥) حاول المنافس الثالث في البلقان وهي "كرواتيا" (البلقان بها الصرب وهم من المسيحيين الأرذوكس، والألبان والبوشناق وهم من المسلمين، والكروات وهم من المسيحيين الكاثوليك)، حاول الكرواتيين حينها إعادة تسليح جيشهم مجددا.

ففي ذلك الوقت، طلبوا من أمريكا تزويدهم بصواريخ يمكن أن تصل إذا تم إطلاقها على صربيا إلى عمق البلاد.


الدولة و الجيش الحديث:


الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، يحاجج مدافعا عن شهية بلاده المفتوحة تجاه التسلح، بأن الدول الحديثة تحتاج إلي جيوش حديثة.

ويضيف أنه صحيح أن صربيا تنفق بالقيمة المطلقة أكثر من ذي قبل، لكن إنفاقها الدفاعي كحصة من الناتج المحلي الإجمالي قد يحوم حول ٢٪ منذ عام ٢٠٠٥، بحسب الرئيس الصربي. (من الغريب الاستشهاد بمعدل انفاق على مدار ١٧ سنة، في حين يدور الحديث عن أن الانفاق يتزايد آخر عامين بالتحديد).

ويقول فوتشيتش، أنه إذا ما قورن إنفاق بلاده الدفاعي مع دول مثل بلغاريا أو المجر أو رومانيا، فإنه مبلغ زهيد.

لكن هذه المقارنة أيضا تبدو مستغربة، ذلك لأن الصرب لم يكونوا في حالة حرب مع بلغاريا أو المجر أو رومانيا في التسعينيات، إنهم كانوا يحاربون البوسنة والهرسك، وألبانيا، وكرواتيا، وهذه الدول حتى الآن إذا نظرنا إلي ميزانياتها الدفاعية سنجد أنها أقل من الميزانية الصربية.

بل إن ميزانية الانفاق العسكري الصربية تتجاوز ميزانيات ألبانيا والبوسنة والجبل الأسود وكوسوفو ومقدونيا الشمالية مجتمعين، كما أنها تنفق أكثر من كرواتيا التي قررت مؤخرا طائرات فرنسية لاستعادة قدرتها الجوية شبه المعدومة.

مقاتلة ميج-٢١ كرواتية، تعد هذه المقاتلة من الطرازات القديمة والتي لا تصلح للقتال في الحرب الجوية الحديثة، تريد كرواتيا تحديث أسطولها بمقاتلات الرافال الفرنسية، Dtom، (CC BY-SA 3.0)، via Wikimedia commons. 


والحقيقة أنه إذا كانت صربيا تقوم فقط بتحديث قواتها المسلحة ، فلن يمانع أحد، لكن ما يحدث حاليا أننا نسير في سياق يطلق الكثير من الإنذارات.

هذا التسلح الصربي، يبدو أنه يشجع صرب البوسنة على إثارة الصداع، فالبوسنة التي تحكمها (اتفاقية دايتون) التي أنهت حرب الصرب المسعورة في التسعينات، والتي تنص على وجود مجلس رئاسي ثلاثي (واحد من البوشناق، وواحد من الصرب، وواحد من الكروات)، تشهد حاليا اضطرابًا سياسيًا مرة أخرى.

زعيم الصرب في البوسنة (ميلوراد دوديك) المتهم بزعزعة الاستقرار و يرغب في طرد مؤسسات الدولة الموحدة كالقضاء من الجزء الصربي منها، لدرجة أن فرضت عليه الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات مطلع يناير ٢٠٢٢، كان لميلوراد دوديك تصريحات شهيرة في ١٤ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢١ قال فيها أنه إذا ما قرر الصرب في البوسنة الانفصال عن البوسنة والهرسك، وتبع هذا ما يسميه (أعمال عنف) -بينما مسماه الصحيح محاولة الدولة الشرعية الحفاظ على نفسها موحدة- ففي هذه الحالة سيتدخل الجيش الروسي.

إذا كنت تعيش في مناطق جمهورية صرب البوسنة، وهي الكيان الذي يعيش فيه الصرب داخل البوسنة والهرسك، ستلاحظ كل صباح أن الصحف القومية الصربية والتي تسيطر عليها الحكومة تتحدث بشكل مستمر عن أن الحرب مع ألبان كوسوفو أو الكروات باتت وشيكة.

في أكتوبر ٢٠٢١ أيضا، وعقب اشتباك بين صرب كوسوفو، والشرطة في كوسوفو، ذهب خيال الصحف الصربية للقول بأن قوات "جورخا" وهي قوات خاصة بريطانية، تواجدت في أحداث العنف تلك.


صربيا الكبرى:


الحديث عن مشروع كيان صربيا الكبري عاد للواجهة من جديد، إنه حلم إنشاء دولة موحدة تضم كل الأراضي التي يعيش عليها الصرب، سواء كانوا أغلبية فيها أو مجرد اقلية لا تذكر.

عاد القوميون الصرب للحديث مجددا، وهذه المرة أصبح الحديث علنيا، حتى على لسان مسؤوليهم، ومنهم وزير الداخلية الصربي الذي تحدث عن إنشاء "عالم صربي" “Serbian World”.

صربيا الكبري تعني إشعال برميل البترول في البلقان بحرب من جديد، إذ ستعني أن الصرب سيحاولون ابتلاع كوسوفو و الجبل الأسود و البوسنة والهرسك.

برغم هذا، يرفض الرئيس الصربي فوسيتش الحديث عن ذلك، ويعتبرها مجرد "دعاية". قائلا إن كل جيران بلاده يعرفون أن إعادة التسلح الصربية "ليست ضدهم".

كما يقول فوك فوكسانوفيتش ، الباحث في مركز بلغراد للسياسات الأمنية في صربيا، إن الأهمية الحقيقية لإعادة تسليح البلاد هي سياسية وليست عسكرية. وذلك لأن صفقات الأسلحة المبهرجة تثير إعجاب أنصار فوتشيك ، الذين يميلون إلى إعطاء القوات المسلحة احترامًا كبيرًا.


الناتو بالجوار:


لعل ما يجعل الصرب يفكرون أكثر من مرة قبل إرسال جنودهم للقتال ضد جيرانهم، أن صربيا محاطة فعليا بدول من الأعضاء في حلف شمال الأطلسي NATO، التحالف العسكري الأقوى عالميا، والذي قد يمثل الدرع لحماية جيرانها الصغار.

في الواقع ، تتمتع صربيا بعلاقات ممتازة (وإن كانت سرية) مع الناتو ، وتقوم أمريكا بتدريب القوات الصربية.

يري الصرب إن امتلاك جيش قوي يعني أن القوى العظمى تعاملك باحترام. وأنه سيحميهم إذا انهار الوضع الإقليمي الراهن (برغم أن تصرفات الصرب هي الام الشرعي للاحتقان في البلقان) وسيمكنهم من إلحاق الضرر بخصومهم المفترضين. 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -