زدني معرفة

رادوفان كاراديتش.. جزار حرب البوسنة.. كيف يتحول طبيب نفسي وشاعر إلي مجرم حرب

 كانت يوغسلافيا دولة قوية، تقع في جنوب القارة الأوروبية، تحكمها منظومة حكم راسخة، تضع تحتها عددا من القوميات في منظومة عيش مشترك واحدة، لكن وفجأة ومع مطلع التسعينيات، تبدل كل شيء.

رادوفان كاراديتش، صورة بعدسة المصور الروسي ميخائيل يفستافييف. 

لكن لنعود إلي الوراء قليلا.. إلي العام ١٩٤٥ في بلدة سافنيك في الجبل الأسود، حيث سيولد رادوفان كاراديتش.

طلع فاسد:
ولد رادوفان كاراديتش لأب متعصب، عضوا في حركة (الشيتنيك) إنها حركة شيوعية قومية صربية قاتلت ضد المسلمين مطلع القرن العشرين، وفي الحرب العالمية الثانية وعندما تعاون معها الكرواتيين أيضا لمقاومة قوات الغزو الألماني، لم يثنيهم ذلك الكفاح الوطني عن ارتكاب فظائع ضد المدنيين.

جوزيف تيتو، الزعيم التاريخي ليوغسلافيا. 

فيما بعد، سيصبح جوزيف تيتو، قائد تلك الحركة، زعيما ليوغسلافيا التاريخي علي مدار عقود.

الطبيب:
لكنك، ولوهلة من الزمن، ستظن أن الفتي رادوفان كاراديتش، سيختلف عن والده، خصوصا أن والده ذاق مرارة السجن. ورأينا ابنه يسير في طريق يبدو مختلفا في الوهلة الأولى، إذ اهتم بدراسته وتفوق بها حتى نجح في الالتحاق بكلية الطب.

رادوفان كاراديتش، صورة عام ١٩٧١، غير معروف المصور، وزاوية التصوير تثير الاستغراب. 

وازيدك من الشعر بيتا، أنه تخصص في الطب النفسي، ذلك الفرع من علم الطب المشغول بمعالجة هموم الناس وأمراضهم النفسية، بل إنه انطلق نحو ما هو أكثر، لقد كتب الشعر والكتب للأطفال، كان رادوفان علي ما يبدو في مسار مختلف تماما عن والده.

خلف القناع:
لكنك تلمح هنا أيضا، وبالتحديد سنة ١٩٨٥، ما قد ينبأك بأن هذه الصورة الوردية للرجل غير صحيحة. إذ تبين أنه محتال، لقد عوقب وقتها بالسجن لمدة أحد عشر شهرا، والتهمة الاحتيال باستخدام أموال الدولة.

صورته وهو مقبوض عليه 

ربما لم يختلف الأبن عن الأب إذن، فلقد قادته أفعاله للسجن كوالده، وإن كان الأب قد دخله بسبب اجرام من هذا النوع المتعلق بالقتل والقتال، فإن الأبن سيفعل لكن بعد حين، وحينها سينكشف قناعه تماما.

السياسة:
بدأ "رادوفان كاراديتش" في العام ١٩٩٠ ممارسة السياسة بشكل بارز.

ففي تلك الأجواء التي كانت الشيوعية تجمع حقائبها وترحل، أجواء سقوط جدار برلين انهيار الاتحاد السوفيتي، في ذلك الجو، كانت يوغسلافيا الكبيرة بدورها، تستعد للانقسام.

كانت يوغسلافيا تتشكل أساسا من عدد من القوميات المختلفة، نركز من بينها علي ثلاث قوميات شكلوا القوميات الأهم في منطقة البوسنة، هم مسلمي البوسنة، ومعهم الصرب والكروات.

في هذه الأجواء الملبدة بالغيوم، ساعد رادوفان كاراديتش علي تأسيس الحزب الديمقراطي الصربي، الذي كان هدفه الرئيسي هو إحباط الأحزاب الكرواتية في البوسنة. وتولي بنفسه منصب رئيس الحزب.

رئيسا:
مع حلول العام ١٩٩٢، أصبح كاراديتش رئيسا للجمهورية الصربية البوسنية التي اقيمت علي أنقاض يوغسلافيا، وتحالفت هذه الجمهورية الوليدة مع عدد من المناطق من بقايا يوغسلافيا كذلك.

لكن بقي المسلمين المتركزين في البوسنة والهرسك بعيدين عن هذه الجمهورية الوليدة، بل بالعكس، لقد اعلنوا استقلالهم وقيام جمهورية البوسنة، برئاسة الرئيس علي عزت بيجوفيتش.

زعيم صرب البوسنة السابق رادوفان كاراجيتش (يمين) مع القائد راتكو ملاديتش في عام ١٩٩٥ خلال الحرب ضد البوشناق وهم مسلمي البوسنة، صورة من رويترز. 

وكان ذلك شرارة انطلاق عمليات الصرب العسكرية ضدهم.

المجزرة الكبرى:
بدعم من الرئيس الصربي الذي ورث جمهورية يوغسلافيا، سلوبودان ميلوسيفيتش والقائد العسكري للصرب داخل البوسنة الجنرال راتكو ملاديتش. بدأ كاراديتش كرئيس للجمهورية الصربية البوسنية حملته ليس فقط للسيطرة علي أجزاء واسعة، ولما لا كل البوسنة، بل لتطهير هذه المناطق من أي تواجد من غير الصرب، في حملة تطهير عرقي بشعة، شملت محو مدن وقرى كاملة من الوجود. 

ليس هذا فحسب بل إن الصرب وتحت قيادة الطبيب الشاعر اعتدوا علي النساء المسلمات بالاغتصاب، وأجبروهن علي الحمل ليستخدموهن كوعاء لأولادهم ويزيد عدد الصرب، عبر هذه الجريمة التي يندي لها جبين التاريخ بل والشرف الإنساني كله. 


جنود صرب يركضون للاحتماء أثناء عملية بالقرب من بلدة برتشكو شمال البوسنة، حيث قاومهم المسلمين هناك بأسلحة فردية، على الممر الذي يربط شمال البوسنة بصربيا ، ٢٣ مايو ١٩٩٣. (صورة من رويترز)

كان الهدف الصربي من تلك الحرب السيطرة علي ما يشكل نسبة ٦٥٪ من مساحة يوغسلافيا، رغم كون القومية الصربية لم تكن تمثل سوي ٣٣٪ فحسب من القوميات التي تشكلت منها يوغسلافيا قبل سقوطها. ولما لا إذا سارت الأمور كما يريدون، إنشاء ما يعرف باسم صربيا الكبرى. 

لقد هاجم الصرب كل شيء، وحتى عندما اعلنوا وقفا لاطلاق النار بعد شهر ونصف من انطلاق المعارك، وحينها كانوا قد وصلوا إلي داخل بعض شوارع العاصمة سراييفو نفسها، لم يلتزموا به، وواصلوا هجومهم الضاري بلا هوادة.

صورة تبين جزء بسيط من صعوبة الأحوال التي مر بها البوشناق المسلمين، جندي بوسني مسلم يرد بإطلاق النار في وسط مدينة سراييفو بينما يتعرض هو والمدنيون لإطلاق النار من القناصة الصرب ، أبريل / نيسان ١٩٩٢. تصوير: مايك بيرسون / وكالة الصحافة الفرنسية / صور غيتي. 

ومن أبريل حتى يوليو ١٩٩٢، أكد وزير الخارجية البوسني وقتها "حارث سيلاديتش" أن ٥٠ ألف بوسني قد تم قتلهم علي يد الصرب.

وقد ساعد التفوق العسكري للصرب علي البوسنة في ارتكابهم تلك الجرائم، وتحقيق ذلك التوسع العسكري الكبير، وزاد من هذا التفوق ان حظر التسليح الذي فرضته الأمم المتحدة، كان واقعيا مفروضا علي المسلمين فحسب، بينما تمكن الصرب دوما من الحصول علي السلاح والامدادات.

وبينما كانت تدور المعارك ضد المسلمين في سبع مناطق رئيسية تقريبا، كان ٣٠٠ ألف معظمهم من المسلمين في العاصمة سراييفو، محاطين بالاشتباكات، وبقطع الطعام والماء والكهرباء، ووسط عجز الأمم المتحدة عن المساعدة، مات الناس جوعى.

نساء مسلمات يركضن للنجاة بحياتهن عبر "ممر القناصة"، تحت أنظار المسلحين الصرب أثناء حصار سراييفو. صورة التقطت عام ١٩٩٢. تصوير: توم ستودارت / صور جيتي.

وزادت حدة الأمور علي المسلمين. حينما انقلب الكروات عليهم، فلم يكتفوا بأخذ نسبة من المساعدات الغذائية أو الأسلحة التي كانت ترسل للمسلمين في بداية الأمر، بل انضموا للصرب، رغم العداء الشديد بين الطرفين، إلا إنهما اتفقا علي التوحد لمنع قيام دولة مسلمة بالكامل في البوسنة والهرسك. وقاتل الكروات أيضا ضد المسلمين في البوسنة.

ورغم كل ذلك، فإن مسلمي البوسنة بقيادة الرئيس علي عزت بيجوفيتش، خاضوا قتالا مشرفا ضد الصرب، ونجحوا في الانتصار في العديد من المناسبات، رغم ضائلة قوتهم العسكرية مقارنة بما لدي الصرب من سلاح طيران ودبابات ومدفعية ثقيلة.

عرف عن الرئيس علي عزت بيجوفيتش التدين، والتواضع، كما كان مقاتلا صلبا، وخاض حربا غير متكافئة بشرف وحكمة، له عدد من المؤلفات مثل الإسلام بين الشرق والغرب، وهروبي إلي الحرية. 

كاراديتش كان يؤجج دوما الصراع، لا يقبل بالانسحاب من المواقع التي سيطر عليها الصرب داخل البوسنة، رغم انها أرض عرقية البوشناق المسلمة التي كانوا يعيشون فيها، وتركوها ببطش القوة وإرهاب السلاح، وكان يربط دوما بين السلام وبين السيطرة علي هذه الأرض، ويزهو دوما بقوة جيشه التي تضمن انه مع موت صربي واحد، فإنهم يقتلون أمامه خمسين من البوشناق المسلمين. ولك أن تعلم عزيزي القارئ أن مصطلح "التطهير العرقي" ظهر بقوة في الادبيات القانونية عالميا بعد هذه الحرب ونتيجة لها، فكان ابنا لما فعله رادوفان كاراديتش وقواته.

اتهامات أوقفت الحرب:
في ٢٥ يوليو/ تموز، ومرة أخرى في ١٦ نوفمبر / تشرين الثاني ١٩٩٥، وجهت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة التي تعرف اختصارا ب(ICTY)، والتي انعقدت وقتها  في لاهاي، لائحة اتهام ضد كاراديتش تضمنت ارتكابه جرائم من بينها الإبادة الجماعية والقتل والاغتصاب وإساءة معاملة المدنيين.

السيدة المسلمة ميجرا دجوجاز ، إحدى الناجيات من سريبرينيتشا ، تقبل شاهد قبر ابنها، صورة من صور غيتي

تم وصف ما جري علي يده وقواته بأبشع حالة إبادة جماعية ارتكبت في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في نهاية الأمر، وجد حلف شمال الأطلسي نفسه مضطرا للتدخل لوقف حمام الدم الذي انفتح بلا محبس، ولبعد إستراتيجي تمثل في أن روسيا كانت تمثل داعما هاما للصرب، فخشي الحلف وجود نظام تابع لموسكو في منطقة البلقان ذات الأهمية الإستراتيجية القصوى.

نتيجة لكل ذلك الضغط علي رادوفان كاراديتش، اضطر لتوقيع معاهدة "دايتون" التي نصت علي تقسيم البوسنة والهرسك إلى قسمين مستقلين - كيان كرواتي بوسني (اتحاد البوسنة والهرسك) وجمهورية صرب البوسنة (جمهورية صربسكا) - لكن برئاسة موحدة.


جثث الأشخاص الذين قُتلوا في أبريل / نيسان ١٩٩٣ حول فيتيس البوسنية، أثناء العدوان الصربي علي البوسنة.
. صورة من المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة 

كما نصت علي عدم جواز ترشيح أي متهم بجرائم حرب للانتخابات التي حددتها في ١٤ سبتمبر / أيلول ١٩٩٦، ما أفقده كل مناصبه في الحزب والحكومة، ورغم ان القوات البرية التي دفع بها حلف الناتو امتلكت سلطة اعتقاله، إلا انها لم تفعل ذلك.

ومنذ عام ١٩٩٧، بدأ رحلة اختباء وتخفي من المطاردات الدولية المستمرة له لتقديمه إلي المحاكمة، وعلي الرغم من كونه قد وضع علي سجلات مجرمي الحرم المطلوبين للعدالة، إلا أنه قد تمكن عام ٢٠٠٤ من نشر رواية بعنوان "سجلات الليل المعجزة".

المجرم حينما كان متنكرا، صورة من AFP. 

وعُثر عليه متخفٍ في بلغراد بعد ثلاثة عشر عاما من الهروب، كان يعيش خلالها باسم مستعار ويعمل بالطب البديل حيث اكتسب شهرة في هذا المجال، حتى أنه كان يكتب عمودا ثابتا في مجلة باسم "الحياة الصحية"، وقد تنكر خلالها بارتداء نظارة وإطلاق لحيته.

العقاب:
في العشرين من مارس عام ٢٠١٩، قضت محكمة الأمم المتحدة بزيادة عقوبة زعيم صرب البوسنة السابق ليصبح السجن المؤبد بدلا من الحكم السابق الذي كان يقضي بسجنه لمدة أربعين عاما. ليظل في السجن مدى حياته.


رادوفان كاراديتش في قاعة المحكمة خلال جلسة الاستئناف التي شددت فيها عقوبته، ٢٠ مارس ٢٠١٩، صورة من الأمم المتحدة. 



فقبل ذلك الحكم بثلاثة أعوام، وبالتحديد في العام ٢٠١٦، كانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة قد قضت بأن "رادوفان كاراديتش" ، قد ارتكب في التسعينيات جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، بما في ذلك التخطيط لمذبحة سريبرينيتشا سيئة السمعة عام ١٩٩٥ ، والتي قُتل خلالها ما بين ٧٠٠٠ و ٨٠٠٠ مسلم بوسني.

وصف القاضي التداعيات التي حدثت وقتها بأنها "مشاهد من الجحيم". كما تمت ادانة كاراديتش كذلك في جريمة حصار سراييفو التي امتدت ثلاثة سنوات، ومات بسببه ما يقدر بعشرة آلاف مدني من مسلمي البوسنة.

بعض المعلومات الواردة بالموضوع، تم الاعتماد فيها علي المصادر التالية:
-الموسوعة البريطانية.
-هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي عربي".
-موقع أخبار الأمم المتحدة.
-موسوعة مقاتل من الصحراء، لصاحب السمو الملكي الفريق اول ركن خالد بن سلطان بن عبد العزيز.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -