زدني معرفة

مذبحة سريبرينيتشا.. حينما قتل الصرب ٨ آلاف مسلم تحت أعين قوات الأمم المتحدة

 كان وقتا متأخرا من بعد ظهر يوم ١١ يوليو/تموز من عام ١٩٩٥.

في ذلك الوقت، وذلك التاريخ، كان جيش الصرب بقيادة مجرم الحرب الجنرال "راتكو ملاديتش" قد سيطر علي مدينة سريبرينيتشا شمال شرق البوسنة، حيث يقطن عشرات الآلاف من مسلمي البوسنة.


أرض الفضة:


 سريبرينيتشا، واسمها الاصلي "سريبرو"، وهي كلمة ذات أصول صربية كرواتية، تعني الفضة، كانت علي موعد في ذلك التاريخ مع واحدة من أفظع الجرائم في تاريخ البشرية.


المدينة التي تأسست في الأصل عام ١٣٨٧، كمركز للتعدين، نتيجة لوجود ترسبات غنية بمادتي الفضة والرصاص في الجبال المحيطة بها، لتتحول سريعا إلي مركز تجاري هام في القرن الخامس عشر، كانت علي موعد مع أسوء ما مرت به في تاريخها الممتد منذ قرون.


فبعد نصف قرن من المقولة الشهيرة "لن تتكرر ابدا" التي تناقلها العالم بأسره وهو يصف أهوال الهولوكوست أبان الحرب العالمية الثانية، وقعت مجزرة سريبرينيتشا، والتي ستصنف فيما بعد كأكبر إبادة جماعية تجري علي أرض أوروبا منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.


فعلي أرض الفضة، سالت دماء ٨ آلاف رجل وفتي من مسلمي البوشناق، وسط متابعة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والتي تشكلت من قوات تابعة للجيش الهولندي، وكانت يومها متمركزة في قرية "بوتوكاري" اللصيقة بالمدينة المنكوبة. 


امتدت قافلة طويلة من السيارات التابعة للأمم المتحدة لنقل المسلمين إلي سريبرينيتشا التي صنفت كمنطقة آمنة برعاية الأمم المتحدة، جاء المسلمين من أنحاء البوسنة أملا في الأمن، لكن الموت كان في انتظارهم هناك بعد مايزيد قليلا عن عامين، صورة في مارس ١٩٩٣، الصورة الأصلية من وكالة أسوشيتد برس / بعدسة ميشيل أويلر. 


شاهد الهولنديين من مواقعهم قوات الصرب تدخل المدينة، ولم يحركوا ساكنا، رغم أن المنطقة كانت وفقا للأمم المتحدة تصنف منذ عامين -تحديدا سنة ١٩٩٣- "منطقة آمنة"،  يمنع بها العمليات العسكرية.


لتبقي سريبرينيتشا عارا علي جبين من وقف يشاهد دون أن يتدخل للمنع، ولو كان العار أقل من درجة عار المنفذ، فإنه وإن غابت محاسبة المشاهد حتى يومنا هذا بشكل قانوني، فإن المحاسبة الاخلاقية لا مفر منها فيما بقي من تاريخ جنسنا البشري علي كوكب الأرض.


جرائم مركبة:


لكي يكتمل مشهد الفاجعة في سريبرينيتشا، نفذ الجنود الصرب بجانب المذبحة التي صنفت "إبادة جماعية"، جريمة أخرى هي "التهجير القسري" وهي ممارسة تتم بشكل ممنهج ومنظم من قبل حكومة أو جيش أو قوة شبه عسكرية أو مجموعة متعصبة ضد عرقية معينة من البشر، بهدف اجبارهم علي ترك مناطقهم.


وبالقتل وبالتهجير القسري معا، ارتفعت جريمة الصرب في سريبرينيتشا ضد مسلمي البوشناق لتتحول إلي "تطهير عرقي"، ويعني خلق منطقة معينة من الأرض تكون متجانسة من حيث عرق السكان الذين يعيشون عليها، فيكون عليها عرق واحد فقط من البشر، ويقتل الباقيين أو يجبرون علي مغادرتها.


لم تكن حرب الصرب ضد مسلمي البوشناق، عقب وفاة الرئيس (جوزيف تيتو) وما تبعه بعد ذلك بسنوات من انهيار لدولة يوغسلافيا العملاقة، ثم إعلان الصرب حربهم الضروس ضد مسلمي البوسنة من عرق البوشناق، حربا عاديا تهدف لانتصار طرف علي حساب الآخر، بل أراد الصرب بكل قوتهم أن يزيلوا البوشناق من علي وجه أرض البوسنة تماما، فإما أن يغادروها جميعا، أو يبقوا ليدفنوا فيها جميعا.


وكان مما يقوله الأستاذ الدكتور محمد مؤنس محب الدين، وهو أستاذ القانون الجنائي الدولي المصري، والذي درس في كلية الحقوق بجامعة المنوفية، كلية الشرطة المصرية، وأكاديمية نايف للعلوم الأمنية بالمملكة العربية السعودية، عن حرب البوسنة عموما، ومجزرة سريبرينيتشا خصوصا أنها قد بلغت درجة من البشاعة لم يسبق له مثيل، إلي الحد الذي دفع المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، لكي تتشدد في قواعد الاثبات وإجراءات المحاكمة، وتأخذ كل قرينة ودليل في عين الاعتبار، لتحاسب كل مجرم عما حدث، ولا يفلت من قبضتها أحد منهم.


في ذلك اليوم:


في ذلك اليوم، كانت الحرب تستعر، فمع انهدام يوغسلافيا السابقة، بدأ الصرب حربا ضروسا لا أخلاقية ضد المسلمين البوشناق، وبقي المكون الثالث للمجتمع (الكرواتيين) تتأرجح مواقفهم تارة ضد الصرب دفاعا عن أنفسهم منهم، وتارة معهم ضد المسلمين.


استغل الصرب الوضع العسكري الذي كان لا يقارن بينهم وبين المسلمين، إذ ورثوا عن يوغسلافيا جيشها العملاق، المدجج بكل أنواع الأسلحة المخصصة لقتال الجيوش، اعلنوا جمهورية (صربسكا)، وقرروا شن حربا ضد المسلمين البوشناق لطردهم من أرضهم، مستغلين كون البوشناق مدنيين، لا سلاح معهم. 



كان علي عزت بيجوفيتش رجلا استثنائيا، قاد شعبا في وقت تعرض فيه لخطر الفناء، وتواجد وسط الميدان مع المقاتلين، وهو في الوقت ذاته كاتب مخضرم، له العديد من الكتب التي ألفها من بينها الإسلام بين الشرق والغرب، ومذكراته الشخصية. 


من وسط تلك الكراهية والحرب الصربية الشعواء، يخرج الرئيس (علي عزت بيجوفيتش) رئيس الدولة الحديثة التي اعلنت عن نفسها للتو (البوسنة والهرسك)، ليقود البوشناق، ويخوض بشبابهم معارك بدأت كحرب عصابات، حتى بدأ في تكوين جيش منظم يدافع به عن مواطنيه، ويخوض معركة سياسية دولية حافلة، خصوصا مع فرض حظر التسلح علي البوشناق بقرار دولي استند علي مقولة أن حظر تسليح البوشناق سيمنع من تأجيج الصراع المسلح، فلم يتدخل المجتمع الدولي لردع الصرب، ولا هو ترك البوشناق يتسلحون للدفاع عن أنفسهم.


الأدهي من كل ذلك، أن المسلمين الذين كانوا يتعرضوا للتطهير العرقي والتنكيل بهم في باقي أرجاء يوغسلافيا السابقة، وجدوا في سريبرينيتشا ملاذا آمنا لهم.


فباعتبارها كما اعلن وقتها منطقة من ست مناطق آمنة تحت حماية الأمم المتحدة ذاتها، شد البوشناق رحالهم إليها، ليرتفع عددهم في سريبرينيتشا من ٩ آلاف قبل اندلاع القتال، إلي أكثر من ٤٠،٠٠٠ نفس يوم ارتكبت المذبحة.


يثير ذلك التساؤلات حول ما اذا كان تجميع المسلمين البوشناق في منطقة واحدة كان مخططا صربيا من الأساس، بحيث يسهل ذلك من القضاء عليهم؟.


المؤكد من التحقيقات التي أجريت بعد الحرب وافادت بأن الصرب كانوا يخططون منذ مارس ١٩٩٥، أي قبل المجزرة بأربعة أشهر علي الأقل لتنفيذها.



راتكو ملاديتش الأول من يسار الصورة، يتناول نخبا مع توم كاريمان، قائد قوات الأمم المتحدة الهولندية حول سريبرينيتشا، يتوسط الصورة الأصلية من وكالة ا ف ب. 


لكن الشكوك تتصاعد إلي حد مريب عندما ندقق فيما حدث قبل المجزرة، فبخلاف حظر السلاح علي البوشناق (البوسنة والهرسك)، فبرعاية الأمم المتحدة نفسها، تم سحب القوات البوسنية التي كانت تحيط بسريبرينيتشا قبل المجزرة وتحميها من الصرب، فلم يتبقى حول المدينة سوى ٣٧٠ جنديا هولنديا، لم يفعلوا شيئا.


لذا، كانت الفرصة سانحة أمام راتكو ملاديتش، الملقب وقتها بجزار البوسنة، والذي اشتهر بقوميته الصربية المسعورة، ليحقق حلمه بتطهير أرض يوغسلافيا من عرق المسلمين البوشناق.


١٠ أيام من الذبح:


لعشرة أيام متتالية (١١ : ٢٢ يوليو ١٩٩٥) استمرت مذبحة الصرب ضد البوشناق في سريبرينيتشا.


اشترك في الجريمة كل من قوات الجيش الصربي (جيش جمهورية صربسكا)، وميليشيات (العقارب)، وهي ميليشيا صربية اشتركت في القتال كجزء من وزارة الداخلية الصربية، واتهمت بجرائم حرب كانت سريبرينيتشا واحدة منها.


تبرير هولندي:


في العام ٢٠٠٥، التقت مجلة "دير شبيغل" الألمانية -وهي واحدة من أكبر الاصدارات الصحفية الأسبوعية في أوروبا، وموقعها الإلكتروني من أكثر مواقع أوروبا قراءة-، بجندي هولندي كان ضمن القوات الهولندية حول سريبرينيتشا في ذلك اليوم الدموي الحار من صيف العام ١٩٩٥.


الجندي "جيرالد فيرهاغ" كان ابن اربعة وعشرين عاما وقتها، يقول أنه ينبغي التوقف عن إلقاء المسئولية علي الجنود الهولنديين.. فوفقا لرأيه أنه لم يكن بمقدورهم فعل أي شيء لوقف القوات الصربية، إذ كانوا مجرد ٣٧٠ جنديا فقط، وأن حتى ثلاثة أضعاف هذا الرقم لم يكن بمقدوره فعل شيء.


لكن الجندي الهولندي لم يقدم تبريرا، حول عدم محاولتهم التقليل من حدة الإجرام الصربي، بدخول المدينة علي سبيل المثال، ومنع أي حادثة قتل يقدرون علي منعها بدون اشتباك مع الصرب. خصوصا أنهم قد نزلوا بالفعل للمدينة خلال وجود الصرب بداخلها.


المرأة المعلقة:

ووسط دوران رحي المجزرة تطحن ضحايا، وجدت صورة طريقها لتصدر أغلفة المجلات والصحف حول العالم.



الصورة من صحيفة الغارديان البريطانية في ذلك التاريخ. 


كانت لامرأة من البوشناق ترتدي تنورة بيضاء وسترة حمراء، تتدلي من شجرة في غابة خارج سريبرينيتشا، لقبت الصورة بلقب (المرأة المعلقة).


فمع المجزرة ضد الرجال، الشباب، الفتيان، وكل الذكور عموما، اتخذت المجزرة منحي آخر اندس في انعدام الأخلاق تماما، مع اندفاع جنود الصرب في اغتصاب السيدات.


تطور الأمر في حرب الصرب ضد البوشناق، فبينما ظل الاغتصاب عمل تمت ممارسته علي نطاق واسع بطول التاريخ وعرضه من بعض الجيوش المنتصرة ضد نساء المدينة أو الدولة المحتلة، فإن الصرب كانوا يحتفظون بالنساء من البوشناق لتكرار اغتصابهن حتى حدوث حمل.


بطريقة دنيئة، اراد الصرب تحويل السيدات المسلمات لأوعية، تحمل الأطفال لهم ثم يأخذونهم بعد الولادة، ما يرفع تعداد الصرب عبر أرحام المسلمات، لا توجد في قواميس لغات العالم عبارات تكفي لوصف هذه الجريمة.


ما بعد المجزرة:


كان لمجزرة سريبرينيتشا صدى عالميا هائلا، إذ كان العالم بأسره يقف مشدوها مما حدث، ووضع قادة الدول الغربية بالتحديد تحت ضغط شديد، خصوصا مع تعالي حدة الانتقادات، وتحميلهم مسئولية المجزرة، فلا هم سمحوا للمسلمين البوشناق بالتسلح والدفاع عن أنفسهم، ولا حمتهم الأمم المتحدة.


انخرط حلف شمال الأطلسي (ناتو) في سلسلة من الغارات الجوية ضد مواقع الجيش الصربي لاجبار قادة جمهورية صربسكا علي الدخول في معاهدة سلام ووقف الحرب.


لم يكن الرئيس علي عزت بيجوفيتش بدوره، ليسمح بتعرض شعبه لماساة جديدة من هذا النوع، لذا دخل المفاوضات. 



حفل توقيع الاتفاقية، صورة من وكالة أسوشيتد برس. 


وكدليل آخر علي أن العالم كان بمقدوره منع المجازر ضد المسلمين، اذا ما اراد منذ البداية عبر ردع الصرب بالقوة العسكرية، فقبل أن ينتهي العام تم توقيع "معاهدة دايتون" نسبة إلي مدينة دايتون في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث دارت مفاوضات دامت بين مطلع نوفمبر وحتى اليوم الخامس والعشرين منه.


بموجب المعاهدة تم تقسيم البوسنة إلي دولتين بنظام فيدرالي، الاولى هي فيدرالية البوسنة والهرسك وتضم المسلمين والكروات الذين كانوا يعيشون في البوسنة واعطي لهم ٥١٪ من البوسنة السابقة، بينما حصل الصرب علي جمهورية صرب البوسنة مع ٤٩٪ من مساحة البوسنة السابقة.


تحكم هذه الجمهورية الفريدة من نوعها بتكونها من جمهوريتين، بثلاثة رؤساء (مسلم وصربي وكرواتي)،
ويتناوب الأعضاء الثلاثة في مجلس الرئاسة على الرئاسة بمعدل مرتين مدة كل واحدة منهما ثمانية أشهر خلال العهدة الرئاسية المحددة بأربع سنوات.


ورغم تمتع الجمهوريتين بمعظم الصلاحيات في مسائلها الداخلية، نص الاتفاق علي وجود ممثل للقوى الدولية يمكنه التدخل في السياسات داخل البوسنة لضمان منع انزلاقها لحرب أهلية مجددا، ورغم تسمية الاتفاقية بدايتون، إلا أنها قد وقعت في العاصمة الفرنسية باريس.


محاكمات يوغسلافيا السابقة:


في فترة ما بعد الحرب، تشكلت محكمة جنائية خاصة بجرائمها، ومع فرار الكثير من المتورطين في جرائمها، ظل الجنرال مجرم الحرب راتكو ملاديتش هاربا لمدة ١٦ عاما حتى تم القاء القبض عليه في عام ٢٠١١. 



المجرم راتكو ملاديتش خلال محاكمته، الصورة الأصلية من الأمم المتحدة. 


في الثامن من يونيو الماضي رفضت محكمة الأمم المتحدة استئنافا كان قد تقدم به مجرم الحرب الجنرال "راتكو ملاديتش" قائد مجزرة سريبرينيتشا علي حكم كان قد صدر عام ٢٠١٧، ادانه بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.


في يوليو من العام ٢٠٢٠، تعهد الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريش". بأن العالم لن ينسي هؤلاء الضحايا ابدا.


اعادة الدفن:


إلي يومنا هذا، يعثر البوشناق المسلمين كل عام علي المزيد من الجثث، سواء دفنت بشكل جماعي أو فردي وقت المذبحة.

 


سيدة مسلمة تقبل شاهد قبر أحد أقاربها، الصورة الأصلية من وكالة أسوشيتد برس، بعدسة كمال سوفتيش، بتاريخ عام ٢٠٠٠. 


كمسلمين، يقوم البوشناق باعادة تكفين الجثث، ودفنها في المقبرة الجماعية لضحايا المجزرة في بوتوكاري اللصيقة بسريبرينيتشا والتي كان الجنود الهولنديين يقيمون بها وقت المذبحة.


عند العثور علي جثث جديدة، تحدث اجراءات قاسية علي النفوس، إذ لابد أن يتم أخذ عينات حمض نووي DNA من الجثث، ومطابقتها بالبيانات الخاصة بمن فقدوا أقاربهم. لتحديد جثة من تم العثور عليها، في تلك العملية، يتعرض من لم يعثروا علي أقاربهم بعد، لضغط وألم نفسي فظيع حتى يتم تحديد صاحب الجثمان. 



بكاء حار علي فقدان الأحبة، صورة من رويترز. 


جميع من يدفنوا في المقبرة الجماعية لضحايا المجزرة في بوتوكاري، يوضع علي رخام قبورهم نفس شهر وسنة الوفاة (يوليو ١٩٩٥).


تعيد ظاهرة اكتشاف المزيد من الجثث تلك الذكريات الأليمة في نفوس من عاشوها، معظم من نجا يومها كانوا من النساء، إنهم يحيون كل عام ذكرى الأجداد والاباء والأبناء والأخوة الذين فقدوهم، كما تري الأجيال الجديدة جثث جدودهم وأقاربهم، ويقر في صدورهم أن الصرب قتلوهم بلا أي رادع ذات يوم، ما يشكل مانعا نفسيا عميق تجاه المصالحة السياسية الحقيقية بين الجماعات العرقية المختلفة في البوسنة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -