زدني معرفة

هل تسقط أديس أبابا.. المعركة من أجل السيطرة على العاصمة الإثيوبية

يبدو أن العاصمة الإثيوبية أديس أبابا قد أصبحت اليوم وأمست مهددة بالسقوط في يد جبهة تحرير تيغراي والقوات المتحالفة معها.

مقاتلين من جبهة تحرير تيغراي حول عدد من دبابات الجيش الإثيوبي التي قاموا بإعطابها


صراع طويل الأمد ومستمر لما يقرب من عام جذب إليه حتى بطلا المسافات الطويلة الإثيوبيان (هايلي جبريسيلاسي) و (فييسا ليليسا) اللذان جلبا لبلادهما العديد من الميداليات الذهبية في منافسات الأولمبياد.


اضطر رئيس الوزراء آبي أحمد للتوجه إلى جبهة القتال لقيادة قواته بنفسه في معركة عنيفة تهدد بتفكك إثيوبيا نفسها كدولة موحدة نتيجة لسياساته الحمقاء والتي توقعنا في المعرفة للدراسات في يوليو الماضي أن تقود لحرب أهلية شاملة.


وبينما تتناثر شظايا دانات المدافع والقنابل، وتشق الرصاصات المتبادلة طريقها نحو الصدور، فإن ٩،٤ مليون مدني بحسب أرقام الأمم المتحدة يعيشون "أسوأ كوابيسهم" في شمال إثيوبيا بسبب الصراع.


في وسط كل ذلك، يخشي الأمريكيين والأوروبيين المقيمين هناك أنه لن يكون هناك جسر جوي لنقلهم كما حدث عندما سقطت العاصمة الأفغانية كابل في يد طالبان.


شرارة الحرب:


على عكس ما تقول واحدة من أعرق الصحف البريطانية والعالمية (ذي إيكونوميست) من أن قلة من المحللين كان يمكنهم تخيل أن الأمور في إثيوبيا ستصل إلى هذا الحد، فإننا في المعرفة للدراسات أشرنا ومنذ شهور أن الأزمة في إثيوبيا أعمق كثيرا من الحرب التي كانت مركزة حينها في إقليم تيغراي.


منذ نحو عام، وعندما شن آبي أحمد الحائز على جائزة نوبل للسلام، ودرجة الدكتوراه في حل الأزمات سلميا، حملة عسكرية شعواء ضد إقليم تيغراي. حينها قطع رئيس الوزراء الإثيوبي وعدا على نفسه بشن هجوما عسكريا سريعا، سيلحق به الهزيمة بجبهة تحرير تيغراي TPLF، الحزب الحاكم في إقليم تيغراي الذي رفض تأجيل الانتخابات الذي كان مقررا لها العام الماضي.


حينها، قال آبي أحمد أن هدفه هو تقديم قادة الجبهة إلى العدالة لاتهامهم بمهاجمة قاعدة عسكرية تضم قوات فيدرالية (إثيوبيا دولة فيدرالية تتكون من عدة أقاليم، لديها قوة فيدرالية أساسية هي التابعة للحكومة المركزية في أديس أبابا، وتمتلك عددا من الأقاليم قوات عسكرية مستقلة قد تتفوق أو تتساوي مع الجيش الفيدرالي).


والحقيقة أن أمور آبي أحمد سارت كما يرام في تلك الفترة، ففي غضون أقل من شهر، استولت القوات الإثيوبية الفيدرالية، بدعم من القوات شبه العسكرية من منطقة أمهرة وكذلك قوات من إريتريا دخلت من الشمال (إريتريا لها عداء تاريخي مع جبهة تحرير تيغراي التي كانت رأس حربة إثيوبيا في سنوات الحرب الإثيوبية-الإريترية "٦ مايو ١٩٩٨ : ١٨ يونيو ٢٠٠٠")، على كل تيغراي تقريبًا بما في ذلك مدينة ميكيلي ، عاصمة الإقليم.


حينها، فر قادة جبهة تحرير تيغراي واختبئوا داخل الجبال، وأعلن آبي أحمد الانتصار.


الطريق نحو أديس أبابا:


لكن الطريق قد تغير، وبدلا من السيطرة على إقليم تيغراي كاملا، تغيرت الأحداث بشكل درامي، شنت قوات جبهة تحرير تيغراي TPLF هجوما كاسحا استطاعت من خلاله عكس كل مسارات الحرب، وبدأت في أخذ طريقها نحو أديس أبابا في شهر يوليو / تموز الماضي.


في الطريق نحو العاصمة التي يوجد بها أيضًا مقر الاتحاد الأفريقي، سيطرت جبهة تحرير تيغراي بالفعل على عدد من المدن الإستراتيجية، وبدأت الصور والفيديوهات تتوالى تباعا من المعارك، جنود الجيش الإثيوبي يسقطون أسرى بالمئات، وأسلحتهم تسقط غنائم في يد جبهة تحرير تيغراي والقوات المتحالفة معها ليزدادوا قوة على قوتهم.


بدأ الواقفين عند أسوار أديس أبابا يرون التيغراي يقتربون، الذعر يزداد في نفوس كل من وقف بجوار آبي أحمد في حملته الدامية ضد طائفة من بني شعبه.


بغباء سياسي لا يحسد عليه، قاد آبي أحمد بلاده نحو الحرب الأهلية بسبب سياسات أحيت الصراعات العرقية بين الإثيوبيين، ثم اختار الحائز على جائزة نوبل للسلام أن يلجأ للحرب عندما ثار بعض مكونات شعبه عليه، صورة لكلمته أثناء تسلمه جائزة نوبل للسلام، Bair175، (CC BY-SA 4.0) via Wikimedia commons. 


ولمزيد من إشعال الحريق، أعلن آبي أحمد في الثاني من نوفمبر حالة الطوارئ في البلاد ، وحث المدنيين والمواطنين العاديين على الاستعداد للقتال دفاعا عن أديس أبابا، ما آثار المخاوف من أن تتحول شوارع العاصمة التي يعيش فيها ٥ مليون نسمة إلى ساحة حرب.


ربما يكون ذلك أيضًا هو السبب الذي دفع شخصية تعتبر أسطورة في إثيوبيا مثل (هايلي جبريسيلاسي) و معه (فييسا ليليسا) ، البطلان الرياضيان الأسطوريان للإعلان عن استعدادهما للانضمام إلى القتال في خطوط الجبهة الأمامية.


هذا السبب نفسه الذي جعل آبي أحمد شخصيا يذهب إلى الجبهة الشبه منهارة لدعم مقاتليه وقيادة المجهود الحربي بنفسه، موكلا وزير خارجيته (ديميكي ميكونين) بمهام رئيس الحكومة حتى عودته.


حينها ذكرت وسائل الإعلام الحكومية أن آبي أحمد ذهب إلى منطقة عفار شمالي شرق إثيوبيا -حيث يحاول المتمردون قطع طريق إمداد رئيسي لقوات آبي أحمد-، وبثت لقطات له يرتدي الكاكي والنظارات الشمسية. وقال آبي ، الذي حاول أن يبدو مرتاحًا وواثقًا، لمحاور تلفزيوني: "لن نتوانى حتى ندفن العدو ونضمن حرية إثيوبيا".


وفي تصريح آخر قد يكون الهدف من وراءه أيضًا هو رفع الروح المعنوية، قال وزير الاتصالات الإثيوبي، ليجيس تولو، إن الجيش حقق "العديد من النجاحات" منذ قرار السيد آبي قيادة المعركة، مضيفا أن النصر كان "قريبًا جدًا".


معركة الحائز على نوبل للسلام:


يعكس هذا الموقف الحربي الحاد التحول المتناقض الذي اتخذه السيد آبي أحمد منذ عامين فقط عندما وقف على منصة في العاصمة النرويجية أوسلو لقبول جائزة نوبل للسلام. قال السيد أبي آنذاك: "الحرب هي مثال الجحيم".


منذ نحو ٣٠ عاما، وقعت تلك الأحداث بالضبط، في تلك الأيام كانت جبهة تحرير تيغراي تحت قيادة الزعيم التاريخي لإثيوبيا (ميليس زيناوي) والذي أسقط الحكم الشيوعي فيها، ودخل أديس أبابا على رأس قواته، ممهدا الطريق للنظام الفيدرالي الذي حكمت به الجبهة البلاد لمدة ٣٠ عاما ، قبل أن تثور احتجاجات شعبية في عام ٢٠١٨ أتت بآبي أحمد للسلطة.


لهذا السبب، تشير بعض التحليلات القادمة من أديس أبابا، أن معظم قوة آبي أحمد ليست رغبة في حكمه، أو تأييدا له، وإنما معارضة لعودة قادة جبهة تحرير تيغراي إلى الحكم مجددا، خصوصا مع ذكرى حكمهم السيئة لإثيوبيا بقبضة حديدية لما يقرب من ثلاثة عقود، وبين هذا وذاك، تسير إثيوبيا بسرعة لكي تصبح دولة فاشلة.


على الأرض، وخلال الأيام العشرة الأخيرة من شهر نوفمبر ٢٠٢١، هناك الكثير من التطورات العسكرية.


فبرغم انتصاراتهم المتلاحقة، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت جبهة تحرير تيغراي والقوات المتحالفة معها قادرين على التقدم حتى السيطرة على العاصمة فعليا.


جنود من الجيش الإثيوبي، public domain. 


في الأيام الأخيرة، أعلنوا السيطرة على ديسي وكومبولتشا في أمهرة وهما بلدتان مهمتان من الناحية الاستراتيجية، خصوصا أنها داخل إقليم أمهرة أحد أكثر الأقاليم عداءا مع التيغراي، لكن حتى مع وجود قوات التيغراي في تلك المنطقة، فإنها لا تزال على بعد أكثر من ٢٥٠ كيلومترًا (١٥٦ ميلاً) من العاصمة.


في ذات الوقت، قالت الشرطة الإثيوبية التابعة لآبي أحمد إن قواتها تتجه شرقًا إلى منطقة عفار، فيما يبدو أنه محاولة للسيطرة على وصلة الطرق والسكك الحديدية المؤدية إلى جيبوتي، ومنع التيغراي من السيطرة عليها.


جبهة تحرير تيغراي وجدت حليفا قديما لها ينضم للقتال مؤخرا ضد القوات الحكومية، إنه جيش تحرير الأورومو OLA، الذي أعلن أن قواته نجحت في قطع عدد من الطرق المؤدية نحو العاصمة أديس أبابا، لكن الحكومة تنفي نجاح جيش الأورومو في ذلك، ومع إنقطاع خدمات الاتصالات في معظم مناطق شمال إثيوبيا ، يكون من الصعب التأكد أيا من الطرفين هو صاحب الرواية الصحيحة.


لكن مهما كان الوضع الحقيقي على الأرض، فإن انضمام جيش تحرير الأورومو إلي القتال بجانب التيغراي، يكشف عن أن عرقية الأورومو التي ينحدر منها آبي أحمد نفسه، والتي دفعت به للوصول للحكم عام ٢٠١٨، لم تعد موحدة خلفه، وأن حتى قومه قد انقسموا بين مؤيد ومعارض لحكمه.


لا مكان لجسر جوي:


هناك نوعية من الأخبار، تحمل في طياتها معاني واضحة ويسهل استدلالها، ومن بينها ما أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية في ٢٢ نوفمبر ٢٠٢١، بأنه لن يتم تكرار الجسر الجوي الذي أجلت به هي وعدد من الدول الحليفة لها رعاياهم والمتعاونين الأفغان معهم.


الوزارة الأمريكية حثت المواطنين الأمريكيين في إثيوبيا على المغادرة على الفور، مضيفة في بيانها أنه لا تزال هناك رحلات تجارية متاحة، وأنه من غير المرجح أن تستطيع توفير وسيلة لنقل المواطنين الأمريكيين إذا ما سيطر التيغرايين على العاصمة، وأن ما حدث عند سقوط كابل كان (وضعا فريدا لأسباب عديدة) ولن يتكرر.


مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية قال للصحفيين أنه لا توجد خطط لطيران الجيش الأمريكي إلى إثيوبيا لتنفيذ عمليات إخلاء طارئة للمواطنين الأمريكيين.


بينما ومع تزايد المخاوف من احتمال إغلاق مطار العاصمة -أحد أكثر المطارات ازدحامًا في إفريقيا- قريبًا، أكد مسؤولان عسكريان أمريكيان تقريرًا يفيد بأن طائرات شحن عسكرية من طراز C-17 تم وضعها في دولة جيبوتي وهي دولة جارة لإثيوبيا، لتكونا جاهزتين في حالة ضرورة إجلاء المواطنين الأمريكيين.


هذه نوعية من الأخبار تهم في طبيعته بالمقام الأول، المقيمين الأمريكيين في إثيوبيا، لكنها تكشف بوضوح عن أن أكبر وأقوى دول العالم، وصاحبة أقوى أجهزة استخبارات العالم لديها معلومات تفيد على الأقل بوجود احتمال لسقوط العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في يد مسلحي جبهة تحرير تيغراي.


نفس الدعوة بحزم الحقائب ومغادرة إثيوبيا، وجهتها كل من (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا، سويسرا، كندا) إلى رعاياهم في إثيوبيا، كما أعلنت الأمم المتحدة أنها ستقوم بإجلاء عائلات موظفيها، كل هذه دلائل مجتمعة على خشية هذه الدول من سيناريو سقوط العاصمة الإثيوبية.


كارثة كبرى:

كهل إثيوبي يسقي طفلا كوبا من اللبن، UNICEF Ethiopia. 


هناك مخاوف من أن تستمر الحرب الحالية لسنوات، ما يذكرنا بالمسار الدموي الذي سارت عليه الأمور في يوغسلافيا السابقة، فنري آبي أحمد وقد تحول إلى مجرم حرب مثل رادوفان كاراديتش جزار حرب البوسنة، وأن نري مذابح من نفس نوعية مذبحة سريبرينيتشا التي قتل الصرب خلالها ٨ آلاف مسلم تحت أعين قوات الأمم المتحدة.


في غضون ذلك أيضا تتصاعد الأزمة إنسانيا، ففي يوم الجمعة ٢٦ نوفمبر، قال برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة WFP أن عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية غذائية في شمال إثيوبيا قد ارتفع نتيجة للصراع المستمر.


تومسون فيري، المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي، قال للصحفيين في جنيف أن ٩،٤ مليون إثيوبي يعيشون حاليا أسوء كوابيسهم.


المشكلة الكبرى أن أكثر من ٨٠٪ من هؤلاء المحتاجين للمساعدة، يقبعون في مناطق خلف أو بجوار مناطق القتال أو حتى في مناطق تدور فيها المعارك، ما يجعل عملية إيصال المساعدات لهم غاية في الصعوبة، معظم هؤلاء يعيشون في أمهرة (بالتحديد ٣،٧ مليون شخص).


بشكل عام، فإن مجريات الأمور تشير إلى سيناريوهات كارثية في انتظار ثاني أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان ، فحتى لو صمدت أديس أبابا، فلا ضمانات من عدم تمزق البلاد، ونتوقع في المعرفة للدراسات أنه وبغض النظر عن سقوط أديس أبابا في يد مسلحي جبهة تحرير تيغراي من عدمه، فإن الحرب في إثيوبيا قد تستغرق وقتًا أطول لتنتهي.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -