زدني معرفة

هل يساعد تغير المناخ روسيا علي انشاء الممر البحري الشمالي كمنافس لقناة السويس

 هناك، في القطب الشمالي، يصبح الجليد بمضي الوقت أكثر رقة، مرسلا تحذيرا بشأن تأثير التغير المناخي، وتحذيرا آخر بشأن قناة السويس.

كاسحة الجليد الروسية خمسون عاما من النصر، تخترق جليد القطب الشمالي Christopher Michel، (CC BY 2.0)، Flickr. 


يمر الروس هنا، وبالأخص كاسحة الجليد العاملة بمحركات الطاقة النووية، والتي تحمل اسم "50 Years of Victory" أو خمسون عاما من النصر، لتفتح الطريق من ورائها لسفن الشحن.


كاسحة الجليد:


علي سطح كاسحة جليد عملاقة، ترى الجليد يتشقق والسفينة آخذة في الابحار عبر المياه المتجمدة في المحيط المتجمد الشمالي.


مشهد أبيض بالكامل، في كل مكان يصل إليه بصرك، ولكنك حتى هنا في أحد أكثر الأماكن انخفاضا في الحرارة علي وجه الأرض، ستشعر بتأثير تغير المناخ، خصوصا لو كنت من قدامي البحارة الذين جابوا المحيط المتجمد الشمالي منذ سنوات مضت.


ديمتري لوبوسوف، واحد من هؤلاء، فعلى مدار ١٣ عاما، كان قبطانا لـ"خمسون عاما من النصر"، الكاسحة التي هي إنما مجرد جزء من أسطول متزايد العدد والامكانيات من كاسحات الجليد التي تستخدمها روسيا لتأكيد قوتها في المياه المتجمدة للقطب الشمالي.


تفتح السفن الضخمة مثل "خمسون عاما من النصر" ، والتي تعمل بالطاقة النووية مسارات عبر الجليد للسفن التجارية، يساعد ذلك التكتيك روسيا على إيصال نفطها وغازها ومعادنها إلى بقية العالم، هذا هو الوضع الحالي.


في نهاية المطاف تخطط روسيا لإنشاء طريق الشحن في القطب الشمالي بين آسيا وأوروبا، إنه الطريق الذي وصفته موسكو بأنه منافس لقناة السويس المصرية.


سخرية الروس:


بطريقة ساخرة، استغل الروس أزمة السفينة المملوكة لليابان والتي تحمل علم بنما (إيفر غيفن)، والتي علقت في قناة السويس في مارس من هذا العام ٢٠٢١، للترويج للممر البحري الشمالي ، فنشرت شركة روساتوم الحكومية الروسية للطاقة الذرية تغريدة تسخر من السفينة العالقة، وتقول أن الممر الشمالي لو علقت فيه أي سفينة، فسترسل شركة روساتوم باعتبارها المسؤولة عن تشغيله كاسحات جليد فورا لمساعدتها.


كما ونشر حساب روساتوم صورة متحركة لعربة عالقة في نفق ضيق تقودها شخصية من مسلسل (أوستن باورز) وألصقت عليها صورة السفينة التي تحمل علم بنما.


بدا الروس ثقيلي الدم للغاية في تلك السخرية، خصوصا وأن مصر لم تكن تربط بينها وبين روسيا أي مشاكل سياسية في ذلك التوقيت، وظهروا بمظهر من يحاول استغلال مشاكل الأخرين لتحقيق مصالحهم.


تزامنا مع تعطل الملاحة في قناة السويس بسبب السفينة العالقة، كانت هناك تصريحات رسمية روسية بجانب مداعبات الشركة الثقيلة الظل، إذ أكد نائب رئيس الوزراء الروسي يوري تروتنيف على أهمية ممر الملاحة الشمالي كخيار احتياطي للتجارة العالمية في حال تعطل الشحن عبر قناة السويس المصرية.


وحتى بعد نجاح الإدارة المصرية لهيئة قناة السويس في تسيير حركة الملاحة بعد تعويم السفينة (إيفر غيفن) في غضون أيام، وليس كما راهن البعض في أسابيع أو حتى شهور، وأصبحت صورة الحفار الصغير الذي يزيح الرمال من حول مقدمة السفينة صورة عالمية تحث علي الارادة والتحدي حتى في قصص الأطفال الصغار.


حتى بعد هذا النجاح، واصل الروس أحلامهم ودعايتهم، ففي حضور الرئيس فلاديمير بوتين، وقف رئيس شركة "بناء السفن المتحدة الروسية" أليكسي رخمانوف في يوليو الماضي ليقول إن رحلات ممر الشمال بعيدا عن القراصنة الصوماليين ولا مشاكل مع السفن العالقة في قناة السويس.


تعاون الإماراتيين:


من جانبهم، ينشط المسؤولين في الإمارات في الكثير من بحار ومحيطات العالم عبر شركتهم العملاقة "موانئ دبي العالمية للخدمات اللوجستية".


في نهاية يوليو هذا العام ٢٠٢١، أعلنت الشركة الإماراتية تعاونها مع روسيا بهدف ((توحيد جهودهما لتطوير شحن حاويات تجريبي عبر القطب الشمالي)).


وخرج سلطان أحمد بن سليم، وهو رئيس مجلس الإدارة، والرئيس التنفيذي لمجموعة موانئ دبي العالمية ليقول إن "ممر العبور الشمالي يحمل احتمالية تقصير أوقات العبور بين الشرق والغرب".


موانئ دبي العالمية توقع مجموعة من الاتفاقيات مع شركة Dover Tower الإسرائيلية ، ١٦ سبتمبر ٢٠٢٠، صورة من وكالة الأنباء الإماراتية وام


لم تكن تلك هي المرة الوحيدة التي يستثمر الإماراتيين في مشاريع منافسة لقناة السويس ، إذ سعت بالتعاون مع إسرائيل لاستغلال خط أنابيب النفط الممتد من ميناء إيلات على البحر الأحمر عبر منطقة صحراء النقب إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، بهدف تصدير نفطها إلي أوروبا من خلاله.


تجاهل الإماراتيين في هذا المشروع إمكانية استخدامهم ناقلات النفط عبر قناة السويس، أو حتى استخدام خط أنابيب سوميد ذو السعة الأعلى من خط إيلات، وهو خط مصري يبدأ من السويس عبر الصحراء إلي الموانئ المصرية علي ساحل البحر المتوسط.


ويمكنكم من هنا قراءة موضوعنا عراقيل أمام مشروع خط أنابيب البترول بين إسرائيل والإمارات. 


يمكن فهم إستراتيجية الإمارات البحرية، اذا تذكرنا ما قاله رئيس مجلس إدارة موانئ دبي العالمية أحمد بن سليم، في ديسمبر ٢٠٢٠ ، عن أن إسرائيل حلقة وصل منطقية واستراتيجية علي حد وصفه، إذ تسمح الموانئ الإسرائيلية بربط عمليات موانئ دبي بأوربا مع الشرق الأوسط. 


عودة إلي القبطان:


نعود إلي القبطان لوبوسوف ، البالغ من العمر ٥٧ عامًا، والذي التقت به صحيفة موسكو تايمز الروسية The Moscow Times.


تصف لنا الرجل بأنه ذو لحية رمادية، وغالبًا ما يكون يحمل بايب للتدخين ، وهو يحدق من فوق سطح السفينة، بينما تبحر سفينته ذات اللونين الأحمر والأسود بمحركها النووي إلى الأمام ، لذا يمكنه سماع الجليد يتكسر تحت بدنها.


بعد ما يقرب من ٣٠ عامًا امضاها في البحر ، معظمها في القطب الشمالي ، شهد القبطان لوبوسوف مباشرة التغييرات التي أحدثها الاحترار العالمي.


"في التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، كان الجليد أكثر صعوبة في كسره، وأكثر سمكًا وقوة" ، كما يقول القبطان بزيه الأزرق.


ويضيف: ((كان من المعتاد أن يكون هنا الكثير من الجليد الدائم))... إنه يقصد قطع الجليد الكبرى التي تستمر لسنوات وسنوات دون أن تذوب، حتى أنه يشهد وجود لبعض الكائنات الحية علي ظهره.


ثم يتابع حديثه بقوله: "بالكاد نرى هذا النوع من الجليد الآن".


يوضح لنا القبطان لوبوسوف أن الجليد الدائم أكثر سمكًا وأقوى، لأنه يتشكل على مدى عدة سنوات ويفقد الملح ، مما يجعل من الصعب على كاسحة الجليد قطع الطريق عبر هذا النوع من الجليد، ولكن اليوم ، يتكون معظم الغطاء الجليدي خلال الشتاء ويذوب بسرعة في الصيف، فلا يتشكل الجليد الدائم.


ذوبان الغطاء الجليدي:


يقول العلماء إنه ليس هناك شك في أن هذا هو تأثير تغير المناخ.


وفقا لما نشرته خدمة الأرصاد الجوية الروسية Rosgidromet في تقرير أصدرته في مارس / آذار الماضي، إن الغطاء الجليدي في القطب الشمالي أرق الآن بخمس إلى سبع مرات مما كان عليه في الثمانينيات.


ووفقا لذات التقرير، ففي سبتمبر / أيلول من عام ٢٠٢٠ ، بلغ الغطاء الجليدي في القطب الشمالي الروسي أدنى مستوى له، لقد بلغ ٢٦ ألف كيلومتر مربع - وهو رقم قياسي لم يبلغه من قبل في ذلك الوقت من العام-.


تقرير خدمة الأرصاد الجوية الروسية Rosgidromet، قال إن روسيا ، التي يقع ثلث مساحتها داخل الدائرة القطبية الشمالية ، ترتفع درجة حرارتها بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي ، حيث ارتفعت درجات الحرارة بمقدار نصف درجة كل عشر سنوات، بداية من عام ١٩٧٦.


لطالما ماكان الرئيس فلاديمير بوتين يشكك في تغير المناخ علي غرار ترامب سيد أمريكا السابق، إلا أن بوتين  غير مساره في تلك القضية في السنوات الأخيرة ، وأمر حكومته بوضع خطة لخفض انبعاثات الكربون في روسيا إلى ما دون المستوى المعتمد في الاتحاد الأوروبي بحلول عام ٢٠٥٠.


ومع اندلاع حرائق الغابات الكبيرة في سيبيريا هذا الصيف ، قال بوتين إنه يشعر بالقلق من سلسلة من الكوارث الطبيعية "غير المسبوقة على الإطلاق" التي تشهدها روسيا.


التقت صحيفة موسكو تايمز أيضا مع فيكتور بويارسكي، إنه أحد المستكشفين المخضرمين لدببة بولار القطبية الشهيرة، والذي كان يسافر في رحلاته على متن كاسحة الجليد ، اعترف الرجل بوجود ظاهرة الاحتباس الحراري التي دفعت الدببة التي يحبها للهرب من مواطنها الأصلية حتى غزت البلدات الروسية المأهولة بالسكان هربا من ارتفاع درجة الحرارة وبحثا عن الطعام.


مجرد ضيوف:

القبطان ديمتري لوبوسوف يقف بجوار سفينته خمسين عاما من النصر في إحدي رحلاته، Christopher Michel، (CC BY 2.0)، Flickr.


بعد سنوات عديدة قضاها في البحر ، قال قبطان كاسحة الجليد لوبوسوف إن التغييرات في القطب الشمالي لا يمكن إنكارها.


فإلى جانب الجليد الذي أصبح أكثر سماكة في القطب الشمالي ، يقول إن القطب الشمالي مغطى الآن بالضباب في الصيف، وأن هذا أيضًا من تأثيرات ارتفاع درجة الحرارة، إذ زادت الرطوبة في الهواء".


القبطان الروسي شهد أيضًا الانكماش في الأنهار الجليدية في القطب الشمالي ، كما هو الحال في أرخبيل فرانز جوزيف لاند الذي يضم أكثر من ١٩٠ جزيرة ، يري القبطان لوبوسوف أن هذا لا شك تأثير زيادة درجة الحرارة.


برغم كل ذلك، يواصل القبطان بسفينته النووية "خمسون عاما من النصر" وهي جزء من أسطول شركة روساتوم الحكومية للطاقة الذرية ذات الدعابات السخيفة، رحلته رقم ٥٩ إلي القطب الشمالي، داهسا المزيد من الجليد في طريقه.


وبينما كانت السفينة التي يبلغ ارتفاعها ١٦٠ مترًا تبحر قبالة ساحل الأمير جورج لاند - وهي جزيرة في أرخبيل فرانز جوزيف لاند - كان أحد الدببة القطبية يتجول عبر الجليد ويراقب السفينة.


قال لوبوسوف: "الدببة هم أرباب العمل هنا ، وهذا منزلهم". "نحن مجرد ضيوف".. ولكنه تجاهل أنه يحطم منازل الدببة بسفينته النووية كاسحة الجليد.


نقاط قوة قناة السويس:


رغم كل ما سبق، يبقي لقناة السويس نقاط قوة تفصلها عن جميع منافسيها، بعضها حالي وقديم، وبعضها قيد التنفيذ، ونذكر منها:


الرئيس المصري اهتم كثيرا بمشاريع النقل باختلاف أنواعها برا وبحرا وجوا، في إستراتيجية تري أنها الطريق الصحيح للتنمية، Paul Kagame، (CC BY-NC-ND 2.0)، Flickr 


  • لا تحتاج السفن المارة في قناة السويس لكاسحات جليد تعمل بالطاقة النووية لتمهيد الممر المائي لها، هذا يجعل الرحلة أقل تكلفة من رحلات الممر الشمالي، وأقل من حيث المتطلبات الفنية المطلوبة لاتمامها.
  • ما تقوله روسيا عن السفن العالقة في قناة السويس محض مبالغات، ومحاولة تصوير أن حادثة وحيدة وكأنها هي الأمر الطبيعي المتكرر في قناة السويس، وهذا بالطبع شيء لا تجهله كبريات خطوط الشحن البحري العالمية.
  • كما انحسرت أيضا ظاهرة القرصنة في الصومال، ويظن الروس أنهم يعيشون بين عامي ٢٠٠٩ : ٢٠١٢، وقت انتشار هذه الظاهرة، والتي تصدي لها المجتمع الدولي بقوة وحسم شديد جعلها الآن مجرد ذكرى من الماضي، يحاول الروس إعادتها للأذهان وكأنه شيء يحدث اليوم.
  • تزيد يوما بعد يوم قوة وتأثير جماعات الضغط البيئي، بل وجدت لنفسها مكانا في انتخابات العديد من الدول الكبرى، كان أحدثها نتائج الانتخابات الألمانية التي شهدت تحقيق تحالف ٩٠/الخضر GRÜNE: ١١٨ مقعد (بنسبة ١٤،٨٪)، ليكون من أكثر الرابحين في انتخابات هذا العام، مع تصاعد قوة جماعات البيئة في ألمانيا، إذ اضاف لجعبته ٥٣ مقعدا، ما يبشر بسياسات أكثر حفاظا على البيئة، وهو ما يبشر باستعادة القطب الشمالي جليده المفقود علي المدى الطويل، ويمنع اشتراك ألمانيا في الرحلات التجارية عبره علي المدى القصير. 
  • بما انه إستراتيجي حقيقي، أظهر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ادراكه لهذه التطورات، وبشكل صامت عكس منافسيه، يقوم بدعم بنية قناة السويس بشكل مستمر، إذ تقوم الحكومة المصرية الحالية بالعديد من المشاريع التي ترفع من تنافسية قناة السويس، وتزيد قدرتها علي الاحتفاظ بمكانتها، ومن أهمها ما وصف بأنه (قناة السويس علي قضبان)، إنه مشروع قطارات فائقة السرعة، تبنيه مصر مع شركة سيمنس الألمانية العملاقة لربط البحر المتوسط بالأحمر، ونقل البضائع والركاب، وهو أحدث قطار من هذا النوع تنتجه ألمانيا، وستبني قطارات نقل البضائع في كريفيلد وميونخ بألمانيا.
  • الأمان لا يزال عاملا حاسما في الملاحة البحرية، وبرغم التقدم العلمي والتكنولوجي العملاق في رسم الخرائط البحرية ومسح أعماق المحيطات، إلا أن البشرية لا تزال تتذكر علي الدوام أن أشهر حوادث غرق السفن في التاريخ، ارتبطت باصطدام تيتانيك بجبل جليدي في أبريل عام ١٩١٢.


((يمكنكم من هنا قراءة موضوعنا خمسة عشر حقيقة مدهشة عن غرق سفينة تيتانيك لم يعرضها الفيلم)).

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -