زدني معرفة

حرب الجنرالات في إسرائيل عقب حرب أكتوبر ١٩٧٣.. الجزء الخامس والأخير

نشر "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي دراسة جديدة بعنوان "حرب الجنرالات بعد حرب يوم كيبور" ضمن المجلد ٢٤ من إصداراته، وقد قمنا في المعرفة للدراسات بترجمته ونقله إليكم، وهذا هو الجزء الخامس والأخير من هذا الجهد.

ويمكنكم قراءة الجزء الأول من ترجمة المعرفة للدراسات لهذه الدراسة من هنا.


كما يمكنكم قراءة الجزء الثاني من ترجمة المعرفة للدراسات لهذه الدراسة من هنا.


كما ستجدون الجزء الثالث من ترجمة المعرفة للدراسات لهذه الدراسة من هنا.


أما الجزء الرابع من ترجمة المعرفة للدراسات لهذه الدراسة، فيمكنكم قراءته من هنا.


حرب يوم كيبور هو اسم حرب أكتوبر ١٩٧٣ في إسرائيل، بسبب اختيار المصريين والسوريين السادس من أكتوبر ١٩٧٣ موعدا للهجوم، والذي كان يوافق عيد يوم الغفران أو يوم كيبور، وهو اسم أهم وأقدس الأعياد الدينية اليهودية، والذي يرتبط دوما بتعطيل العمل في كافة نواحي الحياة في إسرائيل.

آلون بين الهجوم والسياسة:

إيغال آلون في فترة خدمته كجنرال، صورة بين عامي ١٩٤٨ و ١٩٤٩، Unknown author, Public Domain 


 تابع إيغال آلون حديثه قائلا: "لا توجد مسؤولية مماثلة للمسؤولية التي يتحملها القائد في زمن الحرب، تأتي لحظات يكون فيها القائد بمفرده، وهو يدرك أنه يجب عليه اتخاذ قرارات صعبة، مع كل ما سيتبع تلك القرارات من نتائج".


لكن طوال مدة حديثه، لم يجرؤ آلون على توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى رئيسة الوزراء جولدا مائير، لكنه تحدث بشكل جماعي حينما قال: "كلنا مسؤولون عن كل شيء، باعتبارنا مجموعة واحدة، نتبادل جميعا المسؤولية، وكرفاق عملنا معا".


برغم ذلك، كان إيغال آلون واضحا في تحميل المسؤولية الرئيسية عن سوء التعامل مع سلوك أرئيل "أريك" شارون على عاتق وزير الدفاع موشيه دايان، وكذلك حمل النائب العام الإسرائيلي جزءا من المسؤولية، إذ اعتبره كان متساهلا مع شارون، فنجد إيغال آلون يقول: "لعدد من الأسباب، اختار وزير الدفاع أن يقوم بدور شرطي المرور، حاملا القضية من النائب العام إلي رئيس الأركان، هكذا، ذهابا وإيابا، إن هذا غير كافي بالنسبة لوزير الدفاع، الذي خرج ليقول علنا أنه لم يمت أحد بسبب أن شارون أجرى مقابلات مع نيويورك تايمز".


ثم يتسائل آلون ببعض السخرية: "ما معني هذا التعليق اللطيف والمتسامح؟.. إنه تصريح لإظهار ازدراء وزير الدفاع لقيم الانضباط العسكري".


ويتابع آلون أنه وردا على تصريحات شارون التشهيرية بجنرالات الجيش الإسرائيلي، زعن وزير الدفاع أنه "لم يقيل ضابطًا واحدًا نتيجة الحرب"، على الرغم من أن الجميع كان على علم بإقالة الجنرال جونين، وهذه الاقالة بالذات هي أحد أخطر الأشياء التي حدثت أثناء الحرب.


واستمرارا لهجومه علي شارون، يقول آلون أن فلسفة شارون في الانضباط العسكري انتقائية، ينضبط اذا كانت الأوامر كما يهوي، والعكس صحيح، وهذه الفلسفة شديدة الخطورة بشكل غير عادي، واننا لم نسمع عن فلسفة كهذه في صفوف القوات الإسرائيلية منذ فترة ما قبل قيام الدولة.


ثم يتحدث عن تاريخه العسكري، فيقول: "من بين جميع كبار ضباط جيش الدفاع الإسرائيلي، ربما واجهت انا أصعب تحد، فلقد كنت معارضًا تمامًا لقرار بن غوريون أثناء حرب الاستقلال -المعرفة: حرب الاستقلال هو اسم حرب فلسطين في إسرائيل، وهو اسم مدلس تماما، إذ يعكس وكأن الشعب الفلسطيني وهو صاحب الأرض كان يحتلها، وهم القادمين من شتي بقاع الدنيا قاموا بالاستقلال-، بتفكيك البلماح -المعرفة: البلماح أو البلماخ هي اسم القوات الضاربة لعصابات الهاغاناه الصهيونية، ولا شك في أنه كان تنظيما إرهابيا قتل وشرد عشرات الآلاف من الفلسطينيين وهو النواه الأساسية لجيش الاحتلال الإسرائيلي-.


نعود لإيغال آلون الذي يقول أنه برغم معارضته لقرار بن جوريون بحل البلماح فإنه عندما تلقي الأمر، قام بتنفيذه.


وفجأة يقفز آلون بالمستمعين لحرب أكتوبر ١٩٧٣ مجددا فيقول أنه لم يكن على دراية كبيرة بمدى ملاءمة جونين لمنصب قائد الجبهة الجنوبية "الجبهة المصرية"، كنت فقط سمعت عنه كلاما جيدا من رئيس الأركان الأسبق يتسحاق رابين، كما التقيت به في جولة مع ليفي اشكول في سيناء -المعرفة للدراسات: ليفي اشكول هو رئيس وزراء إسرائيل خلال حرب يونيو ١٩٦٧-.


لم يعجبني كل ما قاله في تلك الجولة. كما لم أكن متأكدا مما إذا كان تعيينه في منصب قائد المنطقة الجنوبية مبشرًا في ذلك الوقت، لكننا في الحكومة لا نعين القادة من الجنرالات، الجيش هو من يفعل ذلك.


تابع آلون حديثه للوزراء في اجتماع الحكومة الإسرائيلية بتوجيه انتقاد للنائب العام مئير شمغار الذي ابدي استعداده للقاء شارون، بعدما رفض شارون لقاء ممثل عن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، ذلك لإن تقويض الانضباط الذي تسبب فيه شارون علي الجبهة المصرية في وقت الحرب، لا يمكن الحكم عليه بمعيار قانوني فحسب، فهؤلاء أفراد عسكريون، ويتحكمون في أرواح بشر هم جنودهم، وبمصير البلد.


وتساءل كيف يمكن أن يتم العفو عن جنرالاً رفض الانصياع لأمر من رئيس الأركان، وبدلا من عقابه يقوم النائب العام بدعوته ليتقارب مع رئيس الأركان!!.


ثم يشير إلي الاشتباك بين شارون وبين جونين قائد المنطقة الجنوبية خلال الفترة الأولى من الحرب، فيقول: "حتى اليوم لست مستعدًا لأقول من كان على حق، جوروديش جونين أم أريك شارون، لكن هل يمكننا التغاضي عن شكوى من قائد عام ضد قائد تابع له؟... هل يمكننا وضع حد لهذا النقاش من خلال حديث بين قائد المنطقة وقائد الفرقة، وتوبيخ فاتر، ثم ينتهي الأمر عند ذلك؟".


في نهاية كلامه، أظهر إيغال آلون أنه مستعد للسماح لأعضاء لجنة أغرانات بمعالجة هذه القضية.. شريطة أن يمددوا الإطار الزمني للتحقيق حتى وقف إطلاق النار وأن لا يقتصر علي فترة معينة في الحرب، كما اقترح كذلك أن تقوم رئيسة الوزراء جولدا مائير والتي كانت تشغل أيضًا كذلك منصب وزيرة العدل بمناقشة الموضوع مع رئيس اللجنة القاضى أغرانات، باعتباره أحد الموضوعات الرئيسية والأساسية في التحقيق.


النائب العام مئير شمغار:


انضم إلى المداولات في مجلس الوزراء الإسرائيلي النائب العام مئير شمغار -المعرفة للدراسات: مئير شمغار المولود في بولندا، وصاحب سجل الخدمة في عصابات بالماح الإرهابية، حتى قبض عليه الإنجليز أنفسهم ونفوه إلي كينيا. عاد إلي إسرائيل بعد تأسيسها في مايو ١٩٤٨، لينضم للنيابة العسكرية هناك، وتدرج في المناصب القضائية حتى منصب النائب العام، كما تولى أيضا منصب رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية، وهو أحد أخطر وأهم الكيان الصهيوني لسنوات متتالية، وتمثلت خطورته الرئيسية في كونه الغلاف القانوني المزيف لجرائم الاحتلال الإسرائيلي أمام العالم، كما وضع أطر ونظم قانونية شيطانية لتوصيف استيلاء إسرائيل علي مناطق فلسطينية معترف بها دوليا، كمصطلح المناطق المسيطر عليها مثلا، وباختصار يلقب في إسرائيل ببن غوريون القضاء.


مئير شمغار، ترزي إسرائيل القانوني، صورة في ٢٠ أبريل ١٩٨٧ Israel Press and Photo Agency (I.P.P.A.) photographer, Dan Hadani


قال النائب العام مئير شمغار إنه أخبر رئيس الأركان، بأن الجندي الذي لديه انتقادات لتصرفات كبار الضباط الذين يقودونه، يمكنه إبداء اي انتقاد أو تحفظ عبر القنوات القيادية له. لكن من الممنوع فضح الخلافات العسكرية الداخلية، لعناصر من خارج الجيش.


مضيفا، بناء علي ذلك يمكن لرئيس الأركان أن يستدعي شارون، ليقوم بسماع ادعاءاته بشأن قياداته، وليوبخه كذلك علي تصرفاته وتصريحاته خارج الجيش.


النائب العام مئير شمغار والقادم أصلا من النيابة العسكرية أوضح أن شكاوى الجنرال جونين من رفض شارون الانصياع لأوامره لا يمكن التحقيق فيها في السياق القانوني وحده، ولكن يجب أيضًا مراعاة الظروف السائدة في ساحة المعركة وقت القرارت، ونتائج المعركة ذاتها، وهذه المناطق أكثر ملاءمة للجنة أغرانات لكي تقوم بالتحقيق فيها.


شمغار قال للحاضرين في اجتماع مجلس الوزراء أن عليهم فهم أن النائب العام ليس آلة لرفع القضايا.


أظهرت كلمات شمغار بوضوح أنه كان غير مرتاح لتركيز رئيس الأركان إيلعازر على البعد القانوني لتصرفات شارون، والذي كان يرغب إليعازر في جعله يمس مصداقية شارون، ويردعه عن توجيه مزيد من الانتقادات لرئيس الأركان الحالي وسلفه بارليف.


كانت وجهه نظر النائب العام مئير شمغار، أن هذه القضايا تتعلق بالصراعات الشخصية على مناصب القوة والقيادة، وكذلك الخلافات المشروعة بين القادة حول التحركات العسكرية اللازمة في أوقات الحرب. وهذه مسائل من المشكوك فيه ما إذا كان يمكن حلها على المستوى القانوني من وجهه نظره. ولاسيما في ضوء الوضع السياسي لشارون حينها، وتصنيفه من فئات متعددة في الشارع الإسرائيلي بصفته الرجل الذي فضح أخطاء الجيش.


كان إيلعازر قد شهد بنفسه أن شارون أعلن "رفضه الإدلاء بشهادة لأي ضابط تحقيق أو لجنة تحقيق أو حتى ضابط تحكيم".


في هذه الظروف، كانت نصيحة النائب العام مئير شمغار إلي رئيس الأركان ديفيد إليعازر أن يستدعي شارون للحديث معه لكن بصفة شخصية، والمثير أن إليعازر قبل ذلك، لكن صدور هذا القبول في هذا الاجتماع الشديد الأهمية، كان كاشفا بجلاء عن مدى الضعف بل وحتى السذاجة التي يعاني منها إليعازر في موقفه من شارون.


فبدلا من استخدام موقعه المتفوق والرئاسي علي شارون، لوضعه في حجمه وموقعه الصحيح، ومطالبته بالاعتذار عن كل ما بدر منه تجاهه من كلمات هجومية وقاسية، فإن رئيس الأركان اقتنع بوعد غامض من أريك شارون بأنه "لن يجر المزيد من المقابلات الصحفية أو التلفزيونية".


وكما هو متوقع، لم يف شارون بوعده واستمر في التعبير عن آرائه في وسائل الإعلام.


معركة النائب العام ضد الجنرال القديم:


في ذات الاجتماع، تسببت الانتقادات الشديدة التي وجهها له نائب رئيس الوزراء آيغال ألون في تأجيج غضب النائب العام ودفعته لتهديد صريح بالاستقالة، فقال: ((الجالسون هنا هم أعضاء الحكومة الذين عملوا معي لمدة خمس سنوات، ولا اعتقد أنني خذلت أحدا منكم ذات يوم. أما إذا كان هناك رأي مختلف لديكم، فأنا حر في المغادرة، وأنا آسف لأنني لا أستطيع الرد على هذا الكلام لأنني موظف حكومي)).


ربما صُدمت تلك الكلمات رئيسة الوزراء من احتمال استقالة النائب العام في هذا الوقت العصيب، وسارعت في توضيح أنها تأمل أن "ألون لم يكن يلمح إلى أي تخريب متحمل لعمل الحكومة".


وزير الدفاع موشيه دايان:


كان من الواضح أن الانتقادات التي وجهها الجنرال بارليف ونائب رئيسة الوزراء ألون بشأن عدم وجود دعم من المستوى السياسي الممثل في وزير الدفاع للقيادة العسكرية، وخصوصا رئيس الأركان علي وجه التحديد، تجعل من الضروري أن يتقدم وزير الدفاع برد عليها.


موشيه دايان في زيارة الجبهة المصرية خلال الحرب، يظهر بجانبه الجنرال شارون مصابا في رأسه، released to Public domain by the Israeli Defence Forces Spokesperson's Unit, Wikimedia. 


لكن رد دايان الذي اتسم بالتردد، ظهر كأنه شكلاً من أشكال التشدق، وقد بعث في كلماته برسالة واضحة: (في المحصلة النهائية، كانت مساهمة شارون مهمة جدًا في المجهود الحربي)، وفي ظل هذه الظروف، قد يكون السلوك الذي تصرف به شارون غير متوافق مع البروتوكول، لكن هذا سيبقي أمر تأديبي، ومن المؤكد أنه لا يبرر تنحية مساهمته في أمن إسرائيل، والمطالبة باستقالته من منصبه.


واصل ديان حديثه هذه المرة، بإبداء اتفاقه مع رئيس الأركان ديفيد إلعازر على أنه لا أساس للادعاءات التي اثارها شارون بشأن تعيين وترقيات قيادات الجيش الإسرائيلي بناء علي عوامل سياسية، وليس بناء علي التاريخ والمؤهلات العسكرية. بل إنه لم يخطر في بال أحد من الأصل أن يفكر في اتخاذ مثل هذه القرارات بناء علي أساس أو اعتبارات سياسية.


الحقيقة، أنه من المشكوك فيه، أن ديان نفسه كان يؤمن بما يقوله بالفعل، إذ كان يعلم جيدًا أن الاعتبارات السياسية لعبت دورًا في تعيين ضباط رفيعي المستوى في جيش الاحتلال الإسرائيلي.


ديان أوضح أيضا للحضور أن شارون لا يريد أن يترك الجيش، بل يريد أن يؤدي أدوارًا إضافية في الجيش وأن يصبح رئيسًا للأركان.


ثم أكمل وزير الدفاع أنه شرح لشارون أنه وبسبب مشاركته السياسية المكثفة، فإن فرصته في أن يصبح رئيس الأركان معدومة.


كان ديان يتحدث دون أن يذكر للمستمعين، أنه هو نفسه كان يحلم بمنصب رئيس الأركان مع نهاية عام ١٩٥٣، رغم أنه كان في المرتبة العاشرة في قائمة حزب "مباي" -المعرفة: حزب من أقوى الأحزاب الإسرائيلية حينها-، لانتخابات الكنيست الأولى، وقد أدت هذه المسألة بالفعل إلى اعتراض عدد من الوزراء على تعيينه كرئيس للأركان حينها.


فيما يتعلق بادعاءات شارون حول التفكير المتحجر في الجيش الإسرائيلي، قال دايان أنه من المشروع القول أن هناك بعض التشدد والصلابة في الفكر في وزارة الدفاع وفي الجيش الإسرائيلي.


كان دايان يقول نفس الكلام حتى من قبل نشر المقابلات الصحفية التي أجراها شارون، وكان دوما يري أنه لا يوجد سببا لإقالة شارون من منصبه، لكنه وفيما يتعلق بالإجراءات القانونية، أكد ديان أنه سيتبع تعليمات النائب العام شمغار.


وبالنسبة لموضوع الأوامر والالتزام بتنفيذها، قال دايان: "الحفاظ على الانضباط في الجيش الإسرائيلي أمر أساسي للغاية".


كشف دايان، أنه وبعد تعيين بارليف قائدا للجبهة الجنوبية "المصرية" خلال الحرب بدلا من الجنرال جونين، أخبره بارليف بأنه اذا قرر -يقصد دايان- عزل شارون، فعليه أن يفعل ذلك. ومع ذلك فإن بارليف لم يكن متعجلا علي إصدار قرار إقالة لشارون.


أما فيما يتعلق بادعاءات شارون حول التفكير الذي اصابه الجمود والتحجر في جيش الدفاع الإسرائيلي، فلقد وافقه شارون بقوله أنه يجوز قول ذلك علي وزارة الدفاع وعلي الجيش في إسرائيل.. مضيفا أنه هو أيضا أحيانا كان يعرب عن رأيه بانتقاد لبعض المناهج والمفاهيم السائدة في الجيش الإسرائيلي.


ويتابع ساخرا، أن المضحك في هذا الادعاء أن يأتي من أرييل شارون، الذي شغل ذات يوم منصب رئيس قسم التدريب في الجيش الإسرائيلي، أي انه كان بنفسه هو الشخص الذي شكل عقيدة الجيش الإسرائيلي في الحرب، ولقد خدم في هذا المنصب حتى عين قائدا للجبهة الجنوبية "المصرية" والتي خدم فيها حتى قبل حرب أكتوبر. وإذا كان هناك شخص قد قام بتشكيل العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي فهو أرييل شارون.


بحسب دايان أيضا، فإن قرار عزل جونين جوروديش، قد اتخذ من قبله هو شخصيا كوزير الدفاع، ولم يكن لشارون أي علاقة بهذا القرار بأي شكل من الأشكال، قال دايان نصا: "في رأيي، لم يتمكن جوروديش من قيادة القيادة الجنوبية في حرب بهذا الحجم ضد المصريين".


وبصرف النظر عن ذلك أيضا، ففي موقعه حينها، كان مطلوبا من غوروديش أن يمارس سلطاته القيادية على بعض القادة الذين يتبعونه في القيادة الجنوبية، والذين كانوا أكبر منه سنًا وأكثر منه خبرة، وكان كل واحد منهم يتصرف بشكل فردي. لقد كانوا قادة أكبر منه، مما خلق لديه مشاكل في فرض الانضباط علي جنرال مثل أرييل شارون.


أوضح دايان لباقي المجتمعين، أنه علي ضوء هذه الخلفيات، تقرر تعيين حاييم بارليف قائدا للجبهة الجنوبية (المصرية)، ويصفه بأنه كان أحد أهم القرارات التي اتخذت في الحرب.


المعرفة للدراسات: لم يشرح دايان لماذا تم إبعاد بارليف مجددا عن قيادة الجبهة الجنوبية، واستبداله بالجنرال يسرائيل طال، وأن الجنرال طال نفسه لم يلب توقعات الحكومة فيه، وتم عزله هو الآخر، ليحل محله الجنرال أبراهام أدان أو أڤراهام أدان الملقب (برين) وتنطق كذلك (برن).


تابع ديان حديثه بقوله: الجبهة الجنوبية "المصرية" كانت صعبة ومعقدة، وكنا نريد التأكد من أننا نضع القائد الأنسب في الجيش ليتولي هذا المنصب المهم للغاية. ومنذ البداية لو اثبت الجنرال جوروديش أنه الأكثر موهبة لبقي في منصبه، ولو كان طال أثبت ذلك لكان قد بقي، لكن لم يثبت منهما هذا، ولذا اعتقدت أن الجنرال برن سيكون الاختيار الأفضل.


أما فيما يتعلق بشخصية شارون، قال دايان إن "شارون هو أحد أفضل قادتنا الميدانيين، ولا يوجد ما يشير لاختلاف بيني وبين رئيس الأركان حول هذه النقطة، وإذا كان رئيس الأركان لا يوافقني في ذلك الرأي، فأنا أرغب في أن يخبرني بذلك.


نحن في حرب مع العرب، وإذا ما أجرى أريك شارون مقابلة صحفية، فلا بد من فحص ذلك، لكنني لست على استعداد لطرده من الجيش لهذا السبب.


إذا كنت تتحدث عن المقابلات، يمكنك الاطلاع علي العديد من الكتب الأخرى المكتوبة عن الحرب، وستجد فيها مقاطع وفقرات وأجزاء من مقابلات أجراها العديد من كبار القادة في الجيش الإسرائيلي.


انني قد تتفق مع كل ما يقال ضد أريك شارون، وما قيل ضده قد يسمح بملء كتاب بالملاحظات التشهيرية التي سمعوها، ويمكن كذلك أن نحول شارون إلي المحاكمة، لكن هناك [طريق طويل لنقطعه] قبل اتخاذ قرار بطرده من منصبه كقائد فرقة".


على أي حال، ذكّر ديان الحكومة في ذلك الاجتماع بضرورة إحالة القضية إلى النائب العام.


قرارات الاجتماع:


في النهاية، وكما كان متوقعا، جاءت أراء معظم الوزراء في هذا الاجتماع العاصف أن الحكومة لا ينبغي أن تتدخل في قضية الشكاوى ضد الجنرال شارون، وان تترك القرار بيد رئيس الأركان ديفيد إليعازر.


رئيس الأركان ديفيد اليعازر، لن يعيش طويلا بعد الحرب، إذ سيموت عام ١٩٧٦ متأثرا بنوبة قلبية، يبدو في الصورة علي يمينه شارون برأسه المصابة، ويساره حاييم بارليف، released to Public domain by the Israeli Defence Forces Spokesperson's Unit, Wikimedia. 


في ظل هذه الظروف، أصدرت الحكومة قرارًا بالنقاط الرئيسية التالية:

  • أ-الحكومة ككل لديها ثقة كاملة في رئيس الأركان دافيد العازار. إنها تقدر أفعاله قبل وأثناء الحرب.
  • ب-الحكومة ترفض تصريحات شارون حول الظروف التي يجب على القادة اتباع الأوامر في ظلها. وتعكس آراؤه في هذا الصدد أيديولوجية غير مقبولة للجيش الإسرائيلي
  • ج-سيتم التحقيق في المزاعم والانتقادات بشأن مسائل الحرب من قبل لجنة أغرانات. لذلك لا داعي لإثارة الاتهامات في الصحافة.
  • د-ينفي وزير الدفاع ورئيس الأركان كلام شارون حول "جمود" التفكير في الجيش الإسرائيلي، ويعتبرانه على أنه لا أساس له.
  • ه‍‍-كما رفض وزير الدفاع ورئيس الأركان مزاعم أن التعيينات في الجيش الإسرائيلي تتم بناءً على معايير سياسية.

الاستنتاجات:

استنتاجات "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي.


لدي إسرائيل الكثير من الخبرة في الأحداث الأمنية، بما في ذلك تلك التي أدت إلى حروب صعبة ومكلفة، وبطبيعة الحال تضمنت حروبها نجاحات واخفاقات (المعرفة للدراسات تصمم علي تسمية حرب أكتوبر ١٩٧٣ بهزيمة لإسرائيل علي الجبهة المصرية).


في جميع الأحوال نشأت خلافات داخلية بين العسكريين المشاركين في الحروب وبين المواطنين المدنيين.


في حرب فلسطين ١٩٤٨، كانت هناك خلافات داخلية حظيت بتغطية إعلامية كبيرة بين دافيد بن غوريون كرئيس للوزراء ووزير للدفاع، وقائدا قوات بلماح الإرهابية يسرائيل جليلي وآيغال ألون.


وفي العدوان الثلاثي "يسمي في إسرائيل بحملة سيناء" وقعت خلافات بين موشيه دايان الذي كان يشغل منصب رئيس الأركان في ذلك الوقت، وبين الجنرال عساف سامحوني قائد الجبهة.


وفيما قبل حرب الأيام الستة "هزيمة يونيو ١٩٦٧"، حدثت خلافات بين رئيس الأركان يتسحاق رابين وبين الجنرال يشعياهو غافيش قائد المنطقة الجنوبية "الجبهة المصرية".


كذلك حدث خلاف حاد خلال حرب لبنان الثانية بين رئيس الأركان دان حالوتس وقائد المنطقة الشمالية الجنرال أودي آدم.


لكن حرب الجنرالات التي صاحبت ولحقت بحرب يوم الغفران، ترجع أساسًا إلى الإحساس بالفشل (الهزيمة) الذي تسببت فيه، والخسائر الفادحة للجيش الإسرائيلي التي تكبدها خلالها.


كانت الاتهامات التي تبادلها كبار القادة فيها هي الأشد قسوة، كما أثارت استجابة كبيرة في صفوف الجمهور الإسرائيلي.


علاوة على ذلك، وأكثر من أي خلافات صاحبت أي حرب أخرى، فإن حرب الجنرالات عقب حرب أكتوبر ١٩٧٣، شهدت جهودا كبيرة لتوجيه الصراع بين الجنرالات إلي نطاق قانوني، وكان السبب الأساسي وراء ذلك هو تحييد الجنرال أرييل شارون، الذي كان عنصرا مركزيا في النقاشات التي دارت حول حرب يوم الغفران.


في النهاية أصبح من الواضح أن هذا الاتجاه نحو القانون، لم يكن مناسباً لـ "حل" الخلافات بين ضباط الجيش حول الأعمال والتصرفات في زمن الحرب.


إن من المشكوك فيه أن مثل هذه القضايا يمكن البت فيها بالكامل بأي شكل من الأشكال، سواء كان قانوني أو عسكري، وربما ينبغي تركها للنقاش العام والبحث التاريخي.


من الواضح أن مثل هذه الخلافات تسبب ضررا شديدا بصورة إسرائيل الرادعة في عيون أعدائها (المعرفة للدراسات: هذا بالضبط هدف الترجمة الرئيسي، وهو بيان مدى التخبط والشعور بفداحة الهزيمة الإسرائيلية في حرب أكتوبر ١٩٧٣، ولبيان أن الجيش الإسرائيلي له أخطاء كارثية، وتعيينات بالمجاملة السياسية، وقادة غير مؤهلين).


يتابع كاتب الدراسة والذي يشير تقريبا لما قلناه عن هدف المعرفة للدراسات من ترجمة هذه الدراسة، فيقول:
((في عصر يكون فيه النضال من أجل الرأي العام عنصرًا مركزيًا لتحديد النصر أو الهزيمة، فإن الصراع بين الجنرالات يشجع العدو بطرق مختلفة:


  • أ-إبراز اخفاقات الجيش الإسرائيلي في المعركة.
  • ب-التأكيد على حقيقة أن الرتب العليا في الجيش الإسرائيلي لا تعمل في جو من الوحدة والتعاون فيما بينها ومع المستوى السياسي.
  • ج-أن العديد من الخلافات بين الجنرالات تؤدي إلى فضح الأسرار الأمنية والعسكرية.


إن الثقافة والتشريعات القانونية في إسرائيل لا تشكل عائقا يمنع من اندلاع الحروب بين الجنرالات من ذلك النوع المرتبط بحرب يوم كيبور، ومن المفترض أن مثل هذه النزاعات ستظهر في حروب إسرائيل المستقبلية أيضا. ((المعرفة للدراسات: يتعامل كاتب الدراسة مع فكرة الحرب باعتبارها قدرا إسرائيليا لابد من وقوعه)).


من المتوقع كذلك أن تكون هذه الحروب بين الجنرالات مضرة بمصالح إسرائيل، وبالتالي، يبدو أن التشريعات القانونية الصارمة التي لا هوادة فيها هي وحدها القادرة على كبح هذه الظاهرة في المستقبل المنظور.

-----

تمت بحمد ﷲ ترجمة المعرفة للدراسات لهذه الدراسة كاملة.
في يوم الاثنين ٣٠ أغسطس ٢٠٢١.
الساعة ١٠،٤١ مساء.


مؤلف الدراسة البروفيسور زكي شالوم

كاتب الدراسة الإسرائيلي هو زكي شالوم، البروفيسور زكي شالوم هو زميل أبحاث أول في معهد الأمن القومي الإسرائيلي بجامعة تل أبيب، وأستاذ فخري في جامعة بن غوريون، ومحاضر كبير في كلية عسقلان الأكاديمية. في عام ٢٠٠٧، فاز البروفيسور شالوم بجائزة رئيس الوزراء لمساهمته في دراسة إرث دافيد بن غوريون .


توجه مؤلف الدراسة بالشكر إلي بن تسيون بوروتشوفيتش، وأميت عليمي، ويفيم ماغريل، وميشال بكشي، وشاي شوفال، وبن ميرو، الذين ساعدوه في بحثه.


اعتمدت الدراسة علي نحو ٥٠ مصدر، تنوعت من حيث تاريخ الصدور بين عامي ١٩٧٤ : ٢٠٢١، ومن حيث النوعية إلي وثائق حكومية وكتب ودراسات وتقارير ومنشورات صحفية.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -