زدني معرفة

"حرب الجنرالات" في إسرائيل بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣.. الجزء الثاني

 نشر "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي دراسة جديدة بعنوان "حرب الجنرالات بعد حرب يوم كيبور" ضمن المجلد ٢٤ من إصداراته، وقد قمنا في المعرفة للدراسات بترجمته ونقله إليكم، وهذا هو الجزء الثاني من هذا الجهد.


هذا ويمكنكم قراءة الجزء الأول من ترجمة المعرفة للدراسات لهذه الدراسة من هنا.


حرب يوم كيبور هو اسم حرب أكتوبر ١٩٧٣ في إسرائيل، بسبب اختيار المصريين والسوريين السادس من أكتوبر ١٩٧٣ موعدا للهجوم، والذي كان يوافق عيد يوم الغفران أو يوم كيبور، وهو اسم أهم وأقدس الأعياد الدينية اليهودية، والتي ترتبط دوما بتعطيل العمل في كافة نواحي الحياة في إسرائيل. 


معضلة:


شكلت المقابلات التي قام بها الجنرالات الإسرائيليين وعلي وجه الخصوص شارون لوسائل الإعلام عقب الحرب معضلة كبيرة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وقبل كل شيء لرئيس الأركان دافيد إليعازر.


شارون خلال معركة أبو عجيلة خلال حرب صيف العام ١٩٦٧،  Public Domain 


ذلك لأن شارون لم يكن مجرد جنرال ضمن عدة جنرالات في الجيش الإسرائيلي عندما اندلعت الحرب في العام ١٩٧٣.


كان شارون معروفًا للعامة بالفعل كقائد للوحدة ١٠١ كما حصل علي تكريم عسكري من قبل.


قاد شارون العديد من غارات الجيش الإسرائيلي في الخمسينيات من القرن الماضي ضد قطاع غزة، حيث كانت فصائل المقاومة الفلسطينية والتي تتلقي الدعم تسليحا وتدريبا من مصر تشن غاراتها ضد المستوطنات الإسرائيلية.


((المعرفة: شارك شارون في الهجوم علي سيناء في العدوان الثلاثي ضد مصر عام ١٩٥٦، ونال بعض الانتقادات لاندفاعه الهجومي خارج التعليمات التي وجهت إليه، بينما اثني عليه البعض في إسرائيل واعتبروه شجاعا، كما قاد إحدي الفرق الإسرائيلية التي هاجمت سيناء في الخامس من يونيو ١٩٦٧)).


علي مدار تلك السنوات، وعبر كل تلك المعارك، شارك شارون في وضع العقائد القتالية الأساسية للجيش الإسرائيلي.


وعقب حرب أكتوبر ١٩٧٣، نظرت إليه قطاعات كبيرة من الجمهور الإسرائيلي، باعتباره قائد عسكري جريء وماكر أحدث تغييرا حاسمًا في حرب يوم الغفران من خلال عبور القناة. ((المعرفة: فشل شارون في تحقيق هدف عبور فرقته للقناة ولم يستطيع دخول مدينة الإسماعيلية، ويمكنكم مطالعة الجزء الأول من الدراسة من هنا، لمعرفة تقييم مركز الدراسات الإستراتيجية في لندن، لهجوم شارون، ووصف فشله العسكري، وخطأه التكتيكي في شن الهجوم من الأصل)).


يصف الصحفيان غادي بلوم ونير حفيز، تلك الفترة في إسرائيل بأنه عقب وقف إطلاق النار، بلغت شعبية شارون إلي آفاق جديدة، وبالنسبة للعديد من الإسرائيليين كان أريئيل (أريك) شارون هو الرابح الأكبر من تلك الحرب.


أدرك الجنرالات في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية محدودية قدرتهم على كبح جماح شارون.


كانت النقطة الأساسية التي يعتمد عليها شارون، أنه لو حاول الجنرالات منعه من الكلام، فسيُنظر إليهم على أنهم يحاولون منع النقد المشروع لأوجه القصور الخطيرة التي تم الكشف عنها خلال الحرب.


في الشارع الإسرائيلي:


بطبيعة الحال، فعلى خلفية الخلافات الشديدة المتعلقة بحرب يوم الغفران، وإدراك العديد من أعضاء الحكومة الذين شاركوا بشكل مكثف في عملية صنع القرار التي أدت إلى الحرب أن حياتهم السياسية قد تتعرض للخطر.


كان التفاعل العام مع تصريحات شارون واسعا للغاية، كثيرون في إسرائيل كانوا يتفقون مع آرائه، بينما رفضها كثيرون آخرون وبشكل قاطع. قلة بقيت غير مبالية بما يقال من أي شخص من الجيش.


منتقدو شارون كانوا يجادلونه بأن كل تصريحاته كانت تصريحات سياسية، كانت مدفوعًة أساسًا باعتبارات سياسية شخصية، وليست من منطلق التحليل العسكري المهني.


بصرف النظر عن ذلك، قال منتقدو شارون أنه حتى لو كان محقًا في بعض مزاعمه بشأن الحرب، فإنه لم يكن من المناسب أن يتحدث عنها أثناء الحرب ذاتها، أو حتى بعد فترة وجيزة من انتهائها، لا سيما أن موضع النقد هم الضباط الذين قاتلوا معه كتفا بكتف في حرب مليئة بالدماء والعرق والدموع.


فنجد علي سبيل المثال الصحفي دانيال بلوخ يكتب: "لن نجد أي جيش يسمح بنشر الخلافات العسكرية والسياسية على الملأ بعد الحرب، وأنا لا أعرف من بدأ تلك الخلافات. لكن فحتى لو كان معارضو شارون هم من بدأو ذلك، فلا مبرر لإجراءه مقابلات تشهيرية سواء في الصحافة الأجنبية أو في الصحافة المحلية، تضر بسمعة العديد من الضباط الذين كانوا على استعداد للتضحية بأرواحهم من أجل الدولة".


لكن بلوخ في انتقاده لشارون لم يبين كيف كان من المفترض أن يدافع شارون عن اسمه ضد العديد من منتقديه ومنتقدي سلوكه في المعارك.


دراما سياسية:


بينما كان الجنرالات يخوضون حرب تبادل الاتهامات عن المسؤوليات في الحرب، كانت تجري وراء الكواليس دراما سياسية غير مسبوقة.


كان ما يحدث يجري في السر، لا يعرفه عامة الناس، بل وربما أيضًا كان سرا بالنسبة للعديد من وزراء الحكومة.


في ١٦ يناير ١٩٧٤، نقل الرئيس السادات رسالة شفوية إلى رئيسة الوزراء جولدا مئير حملها إليها وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر.


قال الرئيس السادات في رسالته أنها أول رسالة من رئيس مصري إلي زعيم إسرائيلي، وأضاف فيها:

((عندما بدأت مبادرتي السياسية في عام ١٩٧١، كنت أعني ذلك. وعندما هددت بالحرب ، كنت أعني ذلك. والآن عندما أتحدث عن سلام كامل بيننا، فإنني أعني ذلك. في السابق لم يكن هناك أي اتصال بيننا. الآن لدينا كيسنجر، الذي نثق به سويا. أقترح أن نستخدم خدماته ونجري حوارًا من خلاله، وبالتالي لن نفقد الاتصال ببعضنا البعض)).


جولدا مائير تضحك بعدما تذكرت هي والرئيس السادات وصفه لها قبل حرب أكتوبر بالعجوز، الصورة من زيارة الرئيس السادات لإسرائيل


في أقل من ٤٨ ساعة، جاء رد جولدا مائير في ١٨ يناير ١٩٧٤، مرة أخرى عبر كيسنجر وصل الرد إلي السادات. وكتبت فيه جولدا مائير: "إنني أدرك تمامًا أهمية الرسالة الموجهة إلى رئيس وزراء إسرائيل من رئيس مصر".


وأضافت رئيسة الوزراء الإسرائيلية: "لقد منحتني رسالتكم الكثير من الرضا. واني آمل أن تستمر هذه الاتصالات بيننا وأن تؤدي إلى منعطف في علاقاتنا، ومن ناحيتي، سأبذل قصارى جهدي لخلق الثقة والتفاهم بيننا، فكلا شعبينا بحاجة إلي السلام، وإنه من الواجب علينا أن نوجه كل جهودنا نحو تحقيق السلام، ونحن محظوظون بوجود كيسنجر، الذي نثق به كلانا، والمستعد للمساهمة بمهاراته وحكمته نحو تحقيق السلام".


كان ذلك ما يدور علي أعلى مستوى من السرية، أما علي مستوى وسائل الإعلام، فلقد كانت التقارير تتحدث بأن العالم العربي كان يأمل في بقاء حكومة غولدا مائير في السلطة. ففي وجودها ستزيد الفرص في تحقيق تسوية سياسية في المنطقة.


كان من المرجح أن مئير ودايان كانا يأملان في أن يتمكنا من الترويج لتسوية سياسية مع مصر من شأنها أن تكفر عن هزائم حرب يوم الغفران.


مع ذلك، كانت مشاعر العداء في الشارع الإسرائيلي تجاه حكومة مائير التي اسميت "حكومة الفشل" أكبر مما ينبغي.


الغضب، والانفعالات الشديدة لم تمنح حكومة جولدا مائير أي فرصة للبقاء في السلطة.


من المستحيل الآن معرفة ما إذا كانت فرصة ذهبية لتحقيق تسوية سياسية عربية إسرائيلية فور انتهاء الحرب، قد ضاعت بسبب الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت إسرائيل في ذلك الوقت.


مداولات الحكومة:


كانت تصريحات أريئيل (أريك) شارون، على جدول أعمال اجتماع الحكومة الإسرائيلية في ٢٧ كانون الثاني (يناير) ١٩٧٤.


وفقا لمحضر ذلك الاجتماع، فلقد غطت النقاشات حول تصريحات شارون أكثر من سبعين صفحة، ظهر فيها بوضوح أن ما يقوله شارون، وما في خلفيته من احتجاجات شعبية متزايدة ضد "حكومة الفشل"، أدي لتعزيز مكانة شارون سياسيا، ولقد أثر ذلك علي أعصاب الحكومة التي كانت حساسة للغاية في تلك الفترة.م


من الصعب الآن أيضا أن نفهم لماذا انجرف وزراء الحكومة إلى مثل هذا النقاش الواسع النطاق حول تصريحات شارون، عندما كان واضحًا لهم أن حقيقة أن مثل هذا النقاش والدعاية المتزايدة له من شأنه أن يتسبب بالضرورة في سلسلة من ردود الفعل. ((المعرفة للدراسات: إبداء هذا الرأي حاليا قد يبدو منطقيا، أنه كان من الأفضل للحكومة أن تترك شارون يصرح وسينتهي الأمر بعد مدة طالت أم قصرت، لكن الأمر لم يكن بهذا الوضوح في ذهن حكومة خرجت لتوها مهزومة في الحرب، وتتسم أعصابها بالحساسية الشديدة كما ذكرت هذه الدراسة التي نترجمها)).


بشكل عام، كان من المؤكد أن هذه النقاشات ستعزز القوة السياسية والقوة العامة للموضوع الرئيسي للنقاش، وهدفه الرئيسي للنقد، إنه أرييل شارون.


رئيسة الوزراء جولدا مائير:


افتتحت رئيسة الوزراء جولدا مائير الاجتماع بإبداء الشكوى والضيق من الوزراء الذين سربوا لوسائل الإعلام المواضيع التي سثتار في اجتماع الحكومة. فقالت: "أشعر بالغضب عندما أدركت أن المواضيع التي نرغب في طرحها في جلسة الحكومة قد تسربت إلى الصحافة قبل انعقاد الجلسة".


وأضافت في وقت مختلف -تقصد فترة ما قبل الحرب-، لم أكن لأسمح لهؤلاء الوزراء لعرض قضيتهم. لكن فبسبب خطورة التصريحات التي أدلى بها شارون، هذه المرة سأسمح بإثارة الحجج وما قاله".


ثم حذرت غولدا مائير الوزراء من أنها لن تسمح لهم في المستقبل بالحديث في هذا الموضوع.


والحقيقة، فمن المشكوك فيه أن جولدا مائير كانت تعتقد أن تهديداتها كانت فعالة في الظروف التي أعقبت الحرب. فبسبب الحرب تضررت مكانتها السياسية والعامة وقدرتها على فرض سلطتها على الوزراء بشدة.


كما أصبحت الساحات العامة حيث يقف المحتجون، ووسائل الإعلام متاحة لجميع السياسيين، وتقلص حضور المسؤولين الرسميين سواء من الحكومة أو الكنيست.


في السياسة، لا يمكن لوزير أن يتجاهل أهمية الساحات العامة، حتى لو كانت مضرة بالعمل العادي للحكومة، وبقدرة الوزراء على مناقشة الأمور بتكتم.


وضعت انتقادات شارون، رئيسة الوزراء مائير في موقف صعب تتعارض فيه المصالح. ذلك لأن مزاعم شارون في حقيقتها تركزت على رئيس الأركان آنذاك إليعازر وسلفه بارليف، وهذا كان ملائما جدا لها ولوزير الدفاع ديان، إذ يخلصهما من جزء كبير من المسؤولية.


المطبخ احترق:


بعد الحرب، حتى أقرب المقربين لجولدا مائير، وهو يسرائيل جليلي، حاول التخلص من وصمة العار لكونه عضوًا في "مطبخ جولدا".. وهو اسم المقربين من رئيسة الوزراء الإسرائيلية في عملية صنع القرار. كان المطبخ قد احترق بكل ما فيه. (كان المطبخ يضم في عضويته بشكل رئيسي جولدا ذاتها، ومعها دايان، ويسرائيل جليلي).


 جولدا مائير وموشيه دايان في حفل تخريج مدرسة القيادة الداخلية الإعدادية للجيش الإسرائيلي، ٢٢ يوليو ١٩٦٩، Israel Press and Photo Agency (I.P.P.A.), from Dan Hadani, Wikimedia Commons by the National Library of Israel


لقد حملهم الكثيرون مسؤولية عملية اتخاذ القرارات غير المناسبة قبل وأثناء الحرب.


جاء ذلك في أعقاب مقالة انتقادية كتبها البروفيسور شلومو أفينيري الذي كتب يقول: ((خلال حقبة جولدا مائير، أصبحت الحكومة مجرد هيئة هامشية، وانخفضت مكانتها نوعا ما.


أما الهيئة الأقوي، والتي اتخذت فيها القرارات الحقيقية فكان "مطبخ جولدا مائير"، الذي كان يتألف من رئيسة الوزراء جولدا مئير، ووزير الدفاع موشيه دايان، والوزير بلا حقيبة يسرائيل غليلي. هنا فقط كانت تتخذ القرارات الهامة.


لقد وصل هذا الاتجاه في طريقة إتخاذ القرار، إلى ذروة كارثية قبل حرب يوم الغفران، لقد تمثلت الوقاحة والغطرسة في ذلك الأمر أنهم افترضوا بأن الرؤي السياسية حكرا علي عدد قليل من الناس، وأنه لا توجد حاجة للتشاور، كان ذلك أسوأ أنواع المشورة السيئة)).


في ذلك الوقت، كانت انتقادات شارون تضع رئيسة الوزراء في موقف صعب، تتعارض فيه المصالح، وذلك لأن ما قاله شارون في حقيقته كان يركز على رئيس الأركان آنذاك إليعازر وسلفه حاييم بارليف، وهذا كان ملائما جدا لها ولوزير الدفاع ديان، إذ يخلصهما من جزء كبير من المسؤولية.


وكسياسيان مخضرمان، يبدو أن مائير وديان قد استغلا ذلك بالفعل، إذ ركزا في دفاعهما عن نفسيهما أمام (لجنة أغرانات)، وهي لجنة قضائية تشكلت في إسرائيل للتحقيق في عوامل هزيمة إسرائيل في حرب أكتوبر ١٩٧٣، وترأس اللجنة رئيس المحكمة العليا آنذاك، القاضي شمعون أغرانات، والتي سميت علي اسمه، وضمت في عضويتها قاضي المحكمة العليا موشي لندوي، ورئيسي الأركان المتقاعدين يغئال يدين وحاييم لاسكوف ومراقب الدولة اسحق نيفنتسئيل.


ففي دفاعهما عن نفسيهما أمام اللجنة، تحدثا عن الحاجة إلي التمييز بين مسؤولية السياسيين ومسؤولية العسكريين. 


تم الجزء الثاني بحمد ﷲ.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-