هل كان من الممكن أن تطبق حماس خطة خالد بن الوليد في معركة اليرموك؟

في صباح يوم السابع من شهر أكتوبر عام 2023، انطلق مقاتلي كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس لبدء هجوم كبير على الأراضي الفلسطينية المحتلة فيما عرف فيما بعد باسم (معركة طوفان الأقصى).

الحرب علي قطاع غزة
مجموعة من الجنود الإسرائيليين خلال الهجوم البري على قطاع غزة أو عملية (السيوف الحديدية) بمسماها الإسرائيلي، IDF Spokesperson's Unit photographer، public domain.

في غضون عدة أيام، كان مقاتلي حماس قد تراجعوا من داخل الأراضي التي توغلوا فيها، منتظرين بدء الهجوم البري للجيش الإسرائيلي والذي أنطلق بالفعل قبل نهاية نفس الشهر (أكتوبر 2023).

في مكان آخر لا يبعد كثيرا عن غزة، وقبل 1388 عاما من بدء طوفان الأقصى، وبالتحديد في 20 أغسطس عام 636، وقعت ((معركة اليرموك)) حينما هزمت جيوش المسلمين بقيادة ((خالد بن الوليد)) جيش الإمبراطورية البيزنطية.

ما هي نقاط الاتفاق بين معركة اليرموك والقتال في غزة؟:

إن أول وأهم نقطة اتفاق هي (الاختلال الشديد في موازين القوة) بين الطرفين.

الجميع يعرف التفوق العسكري الكاسح للجيش الإسرائيلي على مقاتلي كتائب القسام.

نفس هذا الأمر كان في معركة اليرموك، فنحن نتحدث عن جيش أقوى دولة في العالم وقتها، وقد جمع أكبر قدر ممكن من قوته بهدف تحقيق النصر على المسلمين الذين يحققون انتصارات متتالية عليهم وعلى الفرس، حتى وصل عدده إلى 250 ألف مقاتل في مواجهة نحو 30 ألفا من المسلمين.

فلسفة خطة خالد بن الوليد في معركة اليرموك وتطبيقها على غزة:

لكل خطة عسكرية فلسفة أو ((هدف)) يريد القائد الذي يضعها أن يحققها من خلال تنفيذ هذه الخطة بنجاح.

ولعلنا سنفهم فلسفة وهدف خالد بن الوليد من خطته عندما نقرأ ما قاله في لقاءه بقادة الجيش المسلم قبل المعركة: ((هلموا، فإن هؤلاء قد تهيئوا، وإن هذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلي خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها)).

إذن قصد خالد بن الوليد ما يعرف في العلوم العسكرية باسم ((الثبات والتمسك بالأرض)).

خالد بن الوليد
صورة لشخصية القائد المسلم (خالد بن الوليد) من مسلسل عمر.

وكان الهدف من وراء ذلك هو شعور جنود الجيش البيزنطي بتفوقهم الكاسح على جيش المسلمين وأنهم لن يصمدوا أمامهم، فإذا وجدوا العكس وأن المسلمين ثابتين في مواقعهم لا يتراجعون، فإنهم سيدخلون سريعا في مرحلة شك في قدراتهم، ثم الهزيمة النفسية، ثم الهزيمة الفعلية.

طلب خالد بن الوليد من الجيش الثبات في مواقعه .. فأنتهت اليرموك في ستة أيام فقط بنصر عظيم لجيش المسلمين وفتح لبلاد الشام.

هذه الخطة كانت هي خطة جيش المسلمين في معركة اليرموك، تلك التي تعد واحدة من أعظم معارك التاريخ بلا منازعة.، لذا فلقد نظرنا فيها اليوم من جديد.

هل كان من الممكن لحماس أن تطبق خطة خالد بن الوليد في معركة اليرموك؟:

دعونا نفكر في الأمر بعض الشيء.

لقد بنت حماس خطتها على أنها ستخوض أساسا ((حرب عصابات))، ولعل هذا ما توقعه الجيش الإسرائيلي فوجده، ولعل هذا ما تنبأ به الكثير من المحللين العسكريين في العالم، باستثناء قلة قليلة قالت قبل الهجوم البري الإسرائيلي على غزة في نهاية أكتوبر 2023 أن على حماس أن تتمسك بالأرض.

من بين هؤلاء اللواء الأردني الشهير (فايز الدويري)، والذي بني وجهة نظره تلك على سبب عسكري مهم وهو (صغر مساحة قطاع غزة)، لذا فإنه يجب الدفاع عن كل شبر فيه بشراسة.

ولكن يمكن هنا إضافة بعض الأسباب الأخرى التي كانت تجعل هناك إمكانية لتطبيق خطة خالد بن الوليد -رضي الله عنه- في معركة اليرموك هناك في معركة غزة:

١- المفاجاة: فطالما كان الفكر العسكري كله يذهب إلى قتال الشوارع وحرب العصابات، فكانت المفاجأة ستحدث باستخدام قتال التمسك في الأرض، ورد الإسرائيليين على أعقابهم، وهذه بالضبط واحدة من عبقريات خالد بن الوليد في اليرموك، أنه تصرف بالضبط عكس ما توقعه منه عدوه.

الاجتياح الإسرائيلي البري لقطاع غزة
هذه الصورة التقطت في يوم 1 نوفمبر 2023، سادس أيام الاجتياح الإسرائيلي البري لغزة، وفقا لتطبيق خطة معركة اليرموك فإن تجمع الدبابات والمدرعات الإسرائيلية لم يكن سيسمح به أصلا، IDF Spokesperson's Unit photographer، public domain.

٢- الصدمة: كانت النتيجة التالية للمفاجاة هي صدمة الجنود والمجتمع الإسرائيلي كله من طريقة القتال، وليس هذا فحسب، بل إن الإعداد والتدريب للمقاتلين ولأرض المعركة نفسها على أساس إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي (بالعشرات يوميا وربما أكثر)، كان سيجعلنا أمام أمرين:

  • الأول: هو وقف القتال لأن إسرائيل لا ترتدع إلا بالقتال ضد خصم قوي يجعلها تدفع فاتورة خسائر بشرية ضخمة.
  • الثاني: تدمير قدرات حماس العسكرية: وهو احتمال لا يمكن إغفاله، لكن في تلك الحالة تأكد أن حماس كانت ستوقع بالجيش الإسرائيلي خسائر أضعاف ما أوقعته طيلة فترة الحرب البرية وقد وصلنا الآن إلى شهرها التاسع.

٣- تقليل خسائر المدنيين: بتطبيق الاحتمالين السابقين، كانت الحرب ستنتهي وكانت فاتورة القتلى والجرحى من المدنيين في قطاع غزة ستقل إلى حد كبير للغاية.

الواقع العملي:

  • اليوم الأول: 27 أكتوبر:

بدأ الهجوم البري الإسرائيلي يوم 27 أكتوبر 2023، بالتحديد على بلدتي بيت حانون والبريج، كما نفذت وحدة الكوماندوز التابعة للبحرية الإسرائيلية، شايطيت 13، غارة على قوات حماس البحرية خلال الليل.

هذه الهجمات والتي بدت استكشافية في البداية، لو كانت قوبلت بدفاع عنيف ومكثف وبقوة كبيرة توقع عشرات القتلي .. هل كان من الممكن أن تختلف الموازين والحسابات؟.

دعونا نري ماذا فعل خالد بن الوليد في اليرموك وكان الموقف متماثلا بشكل لا يصدق.

لقد قسم قواته كلها إلى 36 كتيبة، كل كتيبة مكونة من 800 : 900 مقاتل، ووزعهم على 3 صفوف فقط، ومن خلفهم قوة بقيادة خالد بن الوليد نفسه، تتكون من الخيول لدعم أي موقع قد يحدث به خلل -في حين كان جيش الروم على 30 صف-.

معركة اليرموك
لوحة تمثل القتال في معركة اليرموك بين المسلمين والبيزنطيين، Nouvelle française 886 fol. 9v، public domain.

فلما أراد (ماهان) حاكم أرمينيا وقائد جيش الروم في اليرموك بدأ الحرب، أرسل قوة من المسيحيين العرب بقيادة (جبلة بن الأيهم) لاستكشاف قوة المسلمين، فتصدت لهم القوة المتحركة بعنف وردتهم على أعقابهم.

لكن هذا لم يحدث في غزة، واستولي الإسرائيليين على أول جزء من أراضيها، وأعلن نتنياهو في اليوم التالي (28 أكتوبر) أن المرحلة الثانية من الحرب قد بدأت.

  • اليوم الثاني: 28 أكتوبر:

وبالفعل في 28 أكتوبر بدأ الجنود الإسرائيليين يتقدمون من ثلاث محاور من الشمال الشرقي بالقرب من بيت حانون، ومن الشمال الغربي بالقرب من بيت لاهيا، ومن الشرق بالقرب من جحر الديك.

لكن المفارقة أن نفس الشيء حدث في (معركة اليرموك) وأيضا في يومها الثاني، عندما استطاع جيش الروم البيزنطيين إجبار الميمنة بقيادة شرحبيل بن حسنة وميسرة جيش المسلمين بقيادة أبو عبيدة بن الجراح على التراجع.

لكن خالد بن الوليد كان قد وضع في حساباته ذلك.

النساء، وكان قد تركهن خلف الجيش يلتقين بمن يرونهم تاركين مواقعهم ليردونهم للقتال مرة أخرى، وكانت تلك هي الناحية النفسية.

أما الناحية العسكرية، فتحرك بالخيالة كما قلنا التي كان قد تركها كاحتياطي بقيادته فعاد جناحي جيش المسلمين إلي مواقعهما بعد يوم كان ثقيل جدا على جيش المسلمين وسقط فيه الكثير من الشهداء.

  • اليوم الثالث: 29 أكتوبر:

في اليرموك، تركز هجوم الروم على الميمنة التي كانت بقيادة (عمرو بن العاص) ما أجبره على التراجع، وأصاب التراجع قوات (شرحبيل بن حسنة) أيضا والذي كان على قلب الميمنة.

الاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة (2023 - 2024)
صورة التقطت في أوائل أيام نوفمبر 2023 في مطلع العملية البرية للجيش الإسرائيلي في غزة، يظهر فيها الجرافة D9R وعلى يمينها مهندس عسكري إسرائيلي، كما يظهر أمامها دبابتين من طراز ميركافا الإسرائيلية الصنع، IDF Spokesperson's Unit photographer، public domain.

وتطبيقا لفلسفته تدخل خالد بن الوليد بقيادة مجموعته سريعة الحركة لدعم الميمنة، كما أمر الخيالة فهاجموا يسار الروم بالالتفاف عليه.

في النهاية تراجع الروم إلى مواقعهم الأصلية، ونجح ابن الوليد في الحفاظ على خطته وتأثيرها الذي بدأت آثاره تظهر على الروم الذين كانوا في حالة من عدم التصديق.

ما حدث في غزة في ثالث أيام القتال كان يمكن البناء عليه لتطبيق خطة معركة اليرموك بالفعل، فقد اشتبك مقاتلي حماس مع دبابات إسرائيلية في شارع صلاح الدين وأجبروها على التراجع بحسب ما نقله (معهد دراسة الحرب الأمريكي ISW).

فكان من الواجب هنا حسب خطة خالد بن الوليد في اليرموك أن يندفع مقاتلي حماس لإكمال القتال ورد القوات الإسرائيلية مسافات إلي الوراء، ولما لا إخراجهم من غزة والعودة لمواقع القتال في اليوم الأول.

  • اليوم الرابع: 30 أكتوبر:

في اليرموك، وكخطوة استباقية، ولمعرفته بأن الروم قد يستغلون ما حدث في اليوم السابق من خسارة كبيرة لميمنة المسلمين، فأمر الميسرة بقيادة أبا عبيدة ومعه فيها يزيد بن أبي سفيان بالهجوم لإشغال الروم وتخفيف الضغط الشديد على عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة في الميمنة.

وحتى على اليمين، اشتد رمي الروم بالنبال والأسهم حتى فقد الكثير من جيش المسلمين عيونهم، ومنهم أبو سفيان بن حرب.

وفي هذا الوقت العصيب نادي (عكرمة بن أبي جهل) على الناس بالتطوع للشهادة، فهب معه 400 من المسلمين، وشنوا هجوما فدائيا سيذكره التاريخ لأن هؤلاء الأربعمائة فقط أوقفوا تقدم جيش الروم تماما، وقد استشهد فيه عكرمة نفسه على قدمي خالد بن الوليد بعد إصابات شديدة نالته.

في غزة، وعلى عكس خطة معركة اليرموك، تعمقت القوات الإسرائيلية في شارع صلاح الدين وأغلقته تماما، وهو لمن لا يعرف شارع رئيسي يربط بين شمال وجنوب قطاع غزة، كما شوهدت دبابات إسرائيلية في حي الزيتون بمدينة غزة.

وفي شمال غرب غزة اشتبكت كتائب القسام وكتائب المقاومة الوطنية التابعة للجبهة الديمقراطية مع القوات الإسرائيلية، وقصفت كتائب المقاومة الوطنية آليات إسرائيلية بقذائف الهاون الثقيلة، لكن لم يحدث أي هجمات قوية وبمئات من المقاتلين على غرار ما فعله (عكرمة) ومن معه، وبالتالي تمكن الإسرائيليين من السيطرة على مساحات أكبر من الأرض.

التقييم النهائي:

الاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة
جرافات الجيش الإسرائيلي من نوع D-9 وهي تشق طريقا في داخل قطاع غزة، أيضا إذا طبقنا خطة معركة اليرموك هنا، فلم يكن من الجائز تركها بدون الهجوم عليها، IDF Spokesperson's Unit photographer، public domain.

في النهاية، فإن هذه مجرد دعوة للتفكير، ليست للنقد ولا الانتقاص.

إن الفائدة من التاريخ يمكن أن نتحصل عليها من مقولة المؤرخ المصري الراحل (قاسم عبده قاسم) صاحب كتاب (ماهية الحروب الصليبية) ومدرس التاريخ في الجامعات المصرية والكويتية: (التاريخ يحمل في داخله نوعاً من الإنذار المبكر لمن يعرفون كيف ينصتون إليه أو يحسنون قراءته).

والسؤال لكم أنتم الآن .. هل كان من الممكن أن تطبق حماس خطة خالد بن الوليد في معركة اليرموك؟.

المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات الإستراتيجية والسياسية، هي محاولة عربية جادة لتقديم أهم الأخبار العربية والعالمية مع التركيز علي تحليل مدلولاتها، لكي يقرأ العرب ويفهمون ويدركون. نمتلك في المعرفة للدراسات عددا من أفضل الكتاب العرب في عديد من التخصصات، لنقدم لكم محتوى حصري وفريد من نوعه. facebook twitter
تعليقات