هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر .. نتائجها وأبرز الأسلحة المستخدمة في تنفيذها

في السابع والعشرين من يناير عام 2024، كان العالم يتناقل صور ناقلة النفط (مارلين لواندا) وهي مشتعلة بعد تعرضها للهجوم في خليج عدن، الممر المائي المؤدي إلى البحر الأحمر.

هجمات الحوثيين على السفن
لقطات مجمعة لاستهداف سفينة (مارلين لواندا) وهي ناقلة نفط بريطانية، وقع الهجوم في خليج عدن بتاريخ 26 يناير 2024، Sam Al-Sabri، CC0 1.0، via wikimedia commons.

سفن مصابة وتشتعل فيها الحرائق، وأخرى تهبط المروحية على سطحها ويتم الاستيلاء عليها، وأعدادا هائلة من الصواريخ المتطايرة تهاجم هذه السفينة أو تلك، إنها (هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر).

حملت تلك الهجمات كذلك اسم (أزمة البحر الأحمر The Red Sea crisis)، وأدت إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية، وزيادة أسعار وتكاليف الشحن، وتثير الخوف حاليا من أنها قد تتسبب في حدوث تضخم اقتصادي عالمي من جديد.

جذور مشاكل البحر الأحمر:

تبدو تلك الهجمات الأخيرة مجرد أحدث حلقة تعرض من مسلسل أكشن مروع تدور أحداثه في البحر الأحمر منذ سنوات.

في البداية شاهدنا حوادث خطف السفن واحتجاز الرهائن من قبل القراصنة، ثم الهجمات البحرية المتبادلة بين الإيرانيين والإسرائيليين.

هذا البحر نفسه هو ممر هام لحركة مهربي الأسلحة والمخدرات، كل هذا كان يحدث قبل الهجمات الأخيرة المرتبطة بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والتي شنتها جماعة (أنصار الله) الشيعية اليمنية.

للمفارقة فإن المدخل الجنوبي للبحر الأحمر (باب المندب) يحمل اسما مثيرا للاهتمام وبشدة.

كلمة (المندب) تعني (المناحة) أو (الرثاء) على الميت، حتى الاسم يترابط مع ويشرح حالة التراجيديا التي يعيشها هذا البحر.

هجمات البحر الأحمر:

وأخيرا، في منتصف نوفمبر 2023 (بالتحديد يوم 19 نوفمبر)، ومع توسع العدوان، أعلنت جماعة الحوثي اليمنية والمدعومة إيرانيا عن غلق البحر الأحمر وبالتحديد مضيق باب المندب في وجه سفن الشحن الإسرائيلية.

هجوم حوثي على سفن بالبحر الأحمر
سفينة الشحن جالكسي ليدر المملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي أبراهام أونغار، والمعروف بدعمه اليمين المتطرف في إسرائيل، متخصصة في شحن السيارات والدراجات النارية والشاحنات، تم اختطافها بواسطة الحوثيين هي ومن عليها من طاقم بلغ عدده 25 فرد في 19 نوفمبر 2023، صورة الاقطت لها في ميناء بريمرهافن الألماني، Garitzko، public domain via wikimedia commons.

بدأ تحرك الحوثيين بالاستيلاء على سفينة الشحن (جالكسي ليدر) عبر إنزال مسلحين عليها بواسطة طائرة هليكوبتر، ثم سحبها من عرض البحر إلى قبالة سواحل اليمن وبالتحديد عند ميناء الحديدة.

هذا الهجوم بالتحديد وبرغم نجاحه الباهر، لم يكن هو المفضل لدي الحوثيين، وربما لأن نجاحه كان استثنائيا أرادوا أن لا يكرروه حتى لا تكون ردود الأفعال ضدهم عنيفة لدرجة سحقهم.

خطط زعيمهم (عبد الملك الحوثي) إذن لمعركة إشغال واستنزاف .. بدأت أهدافها بالسفن الإسرائيلية أو المملوكة لشركات إسرائيلية فقط ثم توسعت لتشمل أي سفينة متجهة إلى إسرائيل، ثم توسعت مرة أخرى لتشمل سفن أي دولة تدعم إسرائيل في حربها ضد غزة.

لكن كيف فعل ذلك بالفعل؟.. للإجابة عن هذا السؤال علينا أن نلقي نظرة على الصواريخ البحرية التي في جعبته.

صواريخ الحوثيين المضادة للسفن:

في غضون سنوات قليلة، امتلك الحوثيين في اليمن مجموعة متنوعة بشكل ملحوظ من الأسلحة المضادة للسفن، شملت صواريخ كروز وصواريخ باليستية، بالإضافة إلى طائرات انتحارية بدون طيار kamikaze drones.

هذه الصواريخ تأتي بشكل مباشرة عبر طهران، العاصمة الإيرانية، بجانب ما أستولى عليه الحوثيين وقت إنقلابهم صيف العام 2014، من أسلحة كانت تخص الجيش اليمني.

تشمل هذه الأسلحة بعض الصواريخ القديمة المضادة للسفن التي كانت اليمن قد اشترتها من الاتحاد السوفيتي، وعدد آخر من الصواريخ الصينية، الأحدث قليلا من نظيرتها السوفيتية.

هذا يعني أن الحوثيين يمتلكون تلك الصواريخ منذ عشر سنوات وهي مدة كافية للغاية إذا كانوا قد أعدوا عدتهم لتدريب أطقم على استخدامها بكفاءة، وهذه الصواريخ هي:

تفاصيل هجمات الحوثيين على حركة السفن في البحر الأحمر وخليج عدن
قبل نحو ستين عاما، استخدم المصريين صاروخا يمتلكه الحوثيين الآن في إغراق أقوى قطع البحرية الإسرائيلية وقتها إيلات INS Eilat، صورة من קודקוד צהוב، CC BY-SA 3.0، via wikimedia commons.

  • صواريخ P-21: سوفيتية الصنع.
  • صواريخ P-22 (RS-SSC-3 Styx): سوفيتية الصنع، وهذا الطراز هو أول صاروخ في تاريخ القوات البحرية في العالم يستخدم بالفعل لإغراق قطعة بحرية، وكان ذلك في أكتوبر عام 1967 حينما أغرقت لنشات الصواريخ المصرية المدمرة الإسرائيلية إيلات قبالة سواحل مدينة بورسعيد المصرية، في حين تشير مصادر أخرى أن المصريين نجحوا في ذات اليوم في إغراق مدمرة ثانية بنفس نوع الصاروخ، وإن كانت إسرائيل لا تعترف إلا بإغراق إيلات فقط.
  • صواريخ C-801 (YJ-81/CH-SS-N-4 Sardine): وهي صواريخ صينية أحدث قليلا من سابقيها السوفيتيان.
  • صواريخ Rubezh B21/B22: صواريخ روسية حديثة.
  • صواريخ المندب: صواريخ إعلن عنها لأول مرة عام 2017، ويقال إنها صناعة محلية.

هذه الصواريخ وخصوصا القديمة منها، غير معروف الأعداد التي يمتلكها الحوثيين منها، بخلاف أنه من غير المعروف أيضا ما هي الأعداد التي لا تزال صالحة للاستعمال بالفعل بعد كل تلك السنوات في المخازن.

لكن إذا تحدثنا بلغة الأرقام سنجد أنه وحتى منتصف فبراير 2024، هاجم الحوثيين 43 سفينة، أصابوا 21 منها، ما يعني أنهم قادرين على إصابة نصف أهدافهم وهذه نسبة لا يستهان بها على الإطلاق.

وبالرغم من أنهم لم يغرقوا بشكل كامل إلا سفينة واحدة فقط، فإن هدف إغراق السفن ليس هو هدفهم الرئيسي أصلا، وسنعرف ذلك معا عندما نكتشف تأثير هجماتهم في السطور التالية.

أيضا فقد أوضح الحوثيين أنه لا أحد مستثنى من نيرانهم عند هاجموا حتى السفن الأمريكية، بداية من مطلع يناير هذا العام 2024.

تأثيرات أزمة البحر الأحمر:

في غضون أسابيع، تصاعد الوضع، وبدأ في التأثير سلبًا على الشحن والتجارة العالمية، مهددا حتى شحنات الغذاء المتجه إلي بعض الدول.

ماذا فعل الحوثيين في البحر الأحمر؟.
في حالة غريبة من سوء الحظ، وجد المصريين أنفسهم عالقين في نتائج أزمة البحر الأحمر، حيث تأثرت قناة السويس أهم ممر مائي في العالم وبشدة من تأثير هجمات الحوثيين على السفن، Baycrest - Wikipedia user - CC-BY-SA-2.5 / Baycrest - 維基百科用戶 - CC-BY-SA-2.5.

أدي ذلك أيضا إلى تحويل العديد من خطوط وشركات الشحن البحري مسارات سفنها نحو (رأس الرجاء الصالح) الذي يقع جنوب دولة جنوب افريقيا.

بحلول نهاية شهر مارس عام 2024، انخفض حجم حركة المرور عبر قناة السويس ومضيق باب المندب إلى النصف، في حين شهد الطريق البديل عبر طريق رأس الرجاء الصالح زيادة في الملاحة بنسبة 100%.

أدي ذلك بدوره إلي تراجع عائدات قناة السويس المصرية، وزاد من الضغط على الاقتصاد المصري المنهك أصلا.

وحينما نتحدث عن قناة السويس المصرية، فإننا نتحدث عن الطريق الذي يمر عبره 30٪ من تجارة الحاويات العالمية.

ذلك لأن البحر الأحمر هو أسهل طريق للسفن بين آسيا وشمال أوروبا، كما أنه ممر مهم للتجارة بين آسيا والأمريكيتين، وهو الممر من الصين والهند - الشرق الأوسط - أوروبا.

هذه النسبة من تجارة الحاويات، وهذا البحر النابض في قلب العالم، أمور كفيلة تماما بقلب سلاسل التوريد رأسا على عقب.

وهذا ما حدث بالفعل، فعندما أخذت السفن طريق رأس الرجاء الصالح، فقد خلق بدوره اضطرابات إضافية في مواعيد وصول السفن وتأخير موعد تسليم الشحنات، يصل إلى عدة أسابيع.

كما أن زيادة المسافة التي تقطعها السفينة للوصول إلي وجهتها، أدي إلي زيادة كبيرة في تكاليف الرحلة لأن مصاريف تشغيل السفينة (مثل الوقود وإجراءات الصيانة الضرورية) تزيد بزيادة المسافة التي تقطعها، وبالتالي ارتفاع أسعار الشحنات.

حركت أوروبا وأمريكا أساطيل لحماية السفن التجارية من هجمات الحوثيين
هذه البقعة الساحرة الجمال، هي رأس الرجاء الصالح، آخر نقطة في القارة الأفريقية جنوبا، وبداية الطريق القديم للسفن قبل حفر قناة السويس، والذي عاد للحياة مجددا بعد الهجمات على السفن في البحر الأحمر، freestock.ca، CC BY-SA 3.0، via wikimedia commons.

فمثلا لو أبحرت سفينة من شنغهاي الصينية إلى روتردام الهولندية عبر رأس الرجاء الصالح بدلا من قناة السويس، فإن مدة الرحلة ستزيد بمقدار 12 يوم.

وبجانب كل هذا، فإن الموانئ الأفريقية المطلة على رأس الرجاء الصالح لم تكن جاهزة للتعامل مع ما حدث.

الكثير منها شهدت حالات ازدحام، علاوة على أنها غير مهيأة أصلا لتقديم الخدمات التي تحتاجها السفن مثل إعادة التزويد بالوقود أو الصيانات العاجلة، بالإضافة إلى عدم قدرة أعداد منها على استيعاب السفن العملاقة.

وحتى السفن التي اختارت مواصلة الاعتماد على قناة السويس لم تنجو من ارتفاع تكاليف الرحلة، ببساطة لأن شركات التأمين ضاعفت من قيمة التأمين على أي رحلة تمر عبر البحر الأحمر.

إنها ضربة جديدة وقوية لقطاع الشحن البحري الذي يعد أهم قطاعات الشحن في العالم، والذي لا يزال يعاني أصلا من تداعيات الأزمة اللوجستية التي لم يسبق لها مثيل والتي تسبب بها جائحة كوفيد-19 والتي استمرت بين عامي 2020 : 2022.

ثم تلي ذلك الحرب الروسية على أوكرانيا المستمرة منذ عام 2022 حتى اليوم.

ويفاقم آثار ذلك كله المشاكل الكبيرة التي تسبب بها التغير المناخي الذي أدي إلي إنخفاض أعداد السفن التي تعبر قناة بنما نتيجة لتأثير الجفاف على منسوب المياه فيها والذي خفض من قدرتها على استقبال السفن بنسبة 36%.

كل هذا أدي لحدوث تضخم اقتصادي وارتفاع في الأسعار، لتأتي هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لتزيد من ارتفاع الأسعار مجددا.

لدينا مثلا في هذا السياق تصريح أدلى به ستيفن شوارتز، وهو نائب الرئيس التنفيذي لشركة ويلز فارغو للمستحقات العالمية والتمويل التجاري إلي شبكة سي ان بي سي الأمريكية قال فيه: ((لقد شعرت أوروبا بأكبر الأثر مما يحدث في البحر الأحمر.. آثار ارتفاع الأسعار بدأت تظهر على السلع بالفعل)).

وبحسب تقديرات (جي بي مورجان تشيس) وهو أكبر بنك في الولايات المتحدة الأمريكية فإن هذه الهجمات قد ترفع تكاليف الشحن البحري من آسيا إلي أوروبا بما يقرب من خمسة أضعاف.

فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن استمرار مرور السفن عبر طريق رأس الرجاء الصالح، سيرفع من تكاليف الشحن البحري مقارنة مع المرور بقناة السويس بنسبة تصل إلى 170% بشكل عام.

علاوة على ذلك كله، تسبب زيادة مسافة الرحلات التي تضطر السفن لقطعها، واستهلاك المزيد من الطاقة، في ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، أخطر غازات الدفيئة التي تتسبب في الاحتباس الحراري.

الضربات الأمريكية والبريطانية ضد الحوثيين:

هجمات الحوثيين
حشدت الولايات المتحدة الأمريكية حلفائها في عملية (تحالف حارس الازدهار) من أجل مواجهة هجمات الحوثيين ضد حركة الملاحة العالمية في البحر الأحمر، NZ Defence Force، CC BY 3.0 NZ.

ردا على تلك الهجمات، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا سلسلة من الهجمات ضد أهداف تابعة للحوثيين تحت شعار حماية طرق التجارة العالمية، إنها نفس الدول التي تدعم اسرائيل بكل الطرق في غزة بدلا من ردعها ليتوقف عدوانها، وبالتبعية تتوقف كل ردود الأفعال عليه.

بخلاف ذلك، دفعت العديد من الدول بسفنها الحربية إلى المنطقة للإنضمام إلى عملية بقيادة الولايات المتحدة حملت اسم (حارس الازدهار) لمواجهة صواريخ وأسلحة الحوثيين المضادة للسفن، ونجحت في إسقاط العديد منها بالفعل.

لكن حتى هذه الاسقاطات، قد يعتبرها الحوثيين نجاحا لهم، إن صواريخهم بدائية وزهيدة التكلفة، في مقابل أن تلك الدول تدفع فاتورة ضخمة لكل صاروخ دفاعي تطلقه، بخلاف مصاريف تشغيل تلك السفن الحربية أصلا، ما يعني أنهم قد استدرجوهم لسداد فاتورة دعمهم لإسرائيل.

ولكي تعلم حجم هذه الاشتباكات، فلا يوجد أفضل من تصريح وزير الدفاع الأمريكي (لويد أوستن) عنها بأنها: "أكثر اشتباكات بحرية مباشرة مع عدو منذ الحرب العالمية الثانية".

يجب على العالم فورا أن يفهم أن معالجة هذه المشكلة ان يتحرك بسرعة ويفرض وقف إطلاق النار، ويعطي للفلسطينيين حقهم في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس، لأن الأيام أثبتت أنه وبدون ذلك فإن عوامل دفع الناس للدفاع عن أنفسهم ستظل قائمة.

--- مصادر:

الجزيرة.

المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات الإستراتيجية والسياسية، هي محاولة عربية جادة لتقديم أهم الأخبار العربية والعالمية مع التركيز علي تحليل مدلولاتها، لكي يقرأ العرب ويفهمون ويدركون. نمتلك في المعرفة للدراسات عددا من أفضل الكتاب العرب في عديد من التخصصات، لنقدم لكم محتوى حصري وفريد من نوعه. facebook twitter
تعليقات