هل نشتري أكثر في رمضان؟.. وكيف يمكننا التحكم في ذلك؟

((من امتي واحنا بنحسب لك ونوضب لك ونرتب لك .. اهلا رمضان جانا .. قولوا معانا أهلا رمضان)) بتلك الكلمات ارتبطت أذهان العرب بصوت المطرب المصري الشهير محمد عبد المطلب وهو يغني احتفالا بشهر رمضان المبارك.

سوق حي السيدة زينب الشهير في العاصمة المصرية القاهرة حيث يتحول كل رمضان لبيع المنتجات المرتبطة بالشهر الفضيل مثل فوانيس رمضان
سوق حي السيدة زينب الشهير في العاصمة المصرية القاهرة حيث يتحول كل رمضان لبيع المنتجات المرتبطة بالشهر الفضيل مثل فوانيس رمضان، Zeinab Mohamed، CC BY-NC-SA 2.0 DEED، via Flickr.

هذا المقطع من الأغنية، هو تعبير حقيقي عن الاستعداد الكبير الذي توليه الكثير من العائلات العربية والإسلامية لقدوم شهر رمضان المبارك والذي يرتبط دوما بزيادة كبيرة في معدلات الإنفاق والاستهلاك.

في هذا الشهر الكريم قد تقع العديد من العائلات كذلك وكنتيجة مباشرة لزيادة الإنفاق في صعوبات مالية تختلف حدتها من عائلة إلى أخرى.

يحدث ذلك بالرغم من أن صيام رمضان يستغرق نحو نصف اليوم وأحيانا مدة أطول، يمتنع فيها المسلمين عن الطعام والشراب، قد تشير هذه الحقيقة المجردة إلى أن معدلات الاستهلاك ستنخفض، لكن العكس هو الصحيح، يستهلك الناس خلال ساعات الإفطار أكثر مما يستهلكونه طوال اليوم في بقية أوقات العام.

نفكر معا لماذا تزيد معدلات الشراء بنسب هائلة في رمضان، وهل بالفعل يمكننا تقليلها؟.

السبب الأول والحل: العروض والتخفيضات:

تزامنا مع شهر رمضان، تقوم الكثير من الشركات والمجمعات والمعارض والمتاجر بالكثير من العروض والتخفيضات وربما إعادة جزء من المبلغ المدفوع إذا وصلت إلي حد معين، أو أشياء مثل اشتري قطعتين وخذ الثالثة مجانا.

كل هذه الأمور لجذب أكبر عدد من المستهلكين، لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة لهذه اللحظة التي تتكرر مرة واحدة فقط كل عام.

لن تجد هذه العروض والتخفيضات عندما تذهب للشراء فقط، بل وكذلك في الإعلانات على التليفزيونات وعلى تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، وحتى على اليوتيوب، بل ومحطات الإذاعة.

هذا قد يدفع الكثيرين للشراء وهو في أساسه أمر طيب، لأن الناس يستطيعون إذا أحسنوا استغلاله أن يقوموا بتوفير مبالغ من المال.

سوق في الجزائر خلال شهر رمضان
سوق في الجزائر خلال شهر رمضان، Iyhab1994، CC BY-SA 4.0 DEED، via wikimedia commons.

لكن المشكلة تبدأ عندما يشتري الناس السلع التي لا يحتاجون لها أصلا لمجرد أن أسعارها مخفضة، فيما يعرف باسم (الشراء الاندفاعي).

قد يكون السعر المنخفض مغريا للكثيرين، لكن من الضروري ترشيد الاستهلاك والشراء فقط للسلع التي تحتاجون إليها بالفعل.

ونشدد هنا على نقطة مهمة خصوصا لمتابعينا الأعزاء من دول الخليج حيث تنتشر ظاهرة قيام بعض التجار بعرض سلع قديمة من العام الماضي ووضع تخفيضات كبيرة عليها لتشجيع الناس على شراءها.. لذا ننصحهم بالحرص على التأكد من تاريخي الإنتاج والانتهاء المدونان على السلع.

من الحلول المناسبة هنا أن تدون سواء في ورقة أو في مذكرة على هاتفك ما تحتاج لشراءه وتقوم بشراءه وفقط.

السبب الثاني والحل: زيادة الإعلانات:

كل الدراسات تشير إلى أن أعداد مشاهدي التليفزيون تزيد بنسب كبيرة خلال شهر رمضان.

وتتركز هذه الزيادة في وقتين رئيسيين هما وقت أذان المغرب ووقت السحور، في حين وجد موقع Webpals الشهير أن هناك زيادة في أعداد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي خلال الليل، وتصل ذروتها عند الثالثة صباحا، حينها تقدر الزيادة بنسبة 200% من المعدل الطبيعي.

بحسب ذات الموقع فإن تحميل تطبيقات التسوق مثل (أمازون، اكسترا، أو غيرهما) تزداد بنسبة 40% خلال المدة من الأسبوع الأخير في شعبان قبل رمضان وخلال الشهر حتى نهايته، وترتفع معدلات الشراء نفسها بنسبة 35%.

في إندونيسيا على سبيل المثال فإن 94% من المستهلكين يكتشفون سلع ومنتجات جديدة عبر تصفح مواقع الإنترنت وعلى رأسها يوتيوب، وتتزايد نسب الشراء حتى بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في دول غير مسلمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا وغيرها.

شارع القطانين (سوق تجار القطن) في القدس المحتلة، خلال شهر رمضان
شارع القطانين (سوق تجار القطن) في القدس المحتلة، خلال شهر رمضان، Victor grigas، CC BY-SA 3.0 DEED، via wikimedia commons.

وهكذا تشير الأرقام إلي أن زيادة الإعلانات في حد ذاتها ولو لم يكن مصاحبا لها تخفيض في سعر المنتجات أو السلع مغرية لمزيد من الاستهلاك والشراء، ولهذا فلا نستغرب عندما نلاحظ أن الكثير من الشركات قد أعددت إعلانات خصيصا لرمضان فقط (محتوى الإعلان نفسه يكون عن رمضان أو مرتبط به) لدرجة أنه يصعب عليها بثه بعد انتهاء الشهر.

هذا يجعلنا ندرك أهمية ومدى تأثير الإعلانات وخصوصا في رمضان، فالأرباح من وراءه كافية لتحمل قيمة إعلان بالملايين ربما، ولن يكون صالح بعد نهاية الشهر.

الحل هنا أيضا وفي مواجهة هذه الموجة العاتية من الإعلانات، أن يلتزم الشخص بشراء ما يحتاج إليه لا ما يبهره إعلانه.

السبب الثالث والحل: ارتباط شراء بعض السلع بشهر رمضان:

لدينا سبب مهم آخر لارتفاع الاستهلاك ومعدلات الشراء، وهو ارتباط استهلاك بعض السلع بشهر رمضان.

مثلا الحلويات الشرقية كالكنافة والبقلاوة، يزيد الإقبال عليها خلال شهر رمضان بنسب هائلة، وذلك لارتباطها به منذ مئات السنين، وحتى أن هناك سلع قد لا تباع إلا خلال هذا الشهر أصلا مثل (فانوس رمضان).

كما تزيد خلال الشهر مبيعات سلع مثل سجادة الصلاة، المسابح، وغيرها من هذه الأدوات التي قد يستخدمها الشخص في العبادة، وكذلك الهدايا بمختلف أنواعها.

في شهر رمضان كذلك -بالتحديد خلال آخر عشرة أيام منه- تزيد معدلات شراء الملابس، وخصوصا ملابس الأطفال استعدادا للاحتفال بعيد الفطر المبارك الذي يأتي خلفه مباشرة.

تشير الإحصائيات التي كشفت عنها (جوجل) في السوق السعودية على سبيل المثال، أنه وخلال شهر رمضان تزداد معدلات بحث المستهلكين عن المنتجات وهم يستخدمون بشكل أساسي محرك البحث جوجل، ثم اليوتيوب في البحث عن المعلومات المتعلقة بالسلع التي يفكرون في شراءها.

سوق تجريش أو بازار تجريش، أحد أقدم وأشهر أسواق العاصمة الإيرانية طهران
سوق تجريش أو بازار تجريش، أحد أقدم وأشهر أسواق العاصمة الإيرانية طهران، Majid Asgaripoor، Attribution: Mehr News Agency، via wikimedia commons.

وحسب ما أعدته (دينا السمحان، أسلي جوكينر) ونشرته (جوجل) فإن 100% من المشترين في السعودية يبحثون عن المعلومات عن المنتجات التي يريدون شراءها عبر الإنترنت وقد يتحول البحث إلي عملية شراء بالفعل، وبنسبة 74% يتم البحث عبر محرك البحث جوجل.

وبحسب ما جاء في ذات الاحصائيات، فإن يوتيوب وهو تطبيق الفيديوهات الأكثر انتشارا في السعودية يقترب عدد مستخدميه خلال شهر رمضان إلي نحو 20 مليون شخص (بالتحديد 18,1 مليون)، وهو رقم يزيد كل عام، ونضع هذا الرقم مع حقيقة أن 52٪ من المتسوقين الذين شملتهم الدراسة قالوا أنهم بحثوا عن معلومات حول المنتج عبر يوتيوب.

وهناك صورة أخرى مهمة يفعلها الكثير من الناس سواء في السعودية أو خارجها، وتتمثل في شراء الطعام الجاهز (خصوصا طعام الإفطار) بهدف البحث عن الراحة وعدم الاضطرار لصنع الطعام خلال ساعات الصيام.

هذه الحالة تكلف الكثير من المال، لأن الطعام الجاهز من المطاعم بالطبع يكون أكثر تكلفة كثيرا مما نعده في المنزل، بخلاف أنه قد يكون أقل من حيث القيمة الغذائية، لذا فإن بعض التعب في هذه المسألة يوفر الكثير من المال.

ونقترح هنا كحل أخير حتى لمن يجدوا في الأمر صعوبة شديدة، القيام بمعظم خطوات إعداد الطعام بعد إفطار اليوم السابق، (مثلا إعداد طعام إفطار يوم الثلاثاء بعد إفطار يوم الاثنين) بحيث لا يبقي مطلوبا إلا تسخينه أو طهيه مثلا.

إذن الحل الوحيد هنا وكما هو في السببين السابقين، هو ترشيد الاستهلاك، وهو أمر قد يبدو صعبا، لذا اطلع على قائمة نصائحنا هنا والتي ستجدها مفيدة بإذن اللَّهُ.

وفي هذا السبب.. هناك حالة أخرى ترفع من الاستهلاك ومعدلات الشراء خلال شهر رمضان، ولكننا وعكس كل ما سبق، نثني عليها ونشجعها وندعو لزيادتها.

يتمثل ذلك في قيام أهل الخير من المسلمين في شراء كميات كبيرة من الطعام لتوزيع حقائب غذائية على الفقراء والمساكين، أو إعداد وجبات الإفطار لهم، وهو أمر طيب بلا شك، جزي الله كل من يقوم به كل الخير.

نصائح ((التسوق الذكي)) في رمضان:

أكشاك الطعام على طول شارع قندهار في بازار كامبونج جلام الرمضاني في سنغافورة
أكشاك الطعام على طول شارع قندهار في بازار كامبونج جلام الرمضاني في سنغافورة، Choo Yut Shing، CC BY 2.0 DEED، via Flickr.

الحقيقة أن الإنسان عندما يعطي لنفسه بعض الوقت يلتقط فيه نفسه ويفكر في ميزانيته بشكل صحيح، فإنه سيتخذ قرارات أكثر نضجا ومسؤولية، وهنا ننصحك ببعض الاشياء مثل:

١- لا تنسي إعداد قائمة بما تريد شراءه: إنها تجعلك تلتزم فقط بما تريد شراءه فعلا، وكذلك تمنعك من نسيان بعض الاشياء التي قد تحتاجها ولا تتذكرها إلا بعد العودة من المتجر، والبعض يعتقد أنه من المهم كذلك مع وضع القائمة أن توضع لها ميزانية محددة سلفا بحيث لا تتجاوزها، ويجب الالتزام بهذه القائمة بشدة، لأنه من الخطأ الفادح كتابتها ومن ثم الذهاب للشراء وكأنها غير موجودة والسقوط في فخ العروض وشراء ما لا تحتاجونه.

٢- تذكر البعد الديني في المسألة: فقد قال عز وجل في كتابه الحكيم: ((وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً)) {الإسراء: الآية 26 , 27}.

٣- إذا كان هناك سلعة معينة، ويوجد منها عدة خيارات، أحدها لماركات باهظة الثمن، والثانية من نوعية ذات جودة مناسبة وسعر أقل، فلا تتردد في اختيار ذات السعر الأقل، وتخلص من الاحساس الزائف بضرورة شراء سلع المنتجات من الماركات العالمية.

وتذكر دوما وأنت تشتري أي سلعة .. هل هي في قائمة احتياجاتك فعلا؟ .. وهل بشراءها تتخطي ميزانية هذا الشهر؟ .. وما تأثير ذلك على ميزانيتك للشهر الجديد؟.

وفي النهاية .. نذكركم باستمرار المقاطعة الكاملة لكافة منتجات الدول التي تعرفونها جيدا... وكل عام وانتم بخير.

المعرفة للدراسات
بواسطة : المعرفة للدراسات
المعرفة للدراسات الإستراتيجية والسياسية، هي محاولة عربية جادة لتقديم أهم الأخبار العربية والعالمية مع التركيز علي تحليل مدلولاتها، لكي يقرأ العرب ويفهمون ويدركون. نمتلك في المعرفة للدراسات عددا من أفضل الكتاب العرب في عديد من التخصصات، لنقدم لكم محتوى حصري وفريد من نوعه. facebook twitter
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-