((السعودية العظمى)) .. مبالغة ام حقيقة؟

المملكة العربية السعودية، دولة في الشرق الأوسط، ذات اقتصاد كبير، وطموح أكبر، مع مساحة تزيد عن المليونين كيلو متر مربع.

هل ستصبح السعودية دولة عظمى؟
هل ستصبح السعودية دولة عظمى؟ .. الصورة من Mohamod Fasil لسيارة تابعة للشرطة السعودية في مكة، CC BY 2.0 DEED، via Flickr.

كان اكتشاف النفط في السعودية في الثالث من مارس عام 1938 النقطة الأهم في تاريخ الدولة، والسبب الأول في تحقيق نهضتها في جميع المجالات بعد قرون من التخلف والتحول إلى قبائل رعوية معزولة عن العالم وكأنها في سجن كبير مفاتيحه لدي المحتل في إسطنبول.

اليوم تقف التحليلات حول السعودية بين من يتوقع للبلاد مستقبلا غامضا وبين من يذهب بالتشاؤم وسوء الطالع بالحديث عن أنه ومع نهاية النفط ستتحول المملكة إلى بلاد متخلفة لن يعرف العالم عنها شئ بعد ذلك إلا أنها صحراء قاسية وجافة مع درجات حرارة شديدة الارتفاع ومجموعة قبائل وخيام وقطعان من الإبل والاغنام.

تاريخ عريق:

كانت هذه الأرض هي المكان الذي شهد مولد الإسلام، وعليها أقدس بقعتين للمسلمين في العالم (مكة المكرمة) و (المدينة المنورة)، ومنها خرج الصحابة والتابعين ليفتحوا الدنيا وينشروا فيها نور الإسلام، ولقرون طويلة حكم 85 خليفة من أبنائها مساحات شاسعة من الأراضي تحت ظل الخلافة الراشدة والأموية والعباسية والفاطمية.

تأسست الدولة السعودية الحديثة في العام 1932 على يد الملك (عبد العزيز آل سعود) والملقب بابن سعود، بعد حملة استمرت 30 عاما لتوحيد معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية، ليتوج بذلك محاولات أسرة آل سعود المتكررة لثلاث مرات على مدار ثلاثة قرون لحكم البلاد منذ عهد الإمام محمد بن سعود والدولة السعودية الأولى.

كان قيام الدولة السعودية بشرة خير لهذه الأرض، فلم يمر سوى ستة أعوام فقط حتى تم اكتشاف النفط في السعودية ، فأرتبط قيام الدولة السعودية بهذا الإنجاز، فإيران على سبيل المثال لأنها كانت دولة محكومة بنظام حكم ثابت اكتشفت النفط مبكرا وبالتحديد عام 1908، وكذلك الحال في البحرين التي اكتشفت نفطها عام 1932، أي قبل السعودية بست سنوات كاملة.

الاقتصاد السعودي:

إذا أردنا الحديث عن الاقتصاد السعودي فبالتأكيد وبلا مبالغة نحن نتحدث عن أحد أقوى الاقتصادات في العالم.

فالسعودية على الدوام هي أحد المنتجين الأهم للنفط والغاز الطبيعي، كما تمتلك بمفردها حوالي 16٪ من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، وهي واحدة من الدول المسيطرة على منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).

الأمر لا يتوقف عند حد النفط .. هناك العديد والكثير من التحليلات الاقتصادية الحديثة التي تتحدث عن أن السعودية ستصبح أحد أهم المراكز المالية على مستوي العالم في المستقبل القريب، خصوصا مع تملكه من احتياطيات نقدية هائلة، وأرقام الميزانية التي تشير لتحقيق فائض كل عام.

الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، إلى هذا المكان يأتي الملايين من جميع أنحاء العالم كل عام
الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، إلى هذا المكان يأتي الملايين من جميع أنحاء العالم كل عام، صورة من rawpixel.

لديها كذلك الأماكن التي تهوي القلوب لزيارتها في مكة والمدينة، والتي يأتيها الناس من كل فج عميق حجاج في موسم الحج الأعظم ومعتمرين طوال الوقت.

أيضا البلاد تعد وجهة سياحية ممتازة، شواطئ طويلة ساحرة الجمال، صحراء تفتح ذراعيها لمن يهواها، وحتى المثقفين سيكون لديهم الكثير مما يفتشون عنه، ولعل آثار الشعراء وحدها يمكن أن تجتذب الكثيرين.

حتى أرضها لا تزال بكرا بداخلها الكثير من الأسرار والكنوز، ويخطئ من يظن أنها تقتصر على النفط والغاز.. فبداخلها أيضا خام الحديد والذهب والنحاس.

وإذا مد السعوديين بصرهم حول أرضهم لوجدوا الماء يحيط بها من كل الجوانب تقريبا، في هذا المكان تمر نسبة كبيرة من التجارة العالمية، حيث تستطيع المملكة إنشاء العديد من الموانئ وطرق النقل المختلفة، ولعثروا على الكثير من مصائد الأسماك والثروة السمكية.

نجحت السعودية وبالتحديد في العقد الأخير في تنويع محفظتها الاقتصادية وزيادة نسبة مشاركة القطاعات غير النفطية في الناتج القومي للبلاد.

أيضا بخلاف تصدير النفط الخام، اقتحمت السعودية مجالات صناعة النفط مثل تكرير البترول، صناعة البتروكيماويات، صناعة الأمونيا، صناعة هيدروكسيد الصوديوم (الصودا الكاوية)، الأسمنت، الأسمدة، البلاستيك، المعادن، وأسست مؤسسات لصيانة السفن والطائرات.

وفي ملف الأمن الغذائي، تشتهر السعودية بإنتاج الحليب والتمر والدواجن والشعير والبطاطس والبيض والطماطم، كما كان لها تجربة رائدة بل واستثنائية عندما حققت الاكتفاء الذاتي من القمح بل وصدرته إلى الخارج، قبل أن تقل معدلات إنتاجه بشكل مذهل لما قيل عن تأثيره السلبي على مخزونات البلاد من المياه الجوفية.

أهم الشركاء التجاريين للسعودية (أي الدول التي تصدر إليها وتستورد منها) هي:  الصين 19%، الهند 10٪، اليابان 9٪، كوريا الجنوبية 8٪، الإمارات العربية المتحدة 5٪).

الثروة البشرية في السعودية:

ميدان القاهرة الشهير في قلب العاصمة السعودية الرياض، صورة من وزارة النقل السعودية.
ميدان القاهرة الشهير في قلب العاصمة السعودية الرياض، صورة من وزارة النقل السعودية.

من الناحية البشرية، وصل تقدير عدد السكان في السعودية عام 2024 إلى 36 مليون نسمة، إنها قوة بشرية هامة تدفع الاقتصاد، سواء من كونها قوة عاملة وحتى كونها قوة استهلاكية تدفع لنمو الاقتصاد.

وبحسب كتاب (حقائق العالم) الصادر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA يتشكل الشعب السعودي من 90% من العرب و 10% تعود أصولهم إلى أفريقيا أو آسيا، وغالبيتهم الكاسحة من المسلمين.

حيث تشير الإحصائيات إلى أن المسلمين قد يشكلون ما يزيد عن 99% من تعداد الشعب السعودي، وأن البقية هم أعداد ضئيلة للغاية من المسيحيين أو اليهود أو اتباع ديانات أخرى قد يميل معظمهم لعدم التعبير عنها.

من بين المسلمين قد تصل نسبة المسلمين الشيعية في السعودية إلى نحو 12% بحسب تقديرات كتاب السي آي ايه، الذي يشير أيضا إلى أن نسبة الزيادة السنوية في المواليد في السعودية تصل إلى 1,65%.

ومن ثروة السعودية البشرية هو الجيل الجديد من حكامها بقيادة محمد بن سلمان، ولي العهد الشاب القوي في عقده الثالث من العمر.

بجانب كل هؤلاء، فإن فسيفساء المجتمع السعودي يتميز على الدوام بوجود الأجانب المقيمين للعمل على أراضيها، معلمين وأطباء ومهندسين وعمال وخبراء في العديد من المجالات، وتميزت السعودية دوما بفتح ذراعيها لأبناء الدول العربية.

المصريين على سبيل المثال يشكلون 10٪ من المقيمين في المملكة، وفي الوقت الحالي يعيش في السعودية نصف مليون سوري.

إستراتيجية السعودية:

جاء ولي العهد السعودي الجديد محمد بن سلمان باستراتيجية جديدة للسعودية تقوم أساسا على الحكمة القائلة: (لا تضع البيض كله في سلة واحدة).

العاصمة السعودية الرياض تتألق ليلا
العاصمة السعودية الرياض تتألق ليلا، صورة من Wallpaper flare.

حيث عمل على تعزيز علاقات بلاده التاريخية مع المملكة والضاربة بجذورها إلى عهد جده الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، لكنه في الوقت نفسه فرض مصلحة بلاده على أمريكا عندما تعارضت مصالح واشنطن حين رغبت في تقليل أسعار النفط للإضرار بروسيا، مع مصالح الرياض الطبيعية في ارتفاع أسعاره.

في الوقت نفسه عزز الأمير محمد بن سلمان علاقات بلاده مع الصين وروسيا، معلنا أن سياسة بلاده الجديدة هي التعاون مع الجميع.

بل إن السعودية قد خطت خطوة جبارة في طريق تحسين علاقاتها مع إيران، فعادت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 11 مارس 2023 بعد مباحثات رعتها الصين، ما يكشف عن مدى تعمق العلاقات السعودية-الصينية حاليا والتي وصلت إلى حد تسوية خلافات معقدة مثل الخلافات مع إيران.

هذه الإستراتيجية ستصبح أقوى وأكثر تأثيرا خصوصا إذا نجحت السعودية في حشد دول أخرى معها في نفس المسار، وأهمها بالطبع محيطها الجغرافي من بقية دول الخليج والجارة الكبرى التي يفصلهما بحر وحديثنا هنا عن مصر بالتحديد.

صعوبات في طريق المملكة:

مع ذلك .. فمن السذاجة المفرطة الاعتقاد بأن طريق السعودية ممهد ومفروش بالورود.

إذ تواجه السعودية العديد من المصاعب التي يجب أن تواجهها بشدة وحزم، وأهمها زيادة الاستثمارات والاهتمام بالثروة البشرية من أبنائها، وزيادة ثقافة أهمية العمل بالنسبة لهم.

كما يتعين على السعودية كذلك التخفيف من البيروقراطية في العديد من المجالات .. لا نتحدث هنا عن إلغاء البيروقراطية لأنها مهمة بل ومفيدة في الكثير من الأحيان، بل نقصد تخفيفها بالتخلص من أي إجراءات غير ضرورية.

كذلك أصبحت السعودية تعترف بوجود فقراء بين شعبها ومدت يدها لتقديم برامج مختلفة من الدعم المالي لهم، ومن المهم العمل بسرعة وبكفاءة لإخراج هؤلاء من تحت خط الفقر.

كذلك وكما هو الحال في أي مجتمع بشري في كل زمان ومكان، هناك في المملكة وجود للفساد، وقد شهدنا في خلال السنوات الأخيرة عمليات للقبض على مسؤولين كبار لملاحقة من تورط منهم في قضايا تخص المال العام.

في النهاية، تسير السعودية في طريقها بإمكانيات هائلة، والتي عز أن تجتمع لدولة واحدة.

وهكذا أيها السادة .. توقعوا أن السعودية العظمي ستفرض مصالحها على الجميع، فعلي الجميع أن يقدر قوتها جيدا.
تعليقات