زدني معرفة

تاريخ النفط في البحرين .. قصة اكتشاف البترول والغاز في مملكة البحرين

بلا شك، مثل اكتشاف النفط في البحرين أحد أهم الأحداث في تاريخ المنطقة بأكملها منذ نحو قرن من الزمان.

عامل بحريني ومهندس أمريكي وحقل بترول يظهر من خلفهما، بهذا الثلاثي، كتبت البحرين فصول قصة النفط فيها.

فلقد كان اكتشاف النفط في البحرين، العتبة التي اكتشف من خلالها النفط في بقية الدول العربية في منطقة الخليج، ما يعتبر بلا شك بجانب سقوط الدولة العثمانية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، وقيام الكيان الصهيوني في فلسطين، أهم خمسة أحداث لا تزال تشكل واقعنا ومستقبلنا في هذه المنطقة من العالم.

الاكتشاف الأول:

في البحرين، تلك المملكة الصغيرة المساحة، والتي تتشكل من أرخبيل من ٣٣ جزيرة، إجمالى مساحتها ٧٧٠ كم مربع لا غير، كان الاكتشاف الأول للنفط في العام ١٩٣٢.

قبل ذلك بسنوات كانت شركات النفط تركز أنظارها بشدة تارة، وبقليل من الاهتمام تارة أخرى نحو منطقة الخليج بحثا عن النفط.

فمع نهاية القرن التاسع عشر، بدأ العالم تزيد شراهته كل لحظة نحو النفط الذي أصبح روح الحياة الحديثة، به تعمل المصانع، وتسير السيارات، وتحلق الطائرات وتبحر السفن، وتضاء المدن.

ففي مارس من العام ١٩٠٨، عثر الجيولوجي جورج برنارد رينولدز، على النفط في بلاد فارس (إيران حاليا). كان هذا كافيا إلى حد ما لجذب الأنظار نحو الضفة الأخرى من الخليج والتي ترقد دولها على أكبر احتياطيات النفط في العالم.

لكن سرعان ما تندلع شرارة الحرب العالمية الأولى في ٢٨ يوليو ١٩١٤، ما عطل أي طموح لأي شركة أو دولة في التنقيب عن النفط على الضفة العربية من الخليج.

ومع ظهور معدات عسكرية تستعمل النفط، ساهمت في حسم معارك الحرب العالمية الأولى، أصبح النفط بمثابة السلعة الاستراتيجية التي يسعي الجميع خلفها.

كانت كل الدول الكبرى في سباق محموم نحو اكتشاف والسيطرة على أكبر كمية ممكنة من حقول النفط.

سيحتاج الأمر إلى صدفة، وإلى رجل يجيد استغلال الصدف، اسمه (فرانك هولمز).

الصدفة تصنع التاريخ:

فرانك هولمز على اليمين، مع ملك البحرين الراحل حمد بن عيسي آل خليفة، بفضل جهوده في اكتشاف النفط في الخليج، أطلق العرب على هولمز اسم أبو النفط. 

في كثير من الأحيان في التاريخ، تلعب (الصدفة) دورا لا يكاد يصدق، ففرانك هولمز، المولود في نيوزيلندا، والذي كان يعمل كمهندس تعدين في جنوب افريقيا، قذفت به الحرب العالمية الأولى إلي رتبة رائد في جيش الإمبراطورية البريطانية.

سافر الرائد فرانك هولمز الذي كلف بمهام (التموين) إلي إثيوبيا ، في رحلة لشراء لحوم وأبقار للقوات البريطانية في مصر والسودان، فكأنما الصدفة التي قادت الرجل لاكتشاف نفط الخليج وأوله نفط البحرين، قد بدأت من مصر والسودان.

في إثيوبيا، سمع هولمز من التجار العرب الذين التقي بهم هناك، أن في بلادهم مناطق متكون عليها جير أسود، أدرك الرجل الدارس أصلا لعلم التعدين، أنهم يتحدثون عن النفط.

وهكذا هي الحياة، عندما تمنح الفرص، بشرط أن تكون موجودا في المواقع التي تسنح فيها الفرص، لا أن تقعد وتنتظرها.

فلو كان فرانك هولمز ترك مهمة شراء الأبقار الإثيوبية، وفضل البقاء في مصر، لما أصبح هو الشخص الذي نبه شركات البترول لكنز النفط الدفين في البحرين وغيرها من دول الخليج، وما كان هو من سيلقب فيما بعد بأبو النفط، وما كان قد حقق ثروة لا تصدق من وراء ذلك.

سيسعي فرانك هولمز خلال السنوات التالية، لاقناع شركات النفط الأمريكية والبريطانية بالقدوم إلى شبه الجزيرة العربية للتنقيب عن النفط، بعدما أسس شركته الخاصة، لكنها كانت مجرد شركة صغيرة تفتقر للكثير من الإمكانيات والتمويل اللازم لبدأ العمل.

لم تكن مهمة هولمز سهلة مطلقا، بسبب قلة المعرفة عن هذه المنطقة من العالم، وغياب دراسات الجدوى الاقتصادية، بخلاف فترة ((الكساد الكبير)) الذي مر به الاقتصاد العالمي عموما والأمريكي خصوصا نهاية عشرينيات ومطلع ثلاثينيات القرن العشرين.

امتيازات الرائد هولمز:

في البداية، ونظرا لأن طبيعة معظم أرض البحرين تتكون من الحجر الجيري الصخري، اهتم فرانك هولمز بالحصول على الامتياز الخاص بالبحث والتنقيب عن البترول في البحرين.

اكتشاف النفط في البحرين، ٢ يونيو ١٩٣٢. 

وهكذا وفي العام ١٩٢٣، وبعد مجهوداته الكبرى، يحصل فرانك هولمز على امتياز التنقيب عن النفط في البحرين من حاكم البحرين وقتها الشيخ عيسى بن علي آل خليفة.

وبتاريخ ٢٥ ديسمبر سنة ١٩٢٥، وقع الشيخ حمد بن عيسي آل خليفة، الذي كان قد وصل للحكم حينها، وقع الامتياز الرسمي للتنقيب عن النفط، مع شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (سوكال) الأمريكية.

بابكو:

بحلول ١١ يناير سنة ١٩٢٩، تأسست شركة نفط البحرين (BAPCO) أو بابكو، بواسطة شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (سوكال) بموجب الامتياز الممنوح لها، وتم تسجيل الشركة الوليدة في بادئ الأمر في كندا، ليبدأ البحث والتنقيب عن النفط بشكل فعلي.

احتاج الأمر لنحو ثلاثة أعوام ونصف من العمل المتواصل، حتى نصل إلى موعد مع التاريخ، وبالتحديد الأول من يونيو العام ١٩٣٢، حين تم اكتشاف أول بئر في البحرين وفي دول الخليج العربية قاطبة، ينتج النفط بكميات اقتصادية يمكن تحقيق الربح منها، وبالتحديد في منطقة (جبل الدخان).

بشكل مؤقت سيظل البئر محتفظا باسمه الأصلى (البئر رقم ١)، وسيتبع ذلك اكتشاف البئر الثاني الذي ينتج النفط بكميات اقتصادية أيضا وهو (البئر رقم ٢) في ٢٥ ديسمبر من نفس السنة ١٩٣٢، لتقدر الكمية التي يتم إنتاجها في ذلك الوقت ب٤٠٠ برميل في الساعة.

سيحمل الحقل الذي يضم البئرين اسم (حقل البحرين)، من هذا المكان، تم اكتشاف النفط لأول مرة في البحرين، وشجع الشركات الأوروبية والأمريكية على الدخول في سباق سريع للتنقيب عن النفط في بقية دول المنطقة، فيتم اكتشاف النفط في الكويت في ٢٢ فبراير ١٩٣٨، قبل أيام قليلة فقط من اكتشافه في السعودية في ٣ مارس ١٩٣٨، وتلتهما قطر التي اكتشف النفط فيها لأول مرة في الأيام الأخيرة من عام ١٩٣٩.

هذه التواريخ كلها لا تشير إلى أن البحرين اكتشفت النفط قبل بقية دول الخليج العربية فحسب، بل إنها بدأت في تصدير نفطها قبل اكتشافه في تلك الدول، إذ تم تصدير أول شحنة نفط بحرينية في ٧ يونيو ١٩٣٤ من ميناء سترة، وكانت اليابان هي الزبون الأول للنفط البحريني.

الأكثر من ذلك، أن البحرين بدأت سريعا في إنشاء مصفاة للنفط بطاقة ١٠ آلاف برميل يوميا، وافتتحتها بالفعل عام ١٩٣٦، أي قبل عامين كاملين من اكتشاف النفط لدي جيرانها، لتصبح المفارقة التاريخية أن الدولة الأولى التي اكتشف فيها النفط خليجيا، ظلت هي أقل دولة استفادة منه، وأقلها امتلاكا له.

محطة كهرباء الجفير، أول محطة لإنتاج الكهرباء في الخليج تعمل باستخدام الغاز الطبيعي، صورة مطلع السبعينيات، صورة من وكالة الأنباء البحرينية.


وفي سنة ١٩٤٥، تم إنشاء خط أنابيب لاستلام حصة من البترول السعودي لتكريره في مصافي النفط في البحرين، فيما بدا محاولة من المنامة لتعويض نقص ما تملكه من نفط بإنشاء بنية تحتية تعظم قيمة ما لدي جيرانها منه، لن يمر وقت طويل حتى تنشئ أرامكو السعودية المصافي الخاصة بها.

وفي الثلاثين من أبريل عام ١٩٥٩، افتتحت البحرين محطة الجفير‎ التي تعمل باستخدام الغاز الطبيعي، لتصبح أول دولة خليجية تستخدم الغاز الطبيعي في إنتاج الطاقة.

مدينة عوالي:

شجع اكتشاف النفط في البحرين على ضخ المزيد من الاستثمارات وجلب العمال والمهندسين للعمل، خصوصا مع افتتاح مصفاة النفط عام ١٩٣٦ والتي تحتاج لتشغيلها لعمالة مدربة ومؤهلة بشكل جيد.

لكن البحرين يومئذ لم يكن فيها مكان يصلح للقادمين من أوروبا وأمريكا للعمل، وكان العاملين في الشركة يقيمون في مساكن مؤقتة بجانب مقرات العمل، لذا ظهرت للنور مدينة عوالي، والتي أسستها شركة نفط البحرين "بابكو" في الثلاثينيات.

بنيت عوالي وسط جزيرة البحرين، لتكون إلى الشمال مباشرة من حقول النفط، وإلى جنوب غرب مصفاة النفط في البلاد والتي بنيت بعد ذلك بسنوات لتصبح واحدة من أكبر مصافي النفط في العالم.

وبجانب المساكن التي سيعيش فيها العاملين الأجانب في بابكو، احتوت عوالي على المكاتب الرئيسية للشركة، ومقرات المديرين التنفيذيين.

مدينة عوالي، والتي تعني في اللغة العربية ((الأماكن المرتفعة)) صممت خصيصا لتكون على غرار مدينة غربية صغيرة، مع الكثير من الأشجار والحدائق والطرق الممهدة، وكانت أيضًا هي أول شركة في الخليج تحظي بمحطات تكييف مركزي، باختصار كانت قطعة من الغرب وسط صحراء قاحلة.

بحلول الستينيات والسبعينيات، انخفض عدد السكان الأجانب في عوالي بصورة كبيرة، مع استبدال شركة بابكو لسكانها الغربيين بموظفين وعمال بحرينيين.

اكتشاف ٢٠١٨:

لوحة يظهر فيها صورة ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، اللوحة من إهداء شركة بابكو، شركة النفط البحرينية، (cc) Shashi Bellamkonda، from Potomac, USA، (CC BY 2.0)، via wikimedia commons.

مع مطلع أبريل / نيسان من العام ٢٠١٨، كانت مملكة البحرين على موعد مع أنباء سعيدة للغاية.

وذلك عندما تم اكتشاف حقل نفط بحري قبالة الساحل الغربي للبحرين يحتوى على نحو ٨٠ مليار متر مكعب من النفط، الكمية التي تعتبر الأضخم في احتياطيات النفط التي تمتلكها البحرين.

كان ذلك الاكتشاف أيضا هو الأضخم في تاريخ البحرين منذ العثور الأول على النفط فيها خلال ثلاثينيات القرن الماضي.

في العام نفسه، أعلنت البحرين أيضا عن اكتشاف من ١٠ : ٢٠ تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

النفط البحريني في يومنا هذا:

رقميا تعد البحرين واحدة من أصغر الدول المنتجة للنفط، ولذا فهي ليست عضو في منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك".

فالحقيقة أنه وبرغم أن البحرين كانت من سبقت الجميع في اكتشاف النفط إلا إن ما تملكه منه يتضائل جدا مقارنة بجيرانها.

لدينا على سبيل المثال السعودية التي تعد أكبر مصدّر للبترول في العالم، وقطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي عالميا، والكويت، الدولة التي تمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم.

وبرغم صغر القطعة البحرينية من كعكة النفط في المنطقة، فإن عائدات النفط تمثل معظم إيرادات مملكة البحرين.

تحاول المنامة تنويع مصادر دخلها وتعزيز التنمية فيها من مختلف المجالات، فالنفط لم يعد هو السلعة التي يمكن الاعتماد عليها بمفردها، خليج البحرين، المنامة، Zairon، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

منذ عام ٢٠٠٧، تسعي البحرين إلى تنويع الاقتصاد، ومصادر دخلها من قطاعات اقتصادية أخرى على رأسها صناعة المواد البلاستيك، الألياف الزجاجية، الكيماويات، والبتروكيماويات، وتجهيز الأغذية.

كما حققت البحرين نموا جيدا في بعض الصناعات الكيماويات ومنها على سبيل المثال كيماويات البناء، وكيماويات معالجة المياه، والبوليمر والمواد المضافة البلاستيكية، والدهانات، وكيماويات حقول النفط.

في ذات الوقت، لا تزال البحرين تواصل محاولات تعزيز فرص اكتشاف النفط والغاز.

الأمل البحريني في هذا الملف يتمحور أساسا في خليج البحرين وخزان الغاز العميق قبل عنيزة، وكلها أمل أن يكبر نصيب المنامة في كعكة كانت هي أول من اكتشفها وذاق حلاوتها، ثم سبقها كل من جاءوا بعدها.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -