زدني معرفة

تاريخ الغاز في قطر.. قصة اكتشاف الغاز والنفط في قطر

جاءت رواية قصة اكتشاف النفط والغاز في قطر مختلفة في بعض وربما في الكثير من تفاصيلها.

مشهد رائع لغروب الشمس عند حقل غاز الشمال على يسار الصورة، بينما تبدو على اليمين سفينة تقترب منه، Alireza824، (CC BY-SA 3.0)، via Wikimedia commons. 


فبرغم أن اكتشاف النفط فيها كان عام ١٩٣٩، أي بعد ما يزيد قليلا عن عام واحد فقط من اكتشافه في السعودية بعد جهد شاق في ٣ مارس ١٩٣٨ على يد الأمريكيين، ثم الكويت في نفس العام

وبرغم أنه وبهذا الاكتشاف انضمت قطر إلي نادي الدول النفطية في الشرق الأوسط، لم يحدث النفط التأثير الكبير في حياة قطر كما فعل مع الكويت والسعودية وبقية دول المنطقة، لقد كانت القصة طويلة وشاقة ومرهقة بحق.


منح الامتياز وصراع الشركات:


في العام ١٩٣٥، وقع الشيخ عبد ﷲ بن جاسم آل ثاني، اتفاقية امتياز للتنقيب عن النفط مع شركة النفط الأنجلو-فارسية (شركة النفط البريطانية فيما بعد)، لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يمنح فيها الشيخ إذنا أو امتيازا للتنقيب عن البترول في بلاده.

نحن في عام ١٩٣٥، في تلك الأيام كانت قطر لا تزال تحت الحماية البريطانية بموجب المعاهدة الموقعة عام ١٩١٦ عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية.

لذا كان من المفهوم أن يفوز البريطانيين في حرب المنافسة على نيل امتيازات التنقيب على الأمريكيين، لقد ربحوها في قطر بسبب وجودهم أصلا فيها، ومع ذلك لم يخلو الأمر من منافسة ومناكفة مع الأمريكيين.

أتت هذه الاتفاقية كجزء من جهود فرانك هولمز الذي يعرف بلقب (أبو النفط) في كثير من دول الخليج العربي، لأنه كان السبب في جذب الأنظار نحو تلك المنطقة مؤمنا أن بباطنها كنوزا لم تكتشف.

كان فرانك هولمز مهندس تعدين بريطانيًا من مواليد نيوزيلندا، كما عمل ضابطًا بالجيش الإنجليزي، ثم كرجل أعمال تخصص في النفط، حيث عمل كممثلا لشركات إنجليزية في الشرق الأوسط، وساعد في الحصول على امتيازات النفط في المملكة العربية السعودية (لم تستغله الشركة ما جعل الملك عبد العزيز آل سعود يمنحه فيما بعد للأمريكيين).

كما جلب لشركته امتياز التنقيب عن النفط في الكويت والبحرين في عشرينيات القرن الماضي، ثم كان هو نفسه أحد أهم من سعوا للحصول على امتياز التنقيب في قطر أيضا.

ففي العام ١٩٢٣، تمكن فرانك هولمز من الالتقاء بحاكم قطر حينها الشيخ عبد ﷲ بن جاسم آل ثاني في الدوحة، إلا أنه اصطدم بقرار من مكتب المستعمرات البريطاني بحظر المشاريع النفطية في قطر.

لكن بحلول أوائل عام ١٩٢٦، بدا أن مثل هذه القيود على مشاريع التنقيب عن البترول في قطر قد خفت ، ففي ذلك الوقت قام (جورج مارتن ليس)، الجيولوجي في شركة النفط الأنجلو-فارسية (APOC ، فيما بعد شركة البترول البريطانية)، بزيارة الدوحة.

الشيخ عبد ﷲ بن جاسم آل ثاني، سعي طويلا لتلحق بلاده بركب الاكتشافات النفطية في الخليج ، ومنح أكثر من مرة امتياز التنقيب عن النفط في قطر لعديد الشركات، صورة من موقع ديوان قطر، المصور غير معروف، public domain، via Wikimedia commons. 


الزيارة لم تستمر سوي ليوم واحد لكنها كانت هامة للغاية، إذ قام خلالها بزيارة لعدد قليل من المواقع المتوقع وجود النفط فيها داخل قطر.

قبل مغادرته، حصل جورج مارتن أيضًا على إذن من الشيخ عبد ﷲ بن جاسم آل ثاني، لاستكشاف قطر خلال العامين التاليين، لكن شيئا لم يحدث ولم يتم اكتشاف شيء، وخفت الاهتمام بالعثور على النفط في قطر.

ما جدد الاهتمام البريطاني بالتنقيب عن النفط في قطر أنه وفي العام ١٩٣٢ تم اكتشاف النفط في البحرين بواسطة شركة ستاندرد أويل في كاليفورنيا (سوكال) -ستكتشف هذه الشركة ذاتها النفط في السعودية بعد عدة أعوام من هذا التاريخ-.

تسبب النجاح الذي حققته الشركة الأمريكية في البحرين في إزعاج شركة النفط الأنجلو-فارسية (APOC ، فيما بعد شركة البترول البريطانية)، لذا فقد أرسلت ممثلا عنها للقاء الشيخ عبد ﷲ بن جاسم آل ثاني، والتفاوض معه، وفي شهر أغسطس منحهم الشيخ الامتياز.

ومع ذلك ، كان لزاما على شركة النفط الأنجلو-فارسية (APOC ، فيما بعد شركة البترول البريطانية)، أن تحصل على موافقة أخرى هذه المرة من شركة نفط بريطانية أخرى كانت تسمي شركة نفط العراق (IPC).

فبموجب اتفاق موقع بين الشركتين عام ١٩٢٧، كان من الممنوع القيام بأي نشاط استكشاف في المناطق التي كانت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية السابقة في الشرق الأوسط، عرف هذا الاتفاق باسم اتفاق الخط الأحمر.

كانت قطر جزءًا من اتفاقية الخط الأحمر، باعتبارها كانت تحت الحكم العثماني، وقد وافقت حينها شركة نفط العراق (IPC) على بدء منافستها عمليات الاستكشاف في قطر.


اكتشاف حقل دخان النفطي:


سرعان ما بدأ العمل يجري على قدم وساق، سعيا وراء الذهب الأسود، كان البترول بحق هو سلعة العصر، به تدور المحركات ويتحرك كل شيء على كوكبنا، والجميع يتنافس على اكتشافه والسيطرة عليه، وكان الأمل كبيرا في قطر.

انطلق العمل بالتحديد في مدينة دخان التي تقع على بعد ٨٤ كيلومترًا من الدوحة على الساحل الغربي لقطر، ويسميها القطريين بهذا الاسم بسبب طبيعة جوها المليء بالضباب، بعدما كان فريق من اثنين من الجيولوجيين قد حددا علامات وصخور تتشابه مع ما وجدوه في البحرين المجاورة التي كان النفط قد اكتشف فيها بالفعل. 

أربعة سنوات، أربعة سنوات من المحاولات، تصاعد فيها الأمل وتضائل حتى كاد يختفي، ذلك لأن حقل دخان النفطي بدأت عمليات التنقيب فيه عام ١٩٣٥، وخلال أربع سنوات لم تهل البشري.

لكن وفي الأيام الأخيرة من عام ١٩٣٩ (لدرجة أن بعض المصادر تؤرخ الحدث في يناير ١٩٤٠) وأخيرا وبعد طول انتظار، تم اكتشاف النفط لأول مرة في قطر في حقل دخان النفطي.


النفط وحده لا يكفي:

أنابيب حقل دخان النفطية، ويظهر من مسافة بعيدة مصفاة نفط، Douglas Perkins، (CC BY 2.0)، via Wikimedia commons. 


كانت قطر في تلك الفترة يقوم اقتصادها بشكل أساسي على الغوص لاستخراج اللؤلؤ والمتاجرة به، والإبحار بالسفن لأغراض الصيد والتجارة، حتى جاء عليها وقت كانت فيه المراكب الشراعية القطرية تشكل ثلث أسطول الخليج بأكمله.

لكن تطوير اليابان للؤلؤ المستزرع في الثلاثينيات أدى إلى تراجع حاد في تجارة اللؤلؤ في الخليج، ما جعل الوضع الاقتصادي لقطر يسوء بشكل كبير.

على عكس جيرانها الذين مكنهم النفط من بدء مراكمة الثروة، بدا أن النفط وحده لا يكفي بالنسبة لقطر الذي ظلت محدودة الموارد، لا يعرف العالم عنها إلا أنها مليئة بالرمال والحجارة، وأعداد من الأكواخ والبيوت الطينية.

السبب الأول والأهم لعدم كفاية النفط في قطر لإحداث القفزة الحضارية التي حققتها دول الجوار أن الكميات التي اكتشفت منه لم تكن تكفي لضخ المال بوفرة في الخزانة القطرية.

ولا يمكن هنا أن نغفل أنه عندما وقع الشيخ عبد ﷲ بن جاسم آل ثاني، اتفاقية التنقيب عن النفط كانت قطر لا تزال تحت الحماية البريطانية بموجب المعاهدة الموقعة عام ١٩١٦ عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية.

إذ لم تنل قطر استقلالها عن بريطانيا إلا في الثالث من شهر سبتمبر عام ١٩٧١.

ما يؤكد القول بأن النفط لم يكن كافيا لثراء قطر، أنه وبرغم أن النفط قد اكتشف فيها في نهاية عام ١٩٣٩ مطلع عام ١٩٤٠، إلا أن الأمر احتاج عشر سنوات كاملة لتصدير أول شحنة نفط قطرية وذلك في ٣١ ديسمبر من العام ١٩٤٩ عن طريق محطة ام سعيد، وكانت شحنة برية. 

لكن ينبغي هنا أيضا أن نقول أن سوء الحظ قد تداخل في قصة النفط في قطر، فنفس تاريخ اكتشافه، هو التاريخ الذي انطلقت فيه الدبابات والطائرات الألمانية مدوية معلنة بداية الحرب العالمية الثانية، ما حد كثيرا من إمكانية استغلاله بسبب ظروف الحرب.

لذا فقد وقف العمل تقريبا حتى عام ١٩٤٧، وإذا ما قارنا هذا مع ما حدث في السعودية، لوجدنا اختلافا مذهلا، إذ تم اكتشاف النفط في السعودية في ٣ مارس ١٩٣٨، ثم قاموا بتصدير أول شحنة نفطية في تاريخها على متن ناقلة نفطية بحرية في ١ مايو / أيار ١٩٣٩، أي بعد سنة وثلاثة شهور فقط.

كل هذه الأمور، جعلت النفط لا يكفي بمفرده لتحويل قطر إلي دولة ثرية.

وبرغم هذا فإن جهود التنقيب عن النفط والغاز في قطر لم تتوقف سعيا وراء احتمال وجود حقول جديدة، وهو ما حدث بالفعل عام ١٩٦٠ حين اكتشف أول حقل بحري في قطر (العد الشرقي)، وتم تصدير أول شحنة من النفط الخام البحري القطري في الأول من فبراير عام ١٩٦٤.


١٩٧١ عام الخير:

الشيخ أحمد بن على آل ثاني يوقع على اتفاقية استقلال دولة قطر، صورة من مكتبة قطر الوطنية. 


إذا جاز للقطريين أن يصفوا عاما في تاريخهم بأنه عام الخير، فأنه وبلا شك كان العام ١٩٧١.

جلى الاحتلال البريطاني عن قطر في ذلك العام، وفيه أيضًا تم اكتشاف (حقل الشمال). لكن المثير أن أحدا لم يدرك أهمية اكتشاف حقل الشمال في حينها.

تطلب الأمر ١٤ عاما أخرى (أي حتى عام ١٩٨٥) لكي يدرك المهندسين بعد حفرهم ١٥ بئر تجريبيا في حقل الشمال أنهم أمام أثمن ما يمكنهم العثور عليه.

يحتوى حقل الشمال على إحتياطيات من الغاز الطبيعي تزيد عن ٩٠٠ ترليون قدم مكعب، بلغة الأرقام فإن حقل الشمال به ١٠٪ من احتياطي الغاز الطبيعي المكتشف عالميا، ما يجعله أكبر حقل للغاز غير المصاحب في العالم.


اكتشاف حقل غاز الشمال:


كان التنقيب يجري في منطقة المياه المغمورة شمال شرق شبه جزيرة قطر، والمثير أن التنقيب كان أصلا يستهدف العثور على النفط وليس الغاز.

ولكن فكما يقول الشاعر العربي في أبيات شعر شهيرة وإن كان هناك اختلاف حول قائلها:
دع المقاديرَ تجري في أعَنّتها
ولا تبيتنّ إلا خاليَ البالِ
ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتها
يغيّر الله من حالٍ إلى حالِ.

فكان اكتشاف الغاز الطبيعي في حقل الشمال بمثابة التغيير الشامل الذي غير كل شيء في قطر، وكشفت الأحداث بعد ذلك أن هذا الغاز المتراكم عبر ملايين السنين كان أفضل كثيرا من لو كان قد تم العثور على النفط... فكان بحق هبة من ﷲ.

عندما تم اكتشاف حقل الشمال لأول مرة سمي باسم (القبة الشمالية الغربية) بحسب دراسة أعدتها جامعة كامبريدج البريطانية العريقة.

هذا ويتراوح العمق المائي لحقل الشمال ما بين (١٥ - ٧٠ مترا) ، ممتدا على مساحة ٦٠٠٠ كم مربع، وبإحتياطيات (٩٠٠ تريليون) قدم مكعب من الغاز الطبيعي، ما يجعل قطر الدولة الثالثة عالميا بعد روسيا الاتحادية وجمهورية إيران.

كان الأمر جنونيا، يشبه كثيرا عبور نهر الروبيكون (Rubicon) الذي كان ممنوعا بقوة القانون على أي قائد عسكري روماني عبوره بقواته منعا لأي انقلابات عسكرية.

مثل حقل الشمال بالنسبة لقطر القائد العسكري الذي عبر بها نهر الروبيكون، عبر بها إلي آفاق جديدة واسعة جعلت المواطن القطري حاليا من أعلى المواطنين دخلا على مستوى العالم، وجعلها دولة برغم صغر مساحتها جغرافيا، تكتسب أهمية جيوسياسية عالية للغاية، وحتى على الصعيد الرياضي فهي صاحبة حق تنظيم مونديال هذا العام فيفا قطر ٢٠٢٢.


إنشاء قطر للبترول:

حقل غاز الشمال، صورة من شركة قطر للغاز. 


تنبغي الإشارة إلي جزئية غاية في الأهمية حدثت في العام ١٩٧٤، حينما كان الموعد مع علامة بارزة ليس فقط في قصة النفط والغاز في قطر بل في مسار في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلد بشكل عام.

فبعد ثلاث سنوات من الاستقلال، تأسست قطر للبترول QGPC، بموجب قرار الحكومة القطرية وقتها بالاستحواذ على عمليات النفط والغاز البرية والبحرية في البلاد.

لكن الغريب في قصة اكتشاف الغاز في قطر ، أنه وبرغم اكتشاف حقل غاز الشمال في عام ١٩٧١ إلا أن الأمر قد استغرق ٢٠ عاما قبل أن يتم استغلاله بشكل صحيح.

تعددت أسباب هذا التأخير بداية من صعوبة تصدير الغاز من قطر بسبب بعدها الجغرافي عن الأسواق التقليدية للغاز الطبيعي في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، كما ظهرت مشاكل التمويل خصوصا أن شركة (قطر للبترول) التي أصبحت عملاقة اليوم، ولدت بدون رأس مال كبير، كما لم يخلو الأمر من أخطاء التقييمات الفني والاستهانة بقيمة حقل غاز الشمال.

بخلاف كل هذا، قررت قطر أن تستغل الغاز أولا في سد احتياجاتها المتزايدة من الطاقة في تلك السنوات، والتي تستخدمها أساسا في تحلية المياه وإنتاج الطاقة الكهربائية. 

ستظل قطر تنظر إلى أول شحنة غاز طبيعي قطرية تصل إلى شواطئ اليابان -وهي واحدة من كبار مستوردي الغاز عالميا- في عام ١٩٩٧، باعتبارها الشحنة التي غيرت تاريخها، وفتحت المجال للتصدير للأسواق العالمية بكميات كبيرة، منذ ذلك التاريخ لم تنظر قطر إلي الوراء أبدا.

كما ستظل تنظر بفخر إلي قرارها في أواخر التسعينات بالبدء في مشاريع تحويل الغاز إلي غاز طبيعي مسال (GTLs)، ما مثل مخاطرة محسوبة خصوصا مع انخفاض أسعار الطاقة في تلك الفترة.

بنت قطر مصنع (أوريكس جي تي إل) وهو أول مصنع لتحويل الغاز إلي غاز طبيعي مسال على مستوي تجاري في العالم وذلك عام ٢٠٠٣، وبدأ انتاجه عام ٢٠٠٧.

وبتكلفة ٢٣ مليار دولار أمريكي بنت قطر عام ٢٠٠٧ أكبر مصنع تحويل الغاز إلي غاز طبيعي مسال في العالم وهو مصنع (اللؤلؤة)، الذي بدأ إنتاجه عام ٢٠١١.

ومع تقدير نسبة احتياطيات قطر إلى الإنتاج مبدئيًا بأنها ستكون كافية لمدة ١٠٠-١٣٠ عامًا بمعدلات الإنتاج الحالية، فإن هذا يعني أن قطر من المتوقع أن تظل واحدة من رواد الغاز الطبيعي في العالم خلال القرن المقبل. 

اليوم، تمتلك قطر الصغيرة جغرافيا بطول ١٦٠ كم وعرض يتراوح بين ٥٥ : ٩٠ كم، ثروة نفطية هائلة الحجم، مع ثالث أكبر احتياطي للغاز في العالم، وحوالي ٢٥ مليار برميل من النفط، مكنتها من تحقيق نمو مستدام وتنويع نشاطاتها الصناعية والتجارية، وضخ استثمارات هائلة في البنية التحتية والتعليم وتوفير نظام صحي عالمي لمواطنيها والمقيمين، وإنشاء وتعزيز المؤسسات الثقافية والفنية.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -