الطنطورة .. القصة الكاملة للمجزرة

في الثالث والعشرين من مايو / آيار عام 1948 كان الرجال والنساء والشيوخ والأطفال المدنيين الفلسطينيين من سكان قرية الطنطورة على موعد مع اليوم الذي سيلقون فيه ليس حتفهم فقط .. بل سيمرون خلاله بواحدة من أبشع مجازر النكبة الفلسطينية.

اليوم وبعد كل هذه السنوات جئنا لكم لنحكي.

الطنطورة .. القصة الكاملة للمجزرة

صورة لشاطئ الطنطورة، التقطت بين عامي 1920 : 1933، Matson (G. Eric and Edith) Photograph، Library of Congress، public domain.

أين تقع الطنطورة؟:

لعل من المهم أولا أن نعرف أين كانت تقع قرية الطنطورة.. والتي وبلا شك كانت واحدة من أجمل قري فلسطين في ذلك الزمان.

بالقرب من واحدة من أجمل مدنها (حيفا) وعلى شاطئ البحر المتوسط كان هناك قرية صغيرة وهادئة اسمها الطنطورة.

كان معظم سكان هذه القرية من الصيادين، كنتيجة طبيعية لموقع قريتهم على الشاطئ.

وبحسب آخر تعداد تم إجراؤه عام 1945، كان عدد السكان في تلك السنة حوالى 1490 شخصا.

مجزرة قرية الطنطورة:

بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) استشهد في مجزرة قرية الطنطورة 230 شهيدا.

وفي ربيع عام 2001 نشر في (المجلد الثلاثون، العدد 3، العدد 119) من (مجلة الدراسات الفلسطينية) التي كانت تطبع وتنشر في جامعة كاليفورنيا الأمريكية أن المذبحة بدأت ليلة 22 / نهار 23 مايو عام 1948.

كان ذلك بعد إسبوع واحد فقط من إعلان (دافيد بن غوريون) قيام الكيان المحتل، حينما بدأ الهجوم على القرية التي كان يعيش فيها وقتها 1500 فلسطيني، 

الهجوم نفذه وحدات تتبع (لواء ألكسندروني) .. ونحن اليوم نشاهد مدى همجية جيش الاحتلال الإسرائيلي.. فإننا نتخيل مدى الهمجية التي تصرف بها هؤلاء الأفراد عام 1948، والذين كانوا قبل اسبوع واحد فقط من المذبحة مجرد أعضاء في عصابات.

هذا اللواء بالذات (ألكسندروني) كان أصلا يتبع لعصابات الهاغاناه الصهيونية الإرهابية.

بشكل واضح لا لبس فيه .. ما حدث في الطنطورة كان مجزرة و (جريمة حرب) لأن السكان المدنيين الفلسطينيين تم قتلهم بعد استسلامهم أصلا وبدون قتال، وتم إجبار العديد منهم على حفر مقابرهم الجماعية بأيديهم ثم قتلوا ودفنوا فيها.

لماذا اختار الجيش الإسرائيلي الهجوم على قرية الطنطورة؟:

هذا السؤال يبدو منطقيا للغاية .. لماذا كانت الطنطورة بالذات هدفا لهذه المجزرة؟.

لكن هذا السؤال وقبل الإجابة عليه يجب أن نشير أن الطنطورة لم تكن حدثا استثنائيا أو عابرا .. لقد كانت مجرد قرية من 450 قرية فلسطينية تعرضت لمصير مماثل خلال حرب العام 1948.

كان الهدف الإسرائيلي من وراء مذبحة الطنطورة وغيرها واضحا .. إنه (الإرهاب) إرهاب الفلسطينيين ودفعهم لترك بيوتهم وقراهم ومدنهم هربا من هؤلاء الوحوش البشرية الذين يقتلون كل شخص يقابلهم.

لكن الطنطورة حملت سببين إضافيين دفعا جيش الاحتلال الإسرائيلي للهجوم عليها وبشكل سريع بعد أسبوع واحد من قيام الكيان المحتل ، نفهمهما ببساطة عندما ننظر إلي الخريطة معا.

فالطنطورة تقع بالقرب من أهم ميناء سقط في قبضه هذا الكيان على شاطئ البحر المتوسط ونقصد (حيفا) التي تقع القرية على بعد 35 كيلومتراً فقط من جنوبها، وكان من المهم التخلص من المحيط الفلسطيني حول حيفا.

علاوة على ذلك، فإن القرية كانت تقع ضمن المنطقة المخصصة للدولة اليهودية بموجب قرار التقسيم الجائر والصادر عام 1947 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ستطغى أحداث معارك حرب 1948 التي استمرت لشهور على أحداث تلك المجزرة التي ستظل قيد النسيان لسنوات، ولكنها كأي حقيقة في الدنيا .. ستظل باقية وستنكشف مهما مر الزمان.

فيلم الطنطورة:

في العام 2022 ، ظهر للعالم فيلم TANTURA أو טנטורה باللغة العبرية، وبالعربية (الطنطورة) للمخرج الإسرائيلي (آلان شوارتز).

تدور أحداث الفيلم والمبنية على رسالة لنيل درجة (الماجستير) في (جامعة حيفا).

هذه الرسالة سبقت الفيلم بأكثر من عشرين عاما كاملة حينما قرر أحد طلاب الجامعة ويدعي تيودور (تيدي) كاتس أن تكون اطروحته في رسالة الماجستير من قسم تاريخ الشرق الأوسط، بكلية العلوم الإنسانية عن (مجزرة الطنطورة) تحت اشراف بروفيسور كان يدعي (كيس بيرو).

ليست رسالة الماجستير تلك والتي حملت اسم (خروج العرب من قرى سفح الكرمل الجنوبي عام 1948)، ولا هذا الفيلم هما أبرز الأعمال عن ما حدث .. في جعبتنا كذلك رواية شهيرة للكاتبة المصرية (رضوى عاشور) حملت اسم (الطنطورية)، وكذلك الكتاب المهم (شرك الدم .. الطنطورة 22ـ23 أيار 1948 معركة ومجزرة) للكاتب الفلسطيني السوري (مصطفى الولى) وهو من مواليد قضاء حيفا أي بالقرب من موقع المذبحة.

نعود إلى الطالب الإسرائيلي من عام 1998 أكثر من 140 ساعة من التسجيلات مع 135 شاهد على المجزرة، نصفهم من أفراد القوة الإسرائيلية التي نفذت المجزرة أنفسهم معترفين بكل تفاصيل ما حدث، والنصف الآخر من الفلسطينيين.

كما دعم رسالته بالتغطيات الصحفية في تلك الفترة علاوة على وثائق أرشيفية.

لكن ما حدث بعد ذلك كان بمثابة (فضيحة أكاديمية) ليس فقط لجامعة حيفا بل للمنظومتين الجامعية والقضائية الإسرائيلية بالكامل، فبالرغم من إجازة الرسالة، وحصول تيدي كاتس على درجة الماجستير بعلامة عالية ولم يعترض أحد حتى نشرت صحيفة (معاريف) الإسرائيلية تقريرا عنها عام 2000، حيث سحبت منه الدرجة نتيجة لرد الفعل الذي حدث وقتها.

ونعتذر هنا عن استخدام لفظ (التبجح) لكنه لا يوجد أفضل منه لوصف ما فعله مجرمي مذبحة الطنطورة من رفعهم دعوى (تشهير) ضد تيدي كاتس، والذي لم يأخذ منهم اعترافاتهم كرها مثلا، أو حتى أخذها مكتوبة ليدعوا أنه أضاف إليها شيئا، بل كانت مسجلة كما ذكرنا.

اتهم هؤلاء القتلة هذا الباحث بأن (أساليبه في جمع المعلومات غير أكاديمية) .. ولمزيد من التدني، اشتركت وسائل الإعلام الإسرائيلية في حملة هؤلاء ضد تيدي كاتس، ما أجبره وفي غياب محاميه على تدوين اعتراف أدان فيه نفسه، وتراجع عن رسالته وتنازل عنها.

ولك أن تعلم عزيزي القارئ أن هذا الباحث انتهي به الأمر إلى دمار صحته النفسية والجسدية لدرجة أنه أصبح يتحرك الآن على كرسي متحرك.

لا عجب في ذلك، فحتى اليوم لا تزال الصحافة في الكيان الذي يقول عن نفسه أنه (الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط) تجادل بأن هذه المذبحة مجرد احتيال وأمر غير منطقي فقط لأن القرويين والمؤرخين الفلسطينيين لم يشيروا إليها قبل الفيلم ودراسة الماجستير الإسرائيلية التي أشرنا لكلاهما.

ولعل المثال البارز على ذلك تلك المقالة التي أقل ما توصف بأنها (منحطة) من المؤرخ الإسرائيلي الشهير (بيني موريس) صاحب نظرية ضرورة استئناف النكبة الفلسطينية من جديد.

بيني موريس ينفي وقوع مجزرة الطنطورة أصلا برغم كل الشواهد عليها (شهود عيان من الضحايا، اعترافات مسجلة من الجناة، ما كشفه تقرير بريطاني حديث صادر عن مؤسسة فورينزيك أركيتكشر من أدلة سنشير إليها فيما بعد)، بل ويتجاهل أن فكرته الأساسية عن أن الفلسطينيين لم يتحدثوا عنها إلا بعد دراسة (تيدي كاتس) غير صحيحة، وهي فكرة إما جاهلة أو كاذبة.

فلدينا كتاب (مِن أثِر النَكبة) والذي وضعه الشيخ الكبير (محمد نمر الخطيب) وهو عالم دين فلسطيني معروف درس في (الأزهر الشريف) بمصر، وكانت عائلته من أشهر عائلات حيفا.

في هذا الكتاب المنشور بعد النكبة بسنتين فقط (1950) نشر الشيخ شهادات شهود العيان عما جري، وكان مما أشار إليه بجانب جرائم القتل حالات الاغتصاب التي عولج بعضها في مستشفى نابلس (يمكنكم مراجعة تقريرنا: عندما يأتي الجنود .. تاريخ حوادث اغتصاب السيدات في الحروب).

ويتجاهل هذا الذي يوصف بأنه مؤرخ ما قاله الجنود أنفسهم.. ومنهم (يوسف ديامانت) والذي كان حاضرا في الطنطورة واصفا الجنود الذين كانوا معه: (لقد أصبحوا متوحشين في الطنطورة .. وهذا الأمر تم التكتم عليه).

كل ذلك لا ينبغي أن يجعلنا نحن نصفق لتيدي كاتس أو نعتقد أنه الشخص الجيد بين الأشرار .. فبالرغم من أهمية ما فعله إلا أنه اعتبره مجرد محض تصرفات شخصية لجنود (لواء ألكسندروني) وأن ذلك لم يكن نتيجة لأوامر اعطيت لهم، أو حتى النهج الذي اتبعه الكيان المحتل في تلك الفترة.

ولعل هنا تبرز أهمية كتاب مصطفى الولى (شرك الدم .. الطنطورة 22ـ23 أيار 1948 معركة ومجزرة) الذي اعتمد فيه على شهادات أبناء الطنطورة الذين لجئوا إلي سوريا حيث رد على هذا الإدعاء وكشف أن هذه المجزرة لم تكن إلا امتداد للتصرفات الصهيونية وقتها.

الطنطورة الآن:

في يومنا هذا .. وبرغم الاحتلال البغيض فإن الطنطورة بقي منها شواهد حية .. شواهد على الناس الذين عاشوا فيها .. أدلة على شعب كريم احتلت أرضه على يد بغاة تجمعوا من كل أنحاء العالم ليسرقوا وطنهم.

بحسب دراسة بريطانية -ونحب هنا أن نذكر الجميع أن بريطانيا هي أساس قيام الكيان الصهيوني وزرعه في أرض فلسطين- فإنه وفي الطنطورة الآن وفقا لبيانات الخرائط والصور الجوية التي اعتمدت عليها ثلاثة مواقع محتملة لمقابر جماعية لضحايا المذبحة الإسرائيلية في القرية الفلسطينية.

الطنطورة الآن تحولت إلى (شاطئ دور هبونيم) وهو شاطئ رائع الجمال، وهو يعتبر ضمن (الأماكن المحمية) أي لا يجوز التغيير فيها.. ومع ذلك فهو شاطئ يأتي إليه الإسرائيليين للاستمتاع والاستجمام وأصحابه الأصليين مدفونين بالضبط تحت المكان الذي خصص ليصبح موقف السيارات الخاص بالشاطئ.

ولا نعلم حقيقة هل تخصيص أماكن المقابر الجماعية لبناء مواقف سيارات وقتها هو أسلوب إسرائيلي ام أن الأمر محض صدفة؟.

خصوصا أنه قد تكرر مع قوة من جنود مصريين استشهدوا خلال حرب يونيو 1967 بعدما تم حرقهم أحياء ودفنهم في مقابر جماعية بالقرب من القدس المحتلة، واليوم فإن مقبرتهم فوقها موقف سيارات أحد مراكز الجذب السياحي في كيبوتس "نخشون" (التفاصيل في تقريرنا: مصر تكلف سفارتها في تل أبيب تقصي حقيقة ما نشر عن مقبرة جماعية لجنود صاعقة مصريين قرب القدس).

نعود إلي البحث البريطاني الذي قامت به مؤسسة (Forensic Architecture) فورينزيك أركيتكشر أو (الهندسة المعمارية الجنائية) والتي تعمل على استخدام الهندسة المعمارية في الكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان وتكشف العديد من الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ومنها ما يحدث في غزة، وهي مؤسسة تابعة لجامعة لندن.

لم يحدد البحث مواقع القبور الجماعية فقط، بل قام بإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد لها ولمواقع عمليات الإعدام ومواقع القبور الأصلية لأهالي قرية الطنطورة.

تعليقات