زدني معرفة

عندما يأتي الجنود .. تاريخ حوادث اغتصاب السيدات في الحروب


عندما يأتي الجنود .. تاريخ حوادث اغتصاب السيدات في الحروب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استلهمت العنوان هنا من كتاب المؤرخة الألمانية الشهيرة "ميريام غيرهارد" Miriam Gebhardt والصادر تحت عنوان "عندما جاء الجنود" أو Als die Soldaten kamen باللغة الألمانية، والذي تناول بشكل دقيق ومؤلم الانتهاكات المريعة التي ارتكبها الجنود من جيوش دول الحلفاء الذين دخلوا ألمانيا عام 1945 مع وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها. وقد نجح هذا العمل التاريخي في جذب أنظار الكثير من الباحثين والكتاب بل وحتى الناس العاديين من جميع أنحاء العالم.

غلاف كتاب عندما يأتي الجنود Als die Soldaten kamen .. عرض هذا الكتاب لحوادث اغتصاب جنود قوات الحلفاء للسيدات والفتيات الألمانيات في نهاية الحرب العالمية الثانية.

والحقيقة أن ذاك النموذج الفاسد تكرر كثيرا طوال التاريخ مما يدعو للتساؤل والبحث عنه.

فاجعة في البوسنة:

كان ما حدث في البوسنة مطلع تسعينيات القرن الماضي فاجعة بكل المقاييس، اعتبرت لفداحة ما جري بها هي أسوأ مأساة إنسانية تقع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وكما حدث في ألمانيا، اقترف جنود الجيش الصربي و معه عصابات مسلحة برعاية الدولة الآلاف من جرائم الاغتصاب، لكن تلك الجرائم اتسمت بدونية وخسة أكبر، إذ جاءت في البوسنة بشكل منظم بل وتحت قيادة تشرف عليها، إلي الحد الذي جعل "المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة" تصنفها كجرائم "تطهير عرقي"، وحاجج بعض فقهاء القانون الجنائي الدولي بأن ما حدث يمكن توصيفه أيضا بجريمة "إبادة بشرية".

ولتوضيح هذه المصطلحات، فإن التطهير العرقي الذي وصفت المحكمة ما حدث به، هو التغيير الكلي لجماعة ما بسبب عرقها أو دينها أو جنسيتها أو لونها، باستهدافها بأفعال وجرائم كالقتل أو الاغتصاب أو التعذيب، بهدف إما القضاء عليها أو إجبارها علي ترك منطقة أو مكان ما، وهكذا يكون قد تم "تطهيرها" منهم. أما الإبادة البشرية فتتلخص في تدمير جماعة ما إما كليا أو حتى جزئيا. 

لقد تحول الاغتصاب في حرب البوسنة إلي أكثر من مفهومه التقليدي في كل مكان حول العالم، إذ استخدمه الصرب كسلاح حرب وأداة للتطهير العرقي عبر إجبار السيدات المسلمات اللواتي تم اغتصابهن علي إبقاء الحمل في أرحماهن، فتتحول تلك الأرحام إلي مصانع لانتاج اطفال من أباء صرب يقومون بأخذهم بمجرد الولادة، لتكون النتيجة هي إبادة السكان المسلمين بهذه الطريقة المرعبة.

في البوسنة ووفقا للمحكمة الدولية وللجنة الخبراء التي قامت بدراسات ميدانية شاملة وتقارير القوات الدولية كذلك، فإن الصرب ارتكبوا جرائم "اغتصاب جماعي" ضد السيدات المسلمات، وتم احتجاز الحوامل ومنعهن من الإجهاض، وأن هذا كله كان يتم بواسطة فرق عهد إليها بتلك المهمة، وقد عددت هذه اللجان أرقام متفاوتة بداية من 2000 حالة حتى عشرات الآلاف من الحالات لسيدات مسلمات تعرضن للاغتصاب، وإن جاء في التقارير وبشكل صريح أن هناك حالات كثيرة لم يتم الإبلاغ عنها بسبب العرف المجتمعي، وبالتالي فأن أرقام تلك اللجان قد لا تمثل الصورة الحقيقية لما حدث في البوسنة تلك الأيام.

حينما سقط النازي:

بالعودة إلي كتاب "عندما جاء الجنود" لميريام غيرهارد، سنجد حقائق مفزعة تقص علينا ما حدث في ألمانيا عام 1945 وما تلاه ربما لعقد كامل حتى عام 1955، فإذا كانت البوسنة ذاخرة بوحشية لا مثيل لها، فإن ما حدث في ألمانيا كان علي نطاق أوسع ... أوسع كثيرا.

يتحدث الكتاب عن مليون حالة اعتداء جنسي !!! هذا نتج عنه أن حوالي 5% من الولادات في ألمانيا حتى مطلع الخمسينيات كانت نتيجة حوادث الاغتصاب تلك، وبالطبع نشأ هؤلاء الأطفال وعاشوا حياتهم دون معرفة أبائهم، حتى شكلوا ظاهرة معروفة في ألمانيا حتى يومنا هذا، ولنا أن نتخيل مدى المشاكل النفسية التي قد يتعرض لها إنسان ولد وعاش في مثل هذه الظروف.

بشكل عام لم يكن هناك أي تمييز في حوادث الاغتصاب تلك من حيث السن، فوفقا للكتاب تم تسجيل اغتصاب للفتيات في عمر السابعة وللعجائز في السبعين، في السر وفي العلن وهناك حالات مسجلة لاغتصاب أمام أسرة الضحية، في طول البلاد وعرضها وليس في برلين أو ميونخ فحسب، وقام بها جنود من كل دول الحلفاء، من الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، وليس الجنود السوفييت فحسب كما كان الحديث يدور دوما.

بينما كان العالم ينظر للجنود السوفييت وهم يرفعون علم الاتحاد السوفيتي أعلى مبنى الرايخستاغ الألماني في قلب برلين، كانت الأرض تشهد حوادث مفجعة من حوادث اغتصاب النساء التي لم توثقها الكاميرات، صورة بعدسة، Yevgeny Khaldei، mil.ru، Creative Commons Attribution 4.0 Licence

وما يجعل كتاب المؤرخة الألمانية ميريام غيرهارد مصدرا موثوقا به اعتماده علي وثائق مدروسة بدقة حصلت عليها من المستشفيات والكنائس بل وحتى مراكز الشرطة التي تلقت عددا من البلاغات وسجلتها، ولم يخلو الكتاب أيضا من الشهادات الشخصية لمن عاصر تلك الجرائم.

وتجدر الإشارة إلي أن دول المحور كاليابان ارتكب جنودها فظائع مماثلة في جنوب شرق آسيا وإن كان التركيز عليها أقل بكثير مما حدث في أوروبا، رغم أن فظاعتها لا تقل عنها شيئا، كما حدث علي سبيل المثال في (مذبحة نانجينغ) عام 1937 -كانت المعارك بين اليابان والصين قد بدأت قبل اندلاع الحرب في أوروبا مع الغزو الياباني للصين لتبدأ ما عرفت فيما بعد بالحرب الصينية اليابانية الثانية-. في نانجينغ التي كانت عاصمة الصين وقتها سعي جنود الجيش الياباني يفسدون في الأرض، وفيما يتعلق بالاغتصاب تحديدا تم اغتصاب 20 ألف سيدة صينية خلال أكثر من 40 يوما هي مدة المذبحة التي يندى لها جبين البشرية.

موقف القانون الدولي:

الحقيقة أن القانون الدولي يعج بالنصوص المختلفة التي تحرم هذه الأفعال، لكنها علي أرض الواقع لم تمثل رادعا حقيقيا يمنع من وقوعها، فلقد وقعت اتفاقية جنيف الرابعة عام 1949 وجاء في المادة 27 منها: "يحظر الاغتصاب ضمن الحقوق الأساسية للأشخاص"، كما اعتبرته المادة 147 من ذات الاتفاقية تعذيبا ومعاملة غير إنسانية.

وإذا اعتبرنا أن هذا كان نتاجا ودرسا مستفادا للبشرية مما حدث في ألمانيا والصين، فإن الحقيقة المرة تقول أنه لم يمثل مانعا فعالا من تكرار الأفعال ذاتها بقدر أكبر من الإيلام والأذى في البوسنة في التسعينيات، وإذا ما اعتبرنا تجريم الاغتصاب وصور الاعتداءات الجنسية المختلفة بشكل صريح في (نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة عام 1998)، بل وأحكام السجن لعشرات السنين بحق عدد من القادة الصرب تشديدا عن الوضع قبل حرب البوسنة، فحتى هذا التشديد لم يكن هو المانع من تكرار نفس الأفعال في العراق وسوريا في السنوات الماضية.

فلسفة الاغتصاب:

في روايتها "الطريق إلي بئر سبع" التي تدور أحداثها تحديدا خلال مصيبة العرب الكبرى في القرن العشرين عام 1948 في فلسطين، تعرضت الروائية الإنجليزية ذات الأصول الأيرلندية " إيثيل مانين" لهذه القضية.

ففي مطلع أحداث الرواية نجد جنديان إسرائيليان يحضران إلي دار فلسطيني ويغتصبان فتاة تعمل فيه وسيدتها بداخله، وتعرج بنا الكاتبة في منتصف الرواية علي مسألة الإجهاض والتي وإن كانت ممكنة فأنها لم تكن سهلة بدنيا أو نفسيا علي الضحية، لكن ما يهم هنا هو شرح السيدة مانين للمشهد والذي أجده واقعيا إلي حد بعيد، معبرا عن حالات اغتصاب الجنود للنساء في الحروب.

نحن أمام جنديان يلهوان في بلدة مهزومة، يدخلان أحد البيوت ليغتصبا الخادمة وسيدتها، ثم يغادران هكذا بكل بساطة، وهذه الحالة من اللامبالاة تنتج عن شعور بالقوة، بداية من معيار الرجولة والتأنيث، ثم أن المغتصب مسلح ومدرب علي القتال بينما المرأة عزلاء، وفوق كل هذا فأنه لا يوجد رادع، لا يوجد هنا حساب، متعة بدون ثمن. مقابل دمار نفسي وجسدي شامل للضحية، يستمر لمدة زمنية طويلة مع احتمالية حدوث حمل أيضا بل وربما إنجاب طفل.

هذا بالضبط هو توصيف حالات الاغتصاب في الحرب، وربما يدفع هذا عقولنا مباشرة لتذكر ثنائية السيد الأبيض والعبد الأسمر التي دارت طويلا في مزارع أمريكا منذ القرن السابع عشر واستمرت لقرون تلت، كان خلالها السيد الأبيض له كافة الحقوق علي عبيده، وكانت كل ليلة في كل مزرعة تشهد حالة اغتصاب، وهو وضع مماثل للوضع السابق أيضا، رجل وامرأة، السلاح هذه المرة هو شعور السيادة والتفوق لدي السيد الأبيض، وشعور مضاد بالدونية وعدم امتلاك القدرة علي المقاومة اكتسبه المستعبدون من طول مدة استعبادهم -منهم أصلا من ولد عبدا-، كما أنه لا رادع ولا حسيب لنصبح مجددا أمام متعة بلا ثمن.

يذكرني هذا أيضا بما سمعته من وثائقي عرضته قناة دولية شهيرة جمعت فيه عددا من تسجيلات الجنود الإسرائيليين خلال حرب يونيو 1967، فيه تسجيل لجندي يقول: (سأغتصب أول امرأة في الطريق، ولو كانت عجوزا). إذن هذا التكرار يخلق لنا قاعدة إذا ما توافرت شروطها فأنها ستحدث لا محالة، حالة تجمع بين الشهوة الغير مميزة، ولذة الانتقام أو إثبات القوة والتفوق والسيطرة.

الحل:

في رواية الطريق إلى بئر سبع للكاتبة الروائية الإنجليزية ذات الأصول الأيرلندية " إيثيل مانين"، عرضت مثالا لما لا يعرف عدده من حوادث الاغتصاب التي قام بها الجنود الإسرائيليين في الكثير من الحروب التي احتلوا فيها أراضي عربية.

يخطئ من يظن من هذا العرض السابق للمشكلة أن الاغتصاب من جنود لسيدات في وقت الحروب أمر حديث أو حتى عرفناه في مطلع القرن العشرين، لأن الحقيقة أنه يكاد يكون متلازمة مع أي صراع بشري مسلح، من سيخسر الحرب سيخسر كذلك عصمة أجساد النساء، هكذا يقول تاريخنا الإنساني، وكأن عقول البشر أصبحت مبرمجة علي أن الخطوة التالية للجندي المنتصر هي المتعة مع نساء عدوه جبرا.

لذلك فأي حديث عن حل شامل ونهائي لهذه المسألة هو من وجهة نظري هو حديث يفتقد أصلا للمنطق وليس للواقعية فحسب، فليس هناك من مقدمات أو أسباب تدعونا للقول بمثل هذا الرأي.

ومن ثم، فإن أفضل ما يمكن أن نطمح إليه هو محاولة تقليل وتخفيف هذا الارتباط التاريخي بين الحرب والاغتصاب، ولن يتم هذا إلا بعمل جماعي لدول العالم كلها لتثقيف البشر وإيقاظ الضمائر فيهم، وهذا بالطبع لن يجدي نفعا مع المتعصبين أو الأجلاف، لكننا حتى نطمح لتقليل هذا الاندفاع الأعمى تجاه هذا السلوك كلما تقاتل البشر، ويجب أن يدعم هذا تشديد قانوني أكثر، فمع تشدد محكمة يوغسلافيا سابقا وتوسيعها من إطار الاتهام ليشمل من عرف بحدوث هذا ولم يتدخل لمنعه، فإن ذلك لم يكن كافيا كما أسلفنا، وبجانب هذا كله نأمل أن يجد المفكرين والساسة أساليب فعالة لحل مشكلات الدول والتوفيق بين مصالحها إن تعارضت بدلا من اللجوء للحروب وما يصاحبها من ويلات ودمار، فربما يكون هذا هو السبيل الوحيد إن لا تحدث الحرب أصلا فلا يتبعها جرائم الاغتصاب.

والحق أقول أنني وفي هذه القضية بالذات لا أشعر بتفاؤل كبير، فقضية العنف الجسدي ضد المرأة في أوقات الحروب وبكل أسف ربما لن تنتهي.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-