الحرب الروسية - الأوكرانية: مالذي سيحدث في هجوم الربيع؟

في ٢١ مارس ١٩١٨، وفي ذروة معارك الحرب العالمية الأولى، بدأ الجيش القيصري الألماني هجوما كبيرا عرف فيما بعد باسم (هجوم الربيع الألماني) أو Kaiserschlacht.

جنود أوكرانيين حول دبابة روسية مدمرة في بوتشا، شمال أوكرانيا، (AP Photo/Vadim Ghirda)، manhhai, (CC BY 2.0)، via Flickr.

اليوم، فإن نفس التسمية تطلق على هجوم مرتقب للجيش الأوكراني الذي يخوض حربا مر عليها أكثر من عام، وأنتجت خط جبهة بلغ طوله ١٠٧٦كم، يبدو ثابتًا، حيث لا يظهر أيا من الجيشين المتحاربين أي ميل للتراجع.

اعتمدت المعرفة للدراسات في هذا التقرير، على دراسة نشرتها مؤسسة (جينز) Janes، وهي مؤسسة دراسات عسكرية بريطانية عريقة، يعتمد عليها الكثير من رؤساء الدول والحكومات عالميا بسبب موثوقية ما تنشره.

بين التاريخ وساحة القتال:

لم يعد الآن بمقدور روسيا أن تتحدث عن تحقيق أهدافها الأصلية من الحرب يوم بدأتها، والتي تمثلت وقتها في الاستيلاء على كييف وإملاء شروط موسكو على أوكرانيا.

لكن الحكومة الروسية لا تزال تشير إلى أنها تريد الاحتفاظ بشبه جزيرة القرم، ودونباس، وخيرسون أوبلاست (تسمي أيضا: خيرسونسكا).

على الجهة المقابلة، فإن البيانات الصادرة عن الحكومة الأوكرانية، تشير إلي أنها ليست مستعدة للقبول بأي شيء أقل من الانسحاب الكامل لجميع القوات الروسية من أراضيها، بما في ذلك شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا منذ أوائل عام ٢٠١٤.

عسكريا، لا يبدو أن كلا الجيشين لديه القدرة على خوض حرب استنزاف إلي أجل غير مسمى، لا يمكن استمرار تحمل فاتورة تكاليف خسائر القوات والمعدات والمركبات، وكذلك التكلفة المالية (يزيد على ذلك أثر الحرب على السكان المدنيين بالنسبة للجانب الأوكراني).

علاوة على ذلك، فإن كلا الجانبين، يستخدم ذخائر صلاح المدفعية بمعدلات كبيرة، لا يمكن استمرارها بأي حال من الأحوال.

ويخبرنا التاريخ أن هجوم الربيع الألماني الذي حمل أيضا تسمية (معركة القيصر) نسبة إلي القيصر الألماني يومئذ (فيلهلم الثاني)، كان عبارة عن سلسلة من الهجمات الألمانية على طول الجبهة الغربية، بدأت في ٢١ مارس ١٩١٨، فيما اعتبر حينها الرد الألماني على دخول الولايات المتحدة الأمريكية إلي الحرب رسميا في أبريل ١٩١٧.

واجهت القوات الألمانية العديد من المشكلات فيما يتعلق بالإمدادات خلال هجوم الربيع، صورة لرتل إمدادات ألماني، ٢٤ مارس ١٩١٨، بلدية إتريكورت مانانكورت، مقاطعة السوم، شمالي فرنسا، Unknown author، Attribution: Bundesarchiv, Bild 104-0984A / CC-BY-SA 3.0، via wikimedia commons.

قرر الألمان وقتها أن فرصتهم الوحيدة المتبقية للنصر هي هزيمة الحلفاء قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من إرسال جنود عبر المحيط الأطلسي ونشر قوتها العسكرية بالكامل.

ساعدهم وقتها أيضا، أن قدرا هائلا من قواتهم (ما يقرب من ٥٠ فرقة)، كانت تقاتل ضد الجيش القيصري الروسي، أصبح بمقدورهم تحريكها للقتال في جبهات أخرى، بعدما قامت الثورة ضد القيصر في روسيا، وانتهي وجود الروس في الحرب العالمية الأولى بالهزيمة، والانسحاب من الحرب مع معاهدة بريست ليتوفسك.

شن الألمان أربع هجمات كبرى، شكلوا معا (هجوم الربيع)، كان الهجوم الرئيسي فيهم يسمي (هجوم مايكل)، بهدف اختراق خطوط الحلفاء، وتطويق القوات البريطانية بداية من نهر السوم شمالي فرنسا، وحتى القناة الإنجليزية، ومن ثم هزيمتها.

كان الألمان يرون أنهم بمجرد تحقيق ذلك، فإن فرنسا ستسعي مباشرة لطلب الهدنة وستستجيب للشروط الألمانية.

أما بقية الهجمات، فقد خطط الألمان لجعلها بمثابة هجمات جذب وتحويل انتباه قوات الحلفاء بعيدا عن هجومهم الرئيسي عند نهر السوم.

بمجرد بداية العمليات، اصطدم الألمان بالتغيرات التكتيكية على الأرض، واضطروا لتغيير أهدافهم أكثر من مرة، ومع أنهم حققوا بعض الزخم في البداية، إلا أنهم واجهوا العديد من المشكلات كان على رأسها المشكلات اللوجستية.

إذ لم تستطيع الوحدات الألمانية السريعة الحركة أن تحمل ما يكفيها من طعام وذخيرة لازمة للقتال لفترات طويلة، كما لم تتمكن القيادة من نقل الإمدادات والتعزيزات بالسرعة الكافية لمساعدتهم.

في نفس الوقت، ركز الحلفاء قواتهم في المناطق الأساسية (الطرق المؤدية إلى موانئ القناة الإنجليزية، وتقاطع السكك الحديدية في أميان بفرنسا)، وتركوا المناطق القليلة الأهمية.

مدفع بريطاني يطلق نيرانه، فرنسا، كان هذا الطراز من المدافع يتصف بأنه يتراجع نحو اليمين بعد إطلاق نيرانه، collections of the Imperial War Museums (collection no. 1900-16)، David McLellan، public domain، via wikimedia commons.

وبالرغم من أن الجيش الألماني حقق أكبر تقدم يحققه أيا من الجانبين على الجبهة الغربية منذ عام ١٩١٤، لقد استعادوا الأراضي التي فقدوها خلال عامي ١٩١٦ و ١٩١٧، كما استولوا على أراضي جديدة لم يكونوا قد سيطروا عليها قبل ذلك.

إلا أنه وفي غضون أسابيع قليلة، مر خطر إحتمال تحقيق الألمان لاختراق، على الرغم من استمرار القتال حتى يوليو ١٩١٨.

الخطوة التالية لروسيا:

لقد قيل الكثير عن (كفاح) روسيا من أجل تزويد مقاتليها على الأرض بالمعدات الأساسية للقتال، ومن قبل ذلك تدريبهم بشكل احترافي مناسب قبل الزج بهم في ساحات القتال.

على سبيل المثال، هناك تقارير موثوقة أفادت بأن بعض الوحدات الروسية دخلت الميدان، ولم يكن أفرادها قد حصلوا إلا على تدريب لمدة أقل من أسبوع.

وبرغم أهمية ذلك، وتأثيره على المستوى القتالي للوحدات الروسية، يبدو أن الروس لديهم قضية أكبر تتعلق بمسألة (الدروع).

تدعي أوكرانيا أنها دمرت أكثر من ٣٠٠٠ دبابة روسية وأكثر من ٦٠٠٠ ناقلة جند مدرعة ((للمزيد في هذا الصدد يمكنكم الإطلاع على تقريرنا: معركة الدبابات الروسية ضد الصواريخ الأوكرانية.. لماذا تخسر روسيا الكثير من دباباتها في الحرب)).

وكذلك تقريرنا: ((ماهي صواريخ الجيل التالي المضادة للدبابات NLAW نلاو التي سببت خسائر فادحة للروس في الحرب ضد أوكرانيا)).

وحتى لو افترضنا أن الأوكرانيين قاموا بتضخيم هذه الأرقام، فإن قدرة روسيا على تعويض خسائرها هو أمر محل شك.

جنود أوكرانيين يسحبون جثة جندي روسي من داخل دبابته بعد تدميرها، قرية دميتريفكا بالقرب من كييف، أوكرانيا، (AP Photo / Efrem Lukatsky)، manhhai, (CC BY 2.0)، via Flickr.

فبالرغم من أن الجيش الروسي قد يكون لديه مخزون كبير من المركبات والدبابات في الاحتياط، فانها ليست من أحدث الأنواع وهي بالتأكيد ليست كلها في حالة صالحة للاستعمال.

وهكذا، يبدو أن تحقيق الجيش الروسي للانتصار الكامل أصبح أمرا بعيد المنال، لذا فإن الروس في حاجة للتوصل إلى تسوية سلمية مناسبة، دون أن ننسى أن الأهداف الروسية المعلنة هي ببساطة أمور يرفضها الأوكرانيين.

يريد الروس السيطرة على أجزاء من الأراضي الأوكرانية -بما في ذلك أراضي يسيطر عليها الجيش الأوكراني حاليا-، بل إن الأوكرانيين يتوقعون استعادة المزيد من أراضيهم خلال العام الجاري ٢٠٢٣.

وهكذا، فإذا أرادت روسيا أن تصل بالحرب إلى نتيجة مواتية لأهداف بوتين، فيجب على قواته تغيير الوضع جذريًا على الأرض بحيث لا تشعر أوكرانيا بالثقة في قدرتها على استعادة كل أراضيها أو حتى التفاوض من موقع أقوى.

وبينما كانت معارك حرب الاستنزاف الدائرة بين الجيشين الروسي والأوكراني تتراجع ببطء، أصبح واضحا أن الخسائر التي يتكبدها أي طرف ليستولي على كيلو متر واحد فقط من الأرض هو معدل ضخم، كما أن الوقت اللازم لفعل ذلك كبير جدًا.

وهكذا عزيزي القارئ، فلن يكون الاستمرار في تلك الحملة منطقيًا إلا إذا اعتقد القادة الروس أن إرادة القوات الأوكرانية للقتال ستنكسر أولاً، لكن يبدو أنه ليس هناك ما يشير إلى ذلك، إذ لا يزال الأوكرانيين يدافعون عن أنفسهم بقوة.

لكن قد يكون في جعبة الروس حل بديل، نتحدث هنا عن توجية ضربة قاصمة (ضربة مطرقة) تكون هائلة وسريعة بحيث تصدم القوات الأوكرانية وتحطمها.

لينجح الروس في فعل ذلك، فإن أفضل طريقة للقيام بذلك هي القدوم من اتجاه غير متوقع ومحاصرة دفاعات الخصم.

الطراد الروسي موسكفا، كل هذه القوة الهائلة قد غرقت، في حدث لابد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه قد استشاط منه غضبا وقتها، Ministry of Defence of the Russian Federation، (CC BY 4.0)، via wikimedia commons.

لكن ومنذ أن نجح الأوكرانيين في تحقيق أحد أبرز إنجازاتهم في الحرب، في أبريل ٢٠٢٢، عندما أغرقوا أقوى قطع البحرية الروسية (الطراد موسكفا)، صار من الواضح أن تنفيذ هجوم برمائي غير ممكن بالنسبة للجيش الروسي.

((للمزيد طالع تقريرنا: غرق الطراد الروسي موسكفا.. كيف انتهت أسطورة قاتل حاملات الطائرات على يد الصاروخ الأوكراني نبتون)).

كذلك، فإن الخسائر الفادحة التي تعرض لها الروس في معارك (هوستوميل) وفي أماكن أخرى، خصوصا في قواتهم المحمولة جوا (VDV)، فإن الهجوم عبر إنزال جوي أصبح أيضا غير قابل للتنفيذ.

وبالرغم من أن الروس لديهم قوات في بيلاروسيا، فإنها ليست قوة ضخمة لتصلح لتوجيه ضربة قاصمة للأوكران، كما أن الهجوم من هذا الإتجاه ليس بالأمر غير المتوقع.

لذا، فإن كان الروس يريدون توجيه ضربة قاصمة ضد القوات الأوكرانية، فينبغي عليهم أن يشنوا هجومهم في مكان ما من على خط الجبهة الحالي البالغ طوله ١٠٧٦ كم.

وبالفعل حاول الروس فعل ذلك، ولفترة طويلة انصب تركيزهم على باخموت، لكن دون أي نجاح أو اختراق كبير، لذا فإن أي هجوم يشن من أي مكان آخر سيكون أقل قابلية للتنبؤ به وربما أكثر في احتمال نجاحه.

وتشير التقارير الواردة من أرض المعركة، أن الروس يزيدون قواتهم عند ماريوبول في الجنوب وإلى الجزء الخلفي من كريمينا في الشرق.

ماريوبول أصلا استخدمها الروس كمحور لتحريك قواتهم منذ عدة شهور، لذلك فإن زيادة قواتها هناك قد لا يشير إلي حدوث شيء كبير.

محطة سكك حديد كريمينا، من هذه المدينة قد يغير الروس مسار الحرب بأكملها، Visem، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

فلنركز إذن على ((كريمينا))، إنها منطقة قد يبدو من المنطقي أن يفكر الروس في تنفيذ اختراقهم منها.

فبعد الهجوم الأوكراني المضاد في خاركيف مطلع سبتمبر ٢٠٢٢، تم نقل بعض أفضل القوات الروسية إلى المنطقة لمنع تقدم القوات الأوكرانية، وبجانب تلك القوات، فهناك شائعات بأن جزءا من ٣٠٠ ألف رجل تم حشدهم هناك يتلقون تدريبات عالية، ويجري دمجهم في قوة أكبر.

وبالنظر إلى مجريات الأمور، فابتداءً من أوائل فبراير ٢٠٢٣، بدأت القوات الروسية في تصعيد وتيرة الهجمات على طول خط المواجهة واستخدمت الأرتال المدرعة لمحاولة تحقيق اختراق في الدفاعات الأوكرانية في خمسة أماكن على الأقل.

من تلك المناطق مدينة فاهليدار جنوب أوكرانيا، والأهم ((كريمينا)) نفسها.

لم تحقق أيا من تلك المحاولات أي أرضية كبيرة، وأسفرت معظمها عن خسائر فادحة في الرجال والدروع.

في ٢٣ فبراير ، ادعت أوكرانيا تدمير ١٤ دبابة و ٢٤ ناقلة جنود مدرعة في غضون ٢٤ ساعة فقط.

لذا، فبينما نكتب هذه السطور، فإن هذه الهجمات الروسية إما أنها قد فقدت قوتها، أو هُزمت بالفعل.

وهكذا يبقى السؤال حول ما إذا كان لدى روسيا أي شيء احتياطي يمكن استخدامه لتنفيذ عمليات هجومية؟.. إذا فعلوا ذلك، فمن غير المرجح أن تكون قوة كبيرة بما يكفي لإحداث فرق.

ما نراه الآن هو تعزيز روسيا لخطها الدفاعي، بالاعتماد على الضربات الجوية والصاروخية لمحاولة كسر إرادة الشعب الأوكراني. لقد نفدت لديهم الخيارات الأخرى بالفعل.

الأهداف الأوكرانية:

الخراب والدمار في كل ركن هنا، شاهد على المعارك الطاحنة في مدينة بورودينكا، كان صمود القوات الأوكرانية هنا عاملا أساسيا في الدفاع عن كييف في بداية الحرب، (AP Photo/Vadim Ghirda)، manhhai, (CC BY 2.0)، via Flickr.

في المستقبل القريب، تحتاج أوكرانيا إلى الاستمرار في مواجهة العاصفة والاستعداد لمواجهة هجوم روسي محتمل.

ومع ذلك، وفي نهاية المطاف، سيحتاج الأوكرانيين للخروج من مواقعهم الدفاعية، والمضي قدمًا في الهجوم، ولتحقيق النصر، سيتعين عليهم الفوز في أربع معارك رئيسية.

  • المعركة الأولى: سفاتوف وكيرمينا:

في المنطقة بين (سفاتوف) و (كيرمينا)، إذا تمكن الجيش الأوكراني من هزيمة الروس في تلك المنطقة، فسيمكنه بسهولة نسبية طرد القوات الروسية من شمال شرق أوكرانيا.

المشكلة أن هذه منطقة شهدت القليل جدًا من المعارك أثناء الغزو بسبب كثافتها السكانية المنخفضة، وتضاريسها الجغرافية التي تمنع المناورة بالقوات.

يجب على القوات الأوكرانية كسر الخط الفاصل بين مدينتي (سفاتوف) و (كيرمينا)، من أجل تحقيق أهدافها المتمثلة في قطع بعض الطرق الشريانية المؤدية إلى دونباس من روسيا، علاوة على فتح الطريق أمامها إلي مدينة سفرودونتسك.

مدينة سيفيرودونيتسك بالتحديد كانت قد شهدت معركة دموية وشرسة في عام ٢٠٢٢، قبل أن تضطر القوات الأوكرانية لتركها والانسحاب عبر نهر سيفيرسكي دونيتس.

عندما حاولت القوات الروسية مواصلة التقدم وعبور النهر خلف القوات الأوكرانية، تكبدت خسائر فادحة وصلت إلي تدمير كتيبتين من الجيش الروسي، لا يمكن هنا إنكار دور المعدات الهندسية التي حصلت عليها أوكرانيا من حلف الناتو.

إذا عكسنا الأمور، سيكون الهجوم الأوكراني على المدينة عبر معبر النهر نفسه تحديًا كبيرًا، وإن كان ذلك سيكون أسهل إذا كان الأوكرانيين قد اتموا الاستيلاء على الشمال الشرقي بالفعل، وبالتحديد مدينتي (سفاتوف) و (كيرمينا).

  • المعركة الثانية: المحور الجنوبي:

ستكون كل خطط الرئيس الأوكراني زيلينسكي بشأن هجوم الربيع مرهونة بقدر ونوعية الأسلحة التي ستصله من حلف شمال الأطلسي، Oleksandr Ratushniak، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

هناك في جنوب أوكرانيا منطقة كبيرة تخضع للسيطرة الروسية وتشكل الجسر البري المؤدي إلى شبه جزيرة القرم.

إذا تمكنت القوات الأوكرانية من اختراق البحر الأسود في أي مكان في تلك المنطقة، فإنها ستنجح في عزل شبه جزيرة القرم.

هذه ليست بالمهمة السهلة حيث سيتعين عليهم حماية جناحين، ومن من المتوقع أن الأوكرانيين إذا ما شرعوا في الهجوم هناك، فإنهم سيقاتلون في ميليتوبول أو حولها، ومع ذلك، فإن التحصينات الروسية هناك كبيرة وقد يكون اتخاذ طريق غير مباشر خيارًا أفضل بالنسبة للأوكرانيين.

(من الجدير بالذكر هنا، أنه وكلما تقدم الأوكرانيين في اختراقهم تجاه الغرب، فإنهم سيتركون مساحة أكبر في جنوب شرق أوكرانيا لا تزال القوات الروسية بداخلها، في تلك المنطقة بالتحديد، قد تنشأ معركة خامسة وربما نهائية).

  • المعركة الثالثة: شبه جزيرة القرم:

القرم، إنها واحدة من أكثر الأماكن التي تحتاج أوكرانيا لتحريرها، ليس فقط للاعتبارات العسكرية، بل أيضا لخدمة طموحاتها في الانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي.

فمن المحتمل أن تظل أوكرانيا غير قادرة على الانضمام إلى أي من المؤسستين إذا كان هناك نزاع إقليمي لايزال قائما على جزء كبير من أراضيها.

للوهلة الأولى ، هذا تحد كبير، فهناك طرق محدودة ومقيدة بشدة للوصول إلى شبه الجزيرة.

وبرغم ذلك، فهناك منطقة مستنقعات في الشمال الشرقي، يمكن استخدامها كممرات للمشاة، ولا يمكن استبعاد قيام الأوكرانيين بالهجوم على شبه جزيرة القرم.

دبابات أوكرانية طراز T-72AV، خلال هجوم خاركيف المضاد، AFU StratCom، Attribution: Mil.gov.ua، (CC BY 4.0)، via wikimedia commons.

ومن المرجح في هذه الحالة، أن يحاول الجيش الأوكراني عزل شبه جزيرة القرم، ضرب أهداف عسكرية روسية فيها بالمدفعية، وإجبار القوات الروسية على الانسحاب - كما حدث في خيرسون-.

على أي حال، سيتعين على القوات الأوكرانية إذا أرادت ربح معركة القرم أن تخترق الخط الدفاعي الروسي هناك، أن يعبروا خنادقهم، أنياب التنين (أو أسنان التنين، هي واحدة من الخطط والتكتيكات العسكرية الدفاعية تتمثل في بناء كتل من الاسمنت المسلح على الأرض على شكل هرمي بهدف منع المدرعات والآليات العسكرية الثقيلة المعادية من التقدم)، وفخاخ الدبابات الأخرى، وكذلك حقول الألغام.

وفي معظم المناطق سيكون على القوات الأوكرانية التقدم عبر سهول كبيرة مسطحة، ما يجعلها مكشوفة للضربات الروسية.

فحتى لو افترضنا أن القوات الروسية المدافعة عن القرم سيئة التدريب والتجهيز، فإن هجوم بمثل هذا الشكل، يمثل تحديًا كبيرًا للأوكرانيين.

لذا، سيكون على المخططين الأوكرانيين تحديد النقاط الأضعف على طول خطوط الدفاع الروسية، وأيا من تلك النقاط التي يمكن اختراقها، فحتى إحداث ثقب صغير في الدفاعات الروسية، سيكون مفيدا إذ سيسمح بالتقدم إلي المستنقعات.

على سبيل المثال، يمكن بدأ الهجوم الأوكراني على شبه جزيرة القرم بضربات مدفعية تستهدف أساسا تدمير عناصر القيادة والسيطرة الروسية command-and-control (C2)، واستنزاف باقي القوات المدافعة سواء بالتدمير الفعلي أو تدمير الروح المعنوية قبل بدء الهجوم الفعلي.

قد يتوقع المرء، أن تقود الدبابات هجوم مثل هذا، لكن لابد بجوار الدبابات من وجود تعاون وثيق من وحدات مركبات المشاة القتالية المدرعة (IFVs)، والتي يمكنها إيصال المشاة إلي خنادق العدو.

بالإضافة لذلك، لابد من وجود المركبات الهندسية التي تزيل العوائق وتخترق حقول الألغام.

لكن مشكلة المركبات الهندسية تلك أنها عادة ما تكون بطيئة، ضعيفة التدريع، وقليلة العدد، لذا يجب لحمايتها أن تكون هناك قوة نيرانية ثقيلة وكافية لقمع القوات المدافعة ومنعها من التعرض لها.

من أجل ذلك، فإن أوكرانيا ستحتاج إلي معدات من الناتو، إنها تتميز بأنها أسهل وأكثر كفاءة مقارنة بتلك السوفيتية التي يستخدمها كلا الجانبين حاليا.

ولكن، واستمرارا لحالة وجود مشكلة يخلقها كل حل للمشكلة السابقة عليها، فإن معدات الناتو أثقل من المعدات السوفيتية، مما يخلق مشاكل جديدة للأوكرانيين، خاصة فيما يتعلق بمدى تحمل الجسور لها.

ومع ذلك، فهناك نقطة إيجابية أخرى لمعدات الناتو، إذ أنها مدرعة بشكل أفضل، وفي حين أن الدبابات القتالية الرئيسية الروسية (MBTs) يمكنها على الأرجح هزيمة أي مركبة قتالية مصفحة تابعة لحلف الناتو (AFV)، فإن المركبات القتالية وأنظمة الأسلحة الروسية الأخرى لن تستطيع فعل ذلك.

في وقتنا هذا، وُعدت أوكرانيا بالكثير من المعدات العسكرية الإضافية، بما في ذلك مدرعات برادلي القتالية IFV المجهزة للتقدم وتصحيح نيران المدفعية، مركبات سلاح المهندسين، الجسور، دبابات القتال الرئيسية، مركبات الدعم والإصلاح.

حتى الآن، وصلت بالفعل أعداد من هذه الأسلحة الموعودة، لكن هناك تأخر بين ما يحتاجه الأوكرانيين، وبين ما يصل فعليا.

على سبيل المثال، كانت فرنسا قد وعدت بمدرعات AMX-10 RC من فئة AFV، والتي استغرق وصولها أوكرانيا نحو ثلاثة شهور.

بالطبع ستكون هذه المركبات الفرنسية المدرعة مفيدة، لكن الميزة الحقيقية هنا، ليست في تلقي أعداد قليلة من الدبابات أو المدرعات من فرنسا أو غيرها، وإنما من خلال بناء قدرة مدرعة حقيقية.

وبينما يمكن لأطقم تلك المدرعات أن تتدرب على هذه المعدات بمجرد وصولها، فإن الوحدات ستحتاج إلى التدريب على مجموعات مختلفة من المعدات والقدرات لبناء قوة أسلحة مشتركة تستطيع العمل بشكل متناغم. هذه مسألة تتطلب شهور وليس أسابيع من التحضير.

وفي النهاية،،

لقد تم تجهيز الألوية الأوكرانية المدرعة حاليا بمعدات قديمة، ومع ذلك فقد أظهرت أنها قادرة على القيام بعمليات أسلحة مشتركة، ولاسيما خلال هجوم خاركيف.

في الوقت الحاضر، الأرض تتهيأ ليجف الوحل منها، وتصبح مثالية لشن هجوم الربيع.

السؤال إذن هل ستمضي أوكرانيا بما لديها أم ستنتظر حتى تحصل على قوة مدرعة مدربة بالكامل ومجهزة بمركبات AFV الغربية قبل أن تشن تلك الهجمات؟ .. ام يكون الهجوم بأعلام روسيا؟.

ويا تري .. هل سينجح الهجوم أيا كان من سيشنه؟.. ام اننا سنكون على موعد مع هجوم ربيع فاشل مجددا بعد أكثر من قرن على هجوم الربيع الألماني عام ١٩١٨.

تعليقات