زدني معرفة

غرق الطراد الروسي موسكفا.. كيف انتهت أسطورة قاتل حاملات الطائرات على يد الصاروخ الأوكراني نبتون

مساء الخميس ، الرابع عشر من أبريل ٢٠٢٢، وزارة الدفاع الروسية تعلن في بيان مقتضب أن الطراد موسكفا قد غرق أثناء سحبه إلي الميناء متأثرا بعاصفة وظروف جوية سيئة، حيث فقد ثباته عندما تم سحبه إلى ميناء المقصد بسبب الأضرار التي لحقت بهيكله، ليغرق إثرها.

الطراد الروسي موسكفا، كل هذه القوة قد غرقت، في حدث لابد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه قد استشاط منه غضبا، Ministry of Defence of the Russian Federation، (CC BY 4.0)، via wikimedia commons.


بهذه الكلمات وضعت النهاية الطراد الروسي الأقوى، الذي تم تصميمه خصيصا لإغراق حاملات الطائرات الأمريكية، لكنه هو من غرق في الحرب على أوكرانيا، فيما تعد أكبر خسارة في تاريخ البحرية الروسية بل وربما في تاريخ الجيش الروسي كله منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فلسفة موسكفا:

بسبب التفوق الاقتصادي لأمريكا على روسيا، عجزت موسكو عن تصميم وبناء حاملات طائرات بنفس عدد أو مواصفات الحاملات الأمريكية (لا تمتلك روسيا سوي حاملة طائرات واحدة فقط)، تقل كثيرا في قدراتها الفنية عن أيا من حاملات الطائرات الأمريكية التي تخطت العشرة حاملات.

من أجل ذلك، قرر الروس بناء المشروع ١١٦٤، Project 1164، إنه الاسم الكودي للطرادات من فئة أتلانت Atlant، والتي كان الطراد موسكفا أولها.

تلك الفئة التي انتج منها الروس ثلاث قطع فحسب، تم تزويدها بصواريخ جبارة من حيث السرعة، المدى، وكذلك القوة التدميرية، ليكون موسكفا هو قاتل حاملات الطائرات الأمريكية إن إندلع القتال ذات يوم.

وفي العام ١٩٨٣، دخل موسكفا الخدمة في البحرية السوفيتية، باسم (سلافا) والتي تعني (المجد) في اللغة الروسية.

سيتغير اسمه في العام ١٩٩٦ إلي موسكفا والتي تعني (موسكو)، وذلك في أعقاب الإنهيار المدوي للاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات في القرن العشرين.

هذا وقد تمت ترقية وتطوير معدات وأجهزة الطراد ضمن عملية تطوير شاملة لقدراته في العامين ٢٠١٨ و ٢٠٢٠.

الطراد موسكفا:

ربما يكون الأمر الأكثر إثارة أو مفارقة في قصة الطراد الروسي موسكفا، أنه قد بني في أحواض سفن في أوكرانيا ذاتها، الفارق وقتها أن أوكرانيا كانت تابعة للاتحاد السوفيتي، فهل كان من الممكن أن يدور في خيال أحدا ممن اشتركوا في بنائها هذا السيناريو الدرامي.

بخلاف صواريخه الهجومية المضادة لحاملات الطائرات من طراز بازلت/فولكان P-1000 التي يصل مداها إلي ٧٠٠كم، ويمتلك ١٦ قاذفة خصيصا لإطلاق هذا النوع من الصواريخ، فإن الطراد موسكفا مزود كذلك بقدرات دفاعية رائعة، أو كانت رائعة.

الطراد مزود بالنسخ البحرية من أحدث منظومتين للدفاع الجوى الروسية، وهما S-300 , S-400 ، (اطلعوا من هنا على تقريرنا: لماذا تعتبر صواريخ اس-٤٠٠ فعالة للغاية في الدفاع الجوي -بشرط استخدامها بشكل سليم-).

الطراد الروسي موسكفا، Russianname، GNU Free Documentation License.


بجانب هذا، يتسلح الطراد الذي يصل طوله إلي ١٨٦ متراً ، بمنظومة أوسا، وهي منظومة دفاع جوي قصيرة المدى لتتكامل مع بقية المنظومات في الدفاع عن موسكفا، بخلاف ما يحمله من مدافع وطوربيدات تصلح للقتال ضد القطع البحرية.

وكان الطراد موسكفا مزود كذلك بمهبط طائرات يتسع لمروحيتين كانتا تقوم بمهام البحث والاستطلاع والحرب ضد الغواصات، في حين بلغت إزاحته القصوى ١١،٢٨٠ طن (قدرة الإزاحة ببساطة هي مقياس لوزن السفينة على أساس كمية المياه التي تستطيع إزاحتها خلال الابحار).

شارك الطراد في العديد من الحروب والنزاعات السابقة، مثل الحرب الروسية على جورجيا في العام ٢٠٠٨ ، ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في ٢٠١٤، وكذلك العمليات العسكرية الروسية في سوريا في العام ٢٠١٥ حيث قام بمهمة توفير الحماية لقاعدة (حميميم) الشهيرة والتي تمركزت بداخلها القوات الروسية.

النهاية:

من الواجب هنا أن ترفع القبعة للقوات البحرية الأوكرانية، والتي وعلى ضعف إمكانياتها فكرت في الهجوم على أحد أقوى قطع البحرية الروسية، بل أحد أقوى القطع الحربية في العالم بلا مبالغة، ثم استطاعت تنفيذ خطتها، وبنجاح.

ويزيد الاعجاب بجراءة البحرية الأوكرانية عندما نتذكر هجومها على سفينة الإنزال الروسية (كورسك) والذي وقع قبالة ميناء بيرديانسك الذي تحتله القوات الروسية على بحر آزوف، هجوم وقع نهاية الشهر الماضي، ما تسبب في أضرار بالغة السفينة.

وكانت البحرية الروسية قد دفعت بطرادها الذي تفتخر به للمساعدة في قيادة الهجوم البحري على جنوب أوكرانيا، كما ساهم في السيطرة الروسية على جزيرة "زمييني" (الثعبان) الأوكرانية ذات الأهمية الإستراتيجية في البحر الأسود.

المدافعين الأوكران عن الجزيرة ردوا في البداية على عرض الطراد موسكفا بالاستسلام ، بجملة (إذهب إلى الجحيم)، لن يمر الكثير من الوقت حتى يتضح أن هذا هو ما سيحدث بالفعل.

وكان حاكم منطقة أوديسا الأوكراني، ماكسيم مارشينكو، هو من كشف إن الأوكرانيين ضربوا طراد الصواريخ الموجهة موسكفا بصاروخين.

قاوم موسكفا الإصابات التي لحقت به، ولم يغرق على الفور، بل إن وزارة الدفاع الروسية أصدرت بيانا أكدت فيه أن الطراد الذي كان يعمل أيضًا كسفينة القيادة في البحر الأسود لم يغرق وأن الانفجارات على متنه والتي اندلعت جراء حريق أصاب الذخيرة فيه، قد توقفت.

في العام ٢٠١٦، الطراد الروسي موسكفا يمنح وسام ناخيموف بعد مشاركته في العمليات العسكرية الروسية في سوريا، Ministry of Defence of the Russian Federation، (CC BY 4.0)، via wikimedia commons.


يبدو أن هذا البيان الروسي كان صادقا، لكن اتضح كذلك أن الجراح التي سببها الأوكرانيين في الطراد كانت أعمق مما يحتمله، ففرق في عملية سحبه لأحد الموانئ الروسية (على الأرجح ميناء سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم المتنازع عليها بين روسيا وأوكرانيا). على أمل إصلاحه.

لكن ما قالته الرواية الروسية عن غرق الطراد موسكفا لم يكن صادقا بشكل كلي، أو على الأقل يصعب على الأذهان تصديقه.

الروس يقولون أن حريقا شب في الطراد موسكفا.. ما تسبب في إنفجار مخازن الأسلحة والصواريخ بداخله، وأنه سيتم التحقيق في السبب وراء الحريق.

يصعب تصور أو فهم مثل هذا السيناريو بسبب إجراءات الآمان على مثل هذه النوعية من السفن، بخلاف ما تحمله من وسائل وتقنيات مكافحة الحرائق.

على أي حال، فإن عدم غرق الطراد موسكفا في الحال، منح الروس الوقت الكافي لإخلاء طاقم السفينة الذين تم نقلهم إلي سفن أخرى تابعة لأسطول البحر الأسود الروسي، وإلا كانت الكارثة الروسية، بل والإنسانية بشكل عام ستتفاقم مع غرق طاقم السفينة معها والذي يقدر بمئات من البحارة والضباط (٥١٠ فرد بالتحديد).

القاتل نبتون:

صاروخ نبتون خلال انطلاقه من منصة الإطلاق الخاصة به، President.gov.ua، (CC BY 4.0)، via wikimedia commons.


بحسب ما أعلنت عنه المصادر الأوكرانية، وأكدته فيما بعد وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) فإن الهجوم الأوكراني تم بواسطة صواريخ كروز من طراز نبتون Neptune، وهو صاروخ مضاد للسفن أوكراني الصنع.

الصاروخ إذن من طراز نبتون R-360 Neptune، وهو صاروخ حديث لم يدخل الخدمة إلا العام الماضي فقط (٢٠٢١)، وحسب ما إعلن عنه فإن صاروخين من هذا الطراز تم استخدامهما في الهجوم.

هذه الصواريخ من طراز نبتون من الصعب رصد عملية تحركها واطلاقها، إذ تحمل وتطلق من خلال شاحنات، وليس من خلال قطع بحرية يمكن رصدها، وفهم طبيعة تحركاتها.

الصاروخ من تصميم مكتب Luch Design Bureau وهو مكتب أوكراني ومقره في العاصمة كييف، والسؤال المطروح هنا.. هل توصلت أوكرانيا لتصميم صواريخ تستطيع التغلب على منظومات الدفاع الجوي الروسية والمشهور عنها أنها واحدة من الأفضل عالميا .. إن لم تكن هي الأفضل؟ الجواب الظاهر حاليا وبصورة عملية هو نعم والدليل الطراد موسكفا.

إذن كتب الصاروخ نبتون Neptune هو شهادة عملية على مدى تطور الصناعات العسكرية المحلية في أوكرانيا.. وكتب أيضًا شهادة وفاة موسكفا.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -