زدني معرفة

لماذا تعتبر صواريخ اس-٤٠٠ فعالة للغاية في الدفاع الجوي -بشرط استخدامها بشكل سليم-

 بكل ثقة، يمكن القول بأن منظومة الصواريخ الروسية للدفاع الجوي من طراز (اس-٤٠٠) هي واحدة من أفضل منظومات صواريخ "أرض-جو" الإستراتيجية الشاملة التي تعمل اليوم، ورغم ذلك فإن الخبراء الروس يعكفون حاليا علي تطوير المنظومة الأكثر تقدما (اس-٥٠٠).

النقاط الرئيسية:

°تعد منظومات الصواريخ (أرض-جو) الحديثة بعيدة المدى، واحدة من أكثر أنظمة الدفاع الجوي فعالية في الوقت الحالي. 



°رغم هذا، فإن منظومات صواريخ الأرض-جو طويلة المدى، معرضة بطبيعتها للهجمات من الصواريخ والطائرات، إذ لم يتم دعمها بشكل صحيح بمنظومات تدعمها.


°في نهاية المطاف، فإن أنظمة الصواريخ أرض-جو، تعتمد في مدى فعاليتها للدفاع الجوي بعيد المدى، على الدولة التي يتم نشرها فيها، وعلي كيفية استخدام تلك الدولة لها.


ظلت منظومات الصواريخ أرض - جو الروسية اس-٤٠٠، تهيمن على عناوين الأخبار لشهور متتالية.


لقد وصلت المنظومة فعلا إلي تركيا بعد كثير من الأخذ والرد بين الأتراك والغرب، مما أثار الذعر في الغرب، لدخول منظومة روسية متطورة الخدمة لدي جيش من أهم جيوش حلف شمال الأطلسي "الناتو".


وعلي الرغم من أن روسيا صدرت منظومتها الأقدم اس-٣٠٠ إلي مجموعة متنوعة من البلدان -بما في ذلك سوريا-، تستمر المناقشات حول ما إذا كان هناك دول يتعين عليها شراء منظومات دفاع جوي روسية بعيدة المدى، وهل بإمكان دولة كإيران مثلا الحصول علي منظومة الاس-٤٠٠ لتعزيز دفاعاتها الجوية.


والحقيقة أن هذا النظام الروسي للدفاع الجوي نظام قوي، لذا فلم يكن مستغربا أن تهيمن هذه الصفقة علي الأخبار، لكن تظل الحقيقة أن قيمة هذه الأنظمة علي الورق لا تساوي دائما قيمتها فعليا، إذ يعتمد الأمر أساسا علي من يشغل هذه المنظومات؟ وكيف يشغلها؟. 


الصورة الكبيرة


يعتبر الدفاع الجوي متعدد الطبقات أمرًا بالغ الأهمية لأي دولة تسعى إلى حماية أراضيها ومجالها الجوي. ونظرا لحالة التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط -وما وراءه- فإن البلدان التي تسعى إلى الحصول على تدابير حماية أكثر قدرة تدرس الخيارات المطروحة أمامها. ومع ذلك، فبغض النظر عن التكلفة والقدرة، هناك عوامل أعمق -مثل ما إذا كان يجب التوافق مع قوة عظمى أو أخرى حين تشتري دولة ما منظومة للدفاع الجوي من دولة أخرى-. 


قيمة الدفاع الجوي:


تعتبر أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى، بما في ذلك منظومتي (اس-٣٠٠) و (اس-٤٠٠) الروسيتان الصنع، أسلحة ذات قدرات كبيرة للغاية، إذ يمكننا القول بكل تأكيد أن نظام الاس-٤٠٠ هو أحد أفضل أنظمة الدفاع الجوي الإستراتيجية الشاملة في كل أنحاء العالم.


تتمثل قوة هذا النظام ومعه سابقه (الاس-٣٠٠) في نطاق عملهم الكبير، وقدرتهم علي العمل بمرونة وضرب طائفة كبيرة من الأهداف (الطائرات بشكل أساسي، الصواريخ الباليستية، الطائرات دون طيار ....)، وكذلك أجهزة الرصد المتطورة التي تمتلكها هذه المنظومات والتي تزعم روسيا أنها تستطيع رصد الطائرات الشبحية.


من أهم الدلائل علي أهمية وقدرة هذه المنظومة أن الروس استخدموها حينما استولوا علي شبة جزيرة القرم من أوكرانيا، وقاموا بدفع عدد من بطاريات الأس-٤٠٠ لحماية قواتهم علي الأرض هناك عندما كانت الشكوك تدور حول احتمالية تورط روسيا والناتو في نزاع مسلح. 


قاذفات صواريخ اس-٤٠٠، صورة من فيتالي أنكوف ©. سبوتنيك


بشكل عام فإذا كانت هذه المنظومات بين أيدي أطقم مختصة ومدربة تدريباً جيداً، يمكن أن تلحق صواريخ سام بعيدة المدى مثل اس-٤٠٠، أضرارًا كبيرة بالخصم. فقدراتها تسمح لها باستهداف الطائرات الرئيسية للعدو، مثل ناقلات التزود بالوقود في الجو وطائرات الإنذار المبكر والتحكم المحمولة جوا. كما أن إمكانيات الاستهداف المرنة التي تتمتع بها تعني أن بمقدورها الدفاع ضد أنواع مختلفة من التهديدات والهجمات. وتوفر قدراتها التي تستطيع كشف الطائرات الشبح -حتى وإن كانت محدودة- إمكانية إسقاط بعض من أفضل الطائرات المقاتلة العاملة حاليًا عالميا. 


حدود قدرات هذه المنظومات:


ومع ذلك، فحتى مع هذه القدرات النظرية المثيرة للإعجاب، فإن أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى الحديثة مثل اس-٤٠٠ جيدة فقط حسب السياق الذي توجد فيه؛ وهذا يعني أن الأنظمة يمكن أن تكون أكثر أو أقل فاعلية اعتمادًا على نوع الخصم الذي يواجهونه.


فمنظومة إس-٤٠٠ على سبيل المثال، يمكن أن تشكل تهديدًا هائلاً لتوغل عدو محدود العدد، ولكن رقميا فكتيبة كاملة من إس-٤٠٠ لديها حوالي ثمانية قاذفات صواريخ فقط، وعادةً ما يتسلح كل قاذف بأربعة صواريخ. مما يعني أن لديها ٣٢ صاروخًا جاهزين للاشتباك، وهو عدد كافي بالتأكيد لإحداث ضرر جسيم لهجوم محدود.


لكن إذا كانت كتيبة إس-٤٠٠ تعمل بمعزل عن غيرها أو لا تدعمها دفاعات جوية حديثة أخرى، فمن المحتمل ألا تمتلك صواريخ كافية لتحمل هجوم حازم وكبير العدد.


هذا السيناريو صحيح وواقعي بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط، حيث تنشر العديد من الدول أنظمة باهظة الثمن في البطاريات بدلاً من الكتائب -البطارية هي أصغر تكوين للوحدة- مما يعني أنه قد يكون لديهم ١٦ صاروخًا فقط بدلا من ٣٢ صاروخ في وضع الاستعداد.


وبرغم من أن مدى الصواريخ التي تتسلح بها منظومة اس-٤٠٠ مثير للأعجاب نظريا، إذ يصل مدي الصاروخ الروسي 40N6E إلي ٤٠٠ كم أي ما يعادل ٢٥٠ ميلا، فإن المنظومة لا تزال معرضة للهجوم عليها بهجمات صواريخ دقيقة.


علاوة علي ذلك، تشكل العوامل الجغرافية كذلك تأثيرا كبيرا علي قدرات النظام وفائدته في الميدان، فالجبال علي سبيل المثال يمكنها حجب مستشعرات الأنظمة، عندما تصطدم الموجات الصادرة منها بتلك الجبال.


كما يمكن للطائرات المهاجمة أو الصواريخ أن تستفيد أكثر من العوامل الجغرافية، بأن تطير علي ارتفاعات منخفضة عن سطح الأرض، هذا يجنبها الرصد والاعتراض من منظومة الاس-٤٠٠ لفترة أطول بكثير من تلك الأهداف التي تطير علي ارتفاعات عالية.


لذا، فإن النتيجة النهائية لكل هذا، أن الصواريخ الكروز "الجوالة" التي تطير علي ارتفاعات منخفضة وقريبة من سطح الأرض، من المرجح أن لا تنجح منظومات اس-٤٠٠ في رصدها وبدء الاشتباك معها إلا علي مسافة عشرات الكيلومترات، بدلا من ذلك المدى الكبير الممتد لمئات الكيلومترات والذي تملكه "نظريا"، يقلل هذا من زمن الاشتباك، ويزيد من فرص الصواريخ المهاجم في الوصول لهدفه وتدميره، والذي قد يكون هو المنظومة نفسها.


لذا، فإن "معهد ستراتفور" الامريكي يستخلص نتيجة مفادها أن وضع بطارية اس-٤٠٠ أو حتى كتيبة كاملة، بشكل منفرد أو معزول، اذا ما تعرضت لهجوم شامل، ستكون هدفا يمكن تدميره بشكل كامل دون تدمير ولو طائرة معاية واحدة.


لاعب في فريق:

تعزز هذه النقاط حقيقة أساسية بشأن أنظمة الدفاع الجوي مثل الاس-٤٠٠ والاس-٣٠٠، وهي أنها أنظمة لم تصمم أبدا للعمل كمنظومات قائمة بذاتها، لكن لتكون لاعب ضمن فريق متكامل.


نعم، هذه المنظومات هي الاكثر فاعلية كجزء من (نظام الدفاع الجوي المتكامل) وهو نظام يتكون من عدد كبير من الانظمة تعمل معا بشكل متناسق وتكاملي، ويشار إليها اختصارا باللغة الانجليزية (IADS).


ولكي يكون (نظام الدفاع الجوي المتكامل) فعالا، فإنه ينبغي أن يتكون من أنواع مختلفة من أنظمة صواريخ الدفاع الجوي "أرض-جو"، بداية من الانظمة ذات المدى القصير جدًا إلى المدى الطويل جدًا.


كما ينبغي أن يحتوي (نظام الدفاع الجوي المتكامل) علي العديد من أجهزة الرادارات المختلفة الأنواع، وتشكيلة من أجهزة الاستشعار الأخرى، التي تعمل جميعها للكشف عن الأنواع المختلفة من الأهداف المعادية.


نظام الدفاع الجوي المتكامل إذن، يجب أن يضم أنظمة توفر مدى العمل الأكبر من حيث النطاق الجغرافي، وأكبر عدد ممكن من الأنظمة من حيث الكثافة العددية، وأن تكون تلك الأنظمة هي الأكثر تقدما من حيث الكفاءة التكنولوجية. حينها تستطيع أن تقول أن لديك IADS متطور وفعال يستطيع حماية مجال الدولة الجوي.


ورغم أن أنظمة الدفاع الجوي طويلة المدى تعتبر بمثابة حجر الزاوية لأي منظومة دفاع جوي متكامل حديثة وفعالة، فإنها مجرد جزء من الشبكة الأوسع.


فعلي أرض الواقع، فإن أنظمة الصواريخ أرض-جو بعيدة المدى الحديثة والفعالة مثل اس-٣٠٠ و اس-٤٠٠، يتم وضع أنظمة صواريخ قصيرة المدى لحراستها وحمايتها من التهديدات التي تقترب منها بالفعل، حينها تظهر منظومات الحماية هذه لتحمي المنظومات الأهم، باعتبار هذه المنظومات قصيرة المدى قد صممت خصيصا لتكون فعالة في إسقاط طائرات وصواريخ وقذائف العدو من مسافات قصيرة، وذلك باستخدام مزيج من الصواريخ قصيرة المدى عالية القدرة علي المناورة، والمدفعية المضادة للطيران.


بشكل أساسي، فإن الهدف من (نظام الدفاع الجوي المتكامل)، هو الجمع بين العديد من نقاط القوة المختلفة التي تمتلكها الأنظمة المتعددة التي يضمها، ويشكل بها معا منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات. اذا ما افلت العدو من واحدة، يجد الثانية في انتظاره، هذا النظام للدفاع الجوي يمتلك قوة كبيرة في البقاء في ساحة القتال سليما وقادرا، حتى ولو كان تحت هجوم معادي مستمر.


هكذا، فحتى ما اذا كانت أنظمة صواريخ الدفاع الجوي بعيدة المدى تلعب دور البطولة، فإن نظام الدفاع الجوي المتكامل هو في النهاية ثمرة لجهد جماعي.


بعض الأمثلة الحالية:


اذن، دعونا نطرح سؤالا علي أرض الواقع، ماذا يعني هذا السياق بالنسبة إلي الدول التي ترغب في شراء أنظمة صواريخ دفاع جوي بعيدة المدى وادخالها للخدمة في جيشها؟.



خريطة من اعداد معهد ستراتفور الأمريكي. يظهر فيها باللون البنفسجي الدول التي تشغل كلا من منظومتي الاس-٣٠٠ والاس-٤٠٠، وباللون المائل للأحمر الدول التي تشغل الاس-٤٠٠، بينما تشير باللون اللبني للدول التي تشغل الاس-٣٠٠ فحسب. 


لا توجد اجابة واحدة علي هذا السؤال، وإنما يعتمد الأمر علي "الأمة" التي تمتلك هذه المنظومة.


علي سبيل المثال، فحتى مع مراعاة الجغرافيا الشاسعة لكل من روسيا والصين، فهاتين الدولتين بلا شك، هما أكثر المستخدمين فعالية لأنظمة مثل اس-٣٠٠ و اس-٤٠٠.


ففي كلا البلدين، تم دمج هذه المنظومات داخل ((نظام الدفاع الجوي المتكامل)) والذي يتسم في كلا البلدين بأنه شديد الكثافة، وشديد التعقيد، ومدعوم أيضا فوق هذا كله بأعداد كبيرة من المقاتلات.


أما الدول التي يعتقد أنها ستحقق نجاحا متوسطا في استخدام منظومات صواريخ أرض-جو بعيدة المدى، سيكون منها علي سبيل المثال دولة تركيا، حيث لا تدعم تركيا منظومات اس-٤٠٠ التي تملكها بأعداد كبيرة من انظمة الصواريخ الفعالة والاقصر من حيث المدى، لكن وعلي أي حال تظل الاس-٤٠٠ في الحالة التركية منظومة مفيدة للغاية. ذلك لأن الدفاع الجوي الأساسي عن تركيا -مثل العديد من دول الناتو الأخرى- يتركز أساسا علي طائراتها المقاتلة، وليس علي منظومات الدفاع الجوي الأرضي.


لذا، فإن منظومة الاس-٤٠٠ في الحالة التركية، تم استقدامها أساسا لملء فجوة حرجة في قدراتهم، نظرا لأن تركيا لم تكن قادرة تماما علي أداء مهام الدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ الباليستية قبل أن تشتري النظام من روسيا، وخصوصا بعدما سحبت الولايات المتحدة الأمريكية عددا من بطاريات "باتريوت" التي كانت تشغلها في تركيا.


وأخيرًا، فهناك دول مثل سوريا، التي حصلت مؤخرًا علي بطاريات اس-٣٠٠، لكنها تعمل بشكل معزول ومحدودة القدرات.


لقد شلت الحرب التي تدور رحاها علي الجغرافيا السورية منذ عقد من الزمان قدرات ((نظام الدفاع الجوي المتكامل)) الذي كان السوريين قد بنوه عبر سنوات قبل عام ٢٠١١، فأصبح مدى جاهزية وتدريب الأطقم السورية أمرا مشكوك فيه، كما أخذت أنظمة الدفاع الجوي السوري تصبح أكثر تخلفا من الناحية التكنولوجية، ناهيك عن مسائل الصيانة والأمور الفنية الأخرى.


علاوة على ذلك، فإن الأسطول الجوي السوري المقاتل ضعيف مقارنة بالقوات الجوية الإقليمية الأخرى.


وهكذا، فرغم أن منظومات اس-٣٠٠ السورية يمكن أن تسبب نظريًا بعض الأضرار للطائرات الإسرائيلية التي تغير باستمرار على البلاد، فإنها لن تنجو لفترة طويلة بعد إطلاق صاروخها الأول، وسيقوم سلاح الجو الإسرائيلي بتدميرها أو إسكاتها.


في النهاية، فإن صواريخ الأرض-جو، بعيدة المدى مثل اس-٤٠٠ ليست أسلحة معجزة. حتى أنظمة الدفاع الجوي المتكامل IADS الأكثر فاعلية عرضة هي أيضا للارتباك إذا تعرضت لهجوم مستمر دون تعزيز لقدراتها، وتعويض لخسائرها.


لكن إذا تم دعمها بشكل صحيح، فيمكنها بالتأكيد لعب دور حاسم، خاصة ضد المزيد من الهجمات الجوية المحدودة. وهكذا يستمر الصراع القديم بين الطائرات في السماء والدفاع الجوي في الأرض.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -