زدني معرفة

مجزرة قصر الرحاب ١٩٥٨ .. تفاصيل قصة النهاية الدموية للعائلة الهاشمية المالكة في العراق

إذا أردنا الحديث عن مجزرة قصر الرحاب في ١٤ يوليو / تموز ١٩٥٨، فإننا وبلا شك نتحدث عن أحد أسوء الانقلابات العسكرية في التاريخ الإنساني كله، وليس في تاريخ العراق فحسب.

وسط الهرج والمرج، اندفع الغوغاء واللصوص ونهبوا بعضا من محتويات القصر، كما قام بعض الجنود بإحصاء محتويات القصر لتسليمها رسميا بعد انتهاء المذبحة، يظهر على الأرض صورة للوصي على العرش الأمير عبد الإله وزوجته الأميرة هيام التي نجت بأعجوبة من المذبحة.

وإن أي حديث عن مساوئ الحكم الملكي في العراق كتبرير لما حدث في قصر الرحاب .. هو نوع من العبث، بل محاولة لتبرير واحدة من أبشع الجرائم، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق.

لذا فإننا لن ندخل في عرض لأي سبب اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي للإطاحة بالملك فيصل الثاني والحكم الملكي كله من العراق، بل سنكتفي بذكر ما حدث في تلك المجزرة التي يندي لها الجبين، لعلها تكون ذكرى للأمة أن لا تستحل الدماء أبدا.

العائلة المالكة في العراق:

جاء الهاشميين من أبناء الشريف حسين من قلب الجزيرة العربية في أعقاب الحرب العالمية الأولى ليحكموا عددا من البلدان العربية، مستندين إلي ما يربطهم بحسب روايتهم الرسمية من نسب إلي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. (طالع من هنا: شجرة نسب ملوك الأردن..هل الهاشميين من نسل رسول اللّه).

ففي الأردن، أسس الملك عبد اللّه الأول بن الحسين مملكة شرق الأردن التي تعرف حاليا بالمملكة الأردنية الهاشمية.

أما أخوه الملك "فيصل الأول"، فهو الملك الذي جلس على عرشي سوريا والعراق.

أصبح فيصل الأول، الذي شغل منصب القائد العسكري لما عرف باسم (الثورة العربية الكبرى) ضد العثمانيين، ملكا على سوريا، وضمت مملكته يومئذ فلسطين أيضا، لكن حلفاءه من البريطانيين والفرنسيين غدروا به وقسموا مملكته إلي فلسطين وخضعت للانتداب البريطاني، أما سوريا ولبنان فذهبتا للفرنسيين.

لكن الثورة العراقية العارمة ضد الاحتلال البريطاني، لم يجد السياسيين البريطانيين طريقا لاخمادها إلا بإعادة فيصل الأول ملكا، لكن هذه المرة على العرش العراقي، باعتباره ملكا عربيا هاشميا، ما قد يسكن ثورة الشعب العراقي، وبالفعل هدأت الأوضاع بإعلان فيصل الأول ملكا على العراق في أغسطس / آب ١٩٢١، ليبدأ حكم الأسرة الهاشمية للعراق.

ظل الملك فيصل الأول جالسا على العرش حتى وفاته في ٨ سبتمبر/ايلول من عام ١٩٣٣، حيث صعد ابنه وولي عهده الملك غازي للعرش.

ست سنوات كانت مدة حكم الملك غازي الذي توفي في حادث مريب في العام ١٩٣٩، انتشرت حوله الأقاويل أنه وقع نتيجة تدبير خبيث من رئيس الوزراء حينها "نوري السعيد" الذي نفذ مخططا للتخلص من الملك غازي الذي لم يكف يوما عن محاولة طرد البريطانيين خارج العراق.

بوفاة والده الملك غازي، انتقل العرش العراقي إلي الملك فيصل الثاني، سيعين الأمير عبد الإله وصيا عليه حتى بلوغه السن القانونية، SMJ Ischtar Zin Hussein Bint Faisal 2 of Iraq، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

فبينما جاءت الرواية الرسمية وقتها أن الملك غازي فارق الحياة في حادث سقوط عمود فوق رأسه اصطدم به وهو يقود سيارته، فإن رواية أخرى تقول أن الملك غازي تم قتله بقطعة حديدية قاسية ضرب بها فوق رأسه غدرا.

بذلك انتقل العرش العراقي إلي الملك الأخير (فيصل الثاني)، الذي كان لايزال أصغر من السن القانونية، فإعطيت الوصاية على العرش إلي الأمير عبد الإله الهاشمي، حتى تولى الملك فيصل الثاني الحكم رسميا عام ١٩٥٣، عقب وصوله للسن القانونية.

سيموت الملك فيصل الثاني مع الأمير عبد الإله الهاشمي بعد خمس سنوات على أعتاب قصر الرحاب، حيث وقعت المجزرة.

تنظيم الضباط الأحرار:

مستلهمين ذات الاسم الذي نجح ضباط الجيش المصري المنتمين إليه في الإطاحة بحكم الملك فاروق لمصر، أسس الضابطين في الجيش العراقي عبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف تنظيم داخل الجيش العراقي يحمل اسم "الضباط الأحرار".

لكن التنظيمين وإن حملا نفس الاسم، فقد اختلفا في كل شيء تقريبا، لقد رحل الملك فاروق عن مصر كملك سابق، تنازل رسميا عن الحكم، وكان في توديعه حرس الشرف، واطلقت المدفعية طلقاتها لتوديعه حينما كانت السفينة المحروسة، وهي سفينة ملكية رسمية تنقله من الإسكندرية خارج البلاد.

على العكس من ذلك تماما .. كانت الصورة في بغداد، لقد كانت دموية، دموية وبشعة.

إنه لا يوجد أي تبرير واحد للطريقة التي قتلت بها عائلة ملكية عربية، ولايوجد تبرير لمدى البشاعة والدموية في أسلوب القتل، ولعل كتب التاريخ ستظل تلعن كل من اشترك في هذه الجريمة، خصوصا أن من فعلوها كان لديهم مثال ناصع البياض وقع في مصر قبل أقل من عامين، حيث لم تمس شعرة من رأس أحد أبناء الأسرة المالكة، بل إن معظمهم لم يغادر مصر أصلا، فمن سافر كانت أسرة الملك فاروق الصغيرة فحسب.

تحذيرات ما قبل الإنقلاب:

الملفت للإنتباه في قصة ما حدث في العراق في ١٤ يوليو ١٩٥٨، يتمثل أساسا أن المعلومات عن وجود تنظيم داخل الجيش العراقي يسعي للإطاحة بالملك قد وردت.

لكن ما يثير الدهشة حقا، هو أن هذه المعلومات وردت من أكثر من مصدر، وليس مصدر واحد، ما يجعل من الضروري وفقا لإجراءات الأمن في أي دولة أن يتم التعامل معها بحسم شديد لا يقل عن إحالة كل الضباط المشتبه بهم للمعاش، والتخلص من تهديدهم، وخصوصا أن التحذيرات من الإنقلاب وردت شاملة أسماء الضباط وعلى رأسهم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف.

عبد الكريم قاسم (يمين الصورة) وعبد السلام عارف، برغم وصول تقارير عن كونهما متورطان في تنظيم سيتحرك ضد الملك، إلا أن الأجهزة الأمنية العراقية حينها لم تفعل أي شيء، public domain.

فمن حديث عن تقرير بدون اسم، وصل إلي مكتب رئيس الوزراء نوري السعيد، حمل تفاصيل التنظيم، مرورا بتحذير أرسلته المخابرات التركية، وصولا إلي الأردن التي كانت قد دخلت أصلا في "الاتحاد الهاشمي" الذي جمع بينها وبين العراق باعتبار الدولتين كانتا تحكمان من أسرة هاشمية واحدة وإن اختلفت الفروع، وأخذ شكل الاتحاد الكونفدرالي.

الأردن حذر حكومة الملك فيصل الثاني، هناك إنقلاب عسكرى يتجهز للإنقضاض.. لكن هذا التحذير كغيره، ذهب أدراج الرياح، وانتهي الحال لا بضياع عرش العراق فقط، بل بمجزرة قتل فيها جميع أفراد العائلة المالكة العراقية تقريبا.

ليلة المجزرة:

كان من القدر أن تجتمع العائلة المالكة العراقية في قصر الرحاب في ليلة الإنقلاب لحضور حفل عائلي.

فلربما لو كان بعضهم، وخصوصا الأمير عبد الإله خارج القصر وقت شن الهجوم عليه، لكان من الممكن تحريك العديد من قطاعات الجيش الموالية للملك للذود عن القصر.

مجزرة قصر الرحاب:

بينما كان عبد السلام عارف يسيطر على مبني الإذاعة العراقي، كانت مفرزة من قوات الإنقلاب تتحرك صوب قصر الرحاب.

لايزال هناك جدل تاريخي حول الأوامر التي اعطيت للقوات بشأن التعامل مع الملك والأسرة، لكن شواهد الأحداث، ومدى العنف الغير مصدق يجعل أي شخص يظن -ومعه الحق في ذلك-، أن الأوامر كانت تقضي بالفتك بهم.

هناك رأي ثالث يذهب إلي أن اجتماع قيادة الإنقلاب الذي تم قبل التنفيذ بثلاثة أيام (ليل ١١ يوليو / تموز) لم يستقر المجتمعون فيه، وهم العميد عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف، والعقيد عبد اللطيف الدراجي، ورشيد مطلك، على مصير الملك فيصل الثاني، في حين حسموا أمر الأمير عبد الإله ونوري السعيد بالمحاكمة أو القتل إن حاولوا التصدي لمحاولتهم.

الحرس الملكي الذي كان موجودا لحماية القصر، اشتبك بالفعل مع القوة المهاجمة.

في تلك الأثناء، تحرك ضابط يدعي عبد الستار العبوسي، للإنضمام لقوات الإنقلاب.

الضابط عبد الستار العبوسي، هذا هو المنفذ الرئيسي لمذبحة قصر الرحاب وقاتل الأسرة الهاشمية المالكة في العراق، الصورة على سبيل الاستعمال العادل.

لم يكن عبد الستار العبوسي عضوا في تنظيم الضباط الأحرار العراقي، لكنه كان يحمل كراهية كبيرة للملك ولنوري السعيد، لذا فما سمع صوت عبد السلام عارف، في الراديو العراقي يعلن قيام ثورة ضد الملك فيصل الثاني، ويدعو الشعب للإنضمام إليها ومحاصرة قصر الرحاب، حتى سارع بالتحرك بالقوة التي يقودها، حيث سيكون هو الضلع الأساسي في ما حدث من جرائم.

وبخلاف دمويتها التي لا مثيل لها، أبت مجزرة قصر الرحاب أن تمر دون أن تكتسي كذلك بثوب الخسة والوضاعة.

لقد فتشنا في العديد من التقارير والمصادر التي تجعلنا نقول مطمئنين أن الملك فيصل الثاني وعائلته قد استسلموا، وأمر الملك قوات حراسة القصر أن تكف عن إطلاق النار.

وما يجعل ذلك أكيدا وواضحا بشكل لا لبس فيه، أن العائلة المالكة خرجت بالكامل معا، دون استثناء، وبالطبع فإن هذا تصرف المستسلم، لا تصرف من يريد خوض قتالا أو معركة.

هنا، ما كان من عبد الستار العبوسي، ومن معه إلا أن أطلقوا النار عليهم جميعا، لتنطلق رصاصات الغدر في صدور عائلة بأكملها، في جريمة لا تغتفر حتى ولو كانت ضد عائلة أدنى مواطن في العراق.

لم يشفع للعائلة المالكة العراقية لا استسلامها، ولا نسبها الهاشمي الشريف لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (ولو كان النسب يردع المجرمين لكان نسب الحسين لجده المصطفى قد شفع له عند يزيد بن معاوية)، ولم يشفع لها أيضا خروج السيدة العجوز التي تقترب من الثمانين "الملكة نفيسة" تحمل كتاب الله في يدها وتستحلف المهاجمين أن لا يقتلوا حفيدها وعائلتها، فقتلوها معهم، فهل كانت هذه السيدة تمثل تهديدا لأي أحد؟.

عقب إطلاق الرصاص، وسقوط الجثث بعضها فوق بعض، اندفع عبد الستار العبوسي، ليطلق النار على الجثث الملقاة على بعضها البعض، حتى أن أحد مرافقيه سأله لماذا؟.. فكان جوابه "لكي اتاكد".

كان من بين القتلى يومها، الملك فيصل الثاني، الأمير عبد الإله، الملكة نفيسة، الأميرة عابدية بنت على خالة الملك ومربيته، في حين نجت الأميرة بديعة بنت علي بن الحسين والتي تولت السفارة السعودية إخراجها من العراق حيث انتقلت إلي مصر، كما نجت الأميرة هيام زوجة الأمير عبد الإله بأعجوبة.

يقول فالح حنظل، وهو ضابط بالحرس الملكي العراقي، وأحد شهود العيان على مجزرة قصر الرحاب، وصاحب أحد أهم الكتب التي تناولتها وهو كتاب (أسرار مقتل العائلة المالكة في العراق)، أن جثة وصي العرش الأمير عبد الإله، تم التمثيل بها بصورة تتعدي الهمجية بمراحل.

ثوب الملك فيصل الثاني الذي كان يرتديه لحظة مقتله، يظهر الثوب وقد اكتسي بالدم وآثار الرصاص، صورة من مواقع التواصل الاجتماعي.

لقد ربطت الجثة بالحبال، وأخذ نحو سبعة من الشباب في جرها، لدرجة أن مزقت الجثة تمزيقا، وانفصلت اليدين والقدمين عن بقية الجسد، كما بقرت معدته وأخذت الأحشاء تتناثر على الطرقات، أما وجه الأمير عبد الإله فقد هشم تماما.

بهذه الوضعية التي لا يمكن للكلمات وصفها، علقت جثة الأمير على شرفات وزارة الدفاع لبعض من الوقت، ثم تم إنزالها وحرقها، وعندما أتت ظلمة الليل، قام هؤلاء الهمج بإلقائها في نهر دجلة.

لم يصدر أي بيان من الحركة الانقلابية للاعتذار عن قتل العائلة ووعد ولو شكلي بإجراء تحقيق ومحاكمة الجناة، بل إن الضابط عبد الستار العبوسي ظل في الجيش ويترقي في الرتب كأي ضابط آخر.

لعنة الدماء:

طاردت لعنة دماء الأسرة الهاشمية المسفوكة على عتبات قصر الرحاب، طاردت القاتلين فأوردتهم المهالك.

في البداية، تم الإنقلاب على "عبد الكريم قاسم" في ٨ فبراير / شباط ١٩٦٣، وصدر الحكم بإعدامه، وتم رفض طلبه بنفيه خارج البلاد، ليتم تنفيذ حكم الاعدام بحقه في اليوم التالي مباشرة، ٩ فبراير ١٩٦٣، وذلك في غرفة الموسيقي في مبني الإذاعة والتلفزيون العراقي في بغداد.

لحق به شريكه الأساسي في الإنقلاب، عبد السلام عارف، والذي صعد لرئاسة العراق بعد فترة قصيرة من إغتيال عبد الكريم قاسم.

سيلقي عبد السلام عارف مصرعه في ١٣ أبريل /نيسان ١٩٦٦، في حادث تحطم طائرته بمنطقة القرنة بعد عودته من زيارة لمحافظة البصرة جنوب العراق.

أما الضابط عبد الستار العبوسي، والذي يعتبر المنفذ الرئيسي لمجزرة قصر الرحاب، فقد كتب عليه أن يمضي ١٢ عاما حتى توفي عام ١٩٧٠، وهو تطارده الكوابيس والخيالات المزعجة من جراء غمس يده في الدم غمسا.

سيموت عبد الستار العبوسي على يد عبد الستار العبوسي نفسه، إذ سيقتل نفسه منتحرا، ليكتب بذلك كلمة النهاية لمن نفذوا مجزرة قصر الرحاب في صباح الرابع عشر من يوليو تموز سنة ١٩٥٨.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -