زدني معرفة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.. بين السخرية والبطولة

وسط هدير الطائرات ودوي المدافع وإنطلاق الرصاص في الحرب الروسية-الأوكرانية الدائرة منذ ٢٤ فبراير ٢٠٢٢، وجد الناس في شخصية الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مثارا للكثير من السخرية والبطولة أيضًا.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالزي العسكري يتفقد بعض مواقع قوات الجيش الأوكراني، BY SIMON SHUSTER / SHUMY, UKRAINE، (CC BY 2.0)، via Flickr. 


في البداية، سخر الجميع تقريبا من السيد زيلينسكي، وصفوه بالمهرج القادم من استوديوهات السينما وأوراق تأليف النصوص الأدبية والمسرحية، إلي ساحة لعبة الأمم، حيث سيسحقه الرئيس بوتين بسهولة، وأخذ الكثيرون يرسمون له سيناريوهات الهروب أو الموت قتيلا أو الوقوع أسيرا في يد القوات الروسية التي وصلت لحدود العاصمة الأوكرانية كييف منذ أول أيام الحرب تقريبا.

زيلينسكي كبطل:

لكن الحقيقة أن زيلينسكي أدهش الجميع، نحن اليوم وصلنا إلي اليوم السادس عشر من الهجوم الروسي على أوكرانيا ، ولا يزال زيلينسكي يواجه هذا الغزو.

في البداية، سخر الكثيرون من بعض تصرفاته وتصريحاته، مثل ما قاله عن أن الدول الغربية تركت أوكرانيا تقاتل وحدها، ثم قيامه بإلغاء متابعة جميع رؤساء الدول الغربية على حسابه على موقع تويتر، هذا التصريح على سبيل المثال جعل سهام تتهمه بالغباء توجه إليه، تسائل الناس هل كان يظن أن الناتو سيقاتل نيابة عنه؟.. من هذا المجنون الذي يقاتل روسيا بعدتها وعتادها؟.

لكن هؤلاء لم ينتبهوا إلي أن زيلينسكي بهذا التصريح وهذا التصرف، سبب ضغط على الحكومات الغربية أمام شعويها.

سرع هذا الضغط من وصول معدات عسكرية هامة للغاية استخدمتها القوات الأوكرانية في إنزال خسائر فادحة بالروس وخصوصا في الدبابات والمدرعات، نتحدث هنا على وجه الخصوص عن صواريخ الجيل التالي المضادة للدبابات نلاو السويدية الصنع والتي ارتفعت وتيرة تسليمها لأوكرانيا منذ بدأ القتال.

وريدوا رويدا، بدأ زيلينسكي الذي رقص شبه عاريا ذات يوم، يتحول إلى شخصية بطولية على الإنترنت، إنه بطل شعبي يقود بلاده في التصدي لغزو دولة قوية، قوية جدا.

زعيم محبوب في زمن الحرب:

طوال التاريخ تحولت بعض الشخصيات إلي زعماء بسبب صمودهم في زمن الحرب، تشرشل في بريطانيا مثلا جاء لرئاسة وزراء بريطانيا في أوج عظمة النازية بقيادة هتلر مطلع الحرب العالمية الثانية، ليعلن أن بريطانيا العظمي لن تستسلم، تحول هذا الرجل الذي كان ينظر إليه باعتباره سياسي فاشل إلي بطل قومي في تاريخ بريطانيا على الدوام.

أمثلة كثيرة لزعماء صنعتهم الحروب، واليوم فإن صورة زيلينسكي وسط عائلته أصبحت معتادة الظهور في وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا في أمريكا والدول الأوروبية، ليتحول الرئيس ذو ال٤٤ عاما لبطل حرب.

صورة يظهر فيها زيلينسكي بجانب زوجته وابنته، وهو يحمل أبنه الصغير في حجره، وبرغم أنها صورة ضاحكة ويطلي فيها الرئيس وابنه وجهيهما بطلاء وجه، إلا أنها أصبحت معبرة عن كيف تحول هذا الرجل.. هذا الرجل الذي قد يكون هو نفسه قد اكتشف في ذاته أشياء لم يكن يعلمها عن نفسه، لكن التحول الدرامي في مسار حياته والشبيه بفيلم قام بدور بطولته، جعلها يكتشف وجهه الآخر، أو زيلينسكي الآخر.

في خطاب تنصيب زيلينسكي في عام ٢٠١٩، قال الرئيس الأوكراني: "لا أريد صورتي في مكاتبكم. الرئيس ليس أيقونة أو صنم أو صورة. علق صور أطفالك بدلاً من ذلك ، وانظر إليها في كل مرة تتخذ فيها قرارًا"... فإذا أسقطنا هذه الكلمات اليوم، فإن الأوكرانيين من وجهة نظر رئيسهم عليهم الالتفاف حول الوطن لا الرئيس.

لقطة من فيديو نشره الرئيس الأوكراني زيلينسكي عبر حسابه الرسمي على موقع فيسبوك بتاريخ ٢٥ فبراير في أحد شوارع العاصمة الأوكرانية كييف ، ويحيط به عددا من وزراءه ومستشاريه. 


برغم هذا، لا تزال صور الرئيس تنتشر بسرعة، وهذه الصورة مع عائلته ليست صور زيلينسكي الوحيدة التي تنتشر بسرعة الآن. هناك أيضًا فيديو أمامي التقطته لنفسه مع أعضاء حكومته وهم يتجمعون في أحد شوارع كييف للرد على شائعات انتشرت في اليوم الثاني للحرب أنه لاذ بالفرار.

بالإضافة إلى صور له وهو يرتدي الملابس القتالية، وهذه بالتحديد تنتشر بشكل واسع النطاق.

لكن قد يكون مفهوما بل ومقبولا بالنسبة لنفسية الشعوب في أوقات الحروب والخطر أن تتجمع حول الزعيم أو الرئيس، باعتباره رمزا للبلاد ككل. أعرق الديمقراطيات يحدث فيها ذلك، في بريطانيا على سبيل المثال وحتى في أوقات السلم، هناك شعار لا ينفك البريطانيين عن ترديده وهو (فليحفظ ﷲ الملكة).

صنع أيقونة:

من المنطقي أن يتحول بطل في حرب، إلي أيقونة، خصوصا مع كل يوم جديد يمر وهو يواصل القتال ضد روسيا وزعيمها السيد بوتين.

إن تعليقه الساخر من السياسة الأمريكية ، التي عرضت عليه إخلاءه وتهريبه عبر طائرة ليقود حكومة منفي من خارج أوكرانيا والذي قال فيه رافضا (أحتاج إلى ذخيرة ، وليس رحلة) أصبح مطبوعا على قمصان وأكواب وأعلام، معروضة للبيع على موقع إتسي Etsy للتجارة الإلكترونية.

المعجبون به في الدول الغربية يقوم بصنع صور له ببرامج الفوتوشوب ليضعون رأسه على الشخصية الكارتونية والسينمائية الخارقة (كابتن أمريكا)، كما ظهرت فيديوهات مجمعة له يقول أصحابها أنها نوع من التكريم الرقمي لرجل يقود شعبه في معركة عظمى.

زيلينسكي وهو الآن الهدف الأول لروسيا التي لديها أكبر عدد من الأسلحة النووية في العالم، وبرغم ذلك فهو لا يتراجع، فإذا كان هناك وقت مناسب لصنع شخصية سياسية عظيمة فقد تكون هذه اللحظة.

البروباغندا:

هناك وجهة نظر تذهب إلي أن ما يحدث هو مجرد دعايا وبروباغندا.

يذهب هذا الرأي إلي أن الغزو الروسي لأوكرانيا قد يصنف كعمل وحشي وأن زيلينسكي يتصرف بشجاعة، لكن ليس من الحكمة تحويل الرجل إلي بطل بكل هذا الكم من الدعايا التي قد تتحول في جزءا منها إلي ترفيه.

ذلك لأن زيلينسكي وإن كان صامدا، فذلك بفضل أناس حقيقيون لا يعلم عنهم أحد أي شيء، إنهم الجنود والمدنيين الأوكران الذين يتصدون للقوات الروسية.

لماذا يتم تمجيد زيلينسكي ومن يقاتل على الأرض هم جنود الجيش الأوكراني، Ministry of Defense of Ukraine، (CC BY-SA 2.0)، via Flickr. 


بحسب أنصار هذا الرأي، فإنه لشيء قاسي للغاية أن يتم تمجيد زيلينسكي في ذات الوقت الذي يطالب فيه مقاتلين من لحم ودم يخوضون القتال وسط النيران بالمساعدة.

على أي حال، فلا يمكن لأي شخص الآن وبعد قيادة زيلينسكي لصمود بلاده، أن لا يتذكر أن هذا الرجل ذو الديانة اليهودية، والذي لعب دور رئيس أوكرانيا على شاشة السينما قبل انتخابه بالفعل، وفاز بالنسخة الأوكرانية من برنامج الرقص مع النجوم، بعدما رقص شبه عاري بالجيتار وغني الأغنية اليهودية الشعبية هافا ناجيلا (بالعبرية: הבה נגילה) وتعني «دعونا نحتفل».

هذا الرجل الذي بدا في بعض الأحيان كمهرج، اثبت في لحظة الطوارئ الحقيقية، أنه يستطيع إفادة أوكرانيا من موهبته في جذب محبة الجماهير، كما ضغط على الحلفاء الدوليين لمساعدة أوكرانيا من خلال توصيل محنة بلاده بشكل فعال بخطابات مثيرة لا يزال يلقيها منذ بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا.

لكن التحذير الأخير أطلقته سلافا زيداني ، أستاذة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا المتخصصة في دراسات الثقافة على الإنترنت.

ترى بروفيسور زيداني أن تحفيز الناس خلف زيلينسكي مفيد بالفعل في نشر الرسالة السياسية لأوكرانيا وتقديمها لشعوب العالم، كما أنه مفيد في تحفيز المقاتلين الأوكرانيين على الأرض، لكن هذا يعد "تسطيح" لما يحدث.

ذلك لأن جعل زيلينسكي هو البطل المنقذ أمام قوة جبارة مثل روسيا أمر غير عادل إلى حد بعيد. بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك أبطال آخرون مثل المقاتلين على الأرض، وحتى الكثير من الروس الذين يعرضون أنفسهم للخطر للاحتجاج على هذا الغزو.

كما أنه يقلل من محنة أوكرانيا إلى شيء يمكن في حالة إن مات زيلينسكي مقتولا أو تم أسره، أن تنتهي الحرب، حينها سيكتفي الناس بالنظر إلى هواتفهم ، والتنهد بحزن ، وربما يمسحون بعض الدموع، وبعد ذلك تنتهي الحرب تماما، حينها سيكفي الروس هزيمة رجل واحد أسمه زيلينسكي وليس دولة كاملة اسمها أوكرانيا.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -