زدني معرفة

كشف حقيقة العرافة البلغارية العمياء بابا فانجا.. وهل تتوقع المستقبل بالفعل

ورد عن النبي ﷺ بأكثر من رواية صحيحة، أنه ﷺ قال: ((من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما)).

وأنه ﷺ قال: ((من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ)).

وبرغم هذا التحذير القوي من النبي صلى ﷲ عليه وسلم، فإن الكثيرون اليوم يصدقون الكهان والعرافين، وقد تبدلت أسمائهم فأصبحوا خبراء التوقعات، أو خبراء التاروت، أو حظك اليوم، أو غيرها من الأسماء المتعددة، ولكنها تدل في النهاية على نفس الشيء.

العرافة البلغارية العمياء بابا فانجا (الجدة فانجا)، bg:User:Пакко، (CC BY-SA 3.0)، via Wikimedia commons. 


ومن أشهر العرافين الذين يبحث الناس عن نبوآتهم، بل وقد يغيروا من خططهم ونظرتهم للمستقبل بناء على ما قالوه، هي العرافة البلغارية العمياء بابا فانجا.


من هي بابا فانجا:


هي فانجيليا بانديفا غوشتيروفا، أو بابا فانجا (تعني الجدة فانجا)، أو العرافة العمياء، عرافة بلغارية شهيرة (٣ أكتوبر ١٩١١ : ١١ أغسطس ١٩٩٦)، عاشت معظم حياتها في قرية ستروميكا، بمنطقة الروبيت في جبال كوزوه البركانية في بلغاريا "كانت هذه المنطقة تقع تحت حكم الدولة العثمانية حينما ولدت بابا فانجا".

ولدت بابا فانجا كفتاة طبيعية، لكن وفي الثانية عشر من عمرها، تعرضت لحادث فقدت على إثره بصرها، ومنذ ذلك الحين، بدأت تقول أنها تشاهد "رؤى" تمكنها من معرفة ماذا سيحدث في المستقبل، وأخذت ايضا تفسر للناس أحلامهم ومناماتهم.

وفي قرية بلغارية صغيرة في منتصف عشرينيات القرن العشرين ، حيث يسود الجهل و الفقر بين القرويين الذين يحيون حياة ضيقة بئيسة، بدت الأمور مواتية لبزوغ نجم فتاة كتلك، عمياء ولكنها كما ذاع صيتها حين ذاك تستطيع تفسير الأحلام وتوقع المستقبل.

ساعتها بدأ الناس يتحدثون عن الفتاة التي تتمتع بقوى خارقة للطبيعة، فتاة موهوبة ينظر إليها كقارئة للغيب، وبشكل إجمالي يقال أنها قالت بمئات النبؤات منذ ذلك التاريخ حتى وفاتها (مصادر أخرى تحدثت عن ٧ آلاف نبوءة).

تزوجت بابا فانجا عام ١٩٤٢ من رجل يدعي "ديميتار غوشتروف" ، وكانت تلك هي زيجتها الوحيدة والتي استمرت حتى وفاة زوجها بعد عشرين عاما، وبالتحديد عام ١٩٦٢.

يقول مروجو نبؤاتها أنها تنبأت ببعض أهم الأحداث التاريخية، مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر على برجي التجارة العالمي، عندما قالت أن الأمريكيين سيسقطون بعدما تهاجمهم الطيور الفولاذية.

والهجمات الكيماوية التي حدثت في النزاع السوري الذي دخل اليوم عقده الثاني، وكارثة الغواصة النووية الروسية كورسك التي غرقت في ١٢ أغسطس / آب من العام ٢٠٠٠، وكذلك ظهور تنظيم داعش الإرهابي.

قائمة تنبؤات بابا فانجا التي يروج لها أنصارها تشمل وفاة الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، والهجوم على مدينة براغ قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، وانهيار الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن العشرين، كما تتضمن كارثة إنفجار مفاعل تشيرنوبل عام ١٩٨٦، ووفاة الأميرة ديانا.

وبناء على هذه التنبؤات، الغير مستندة لأي نص أو وثيقة مكتوبة في حياة بابا فانجا، فإن مؤيديها والمروجين لها منحوها لقب (نوستراداموس البلقان)، نسبة إلي نوستراداموس، أشهر عراف في التاريخ.

نوستراداموس، أشهر عراف في التاريخ، acheté par le Musée en 1842 à Mr. Jacquemin d'Arles، (CC BY-SA 4.0)، via Wikimedia commons.


ووفقا لبابا فانجا أيضًا فإن نهاية العالم ستكون في العام ٥٠٧٩.

وقد بلغت شهرة (بابا فانجا) حدودا واسعة ، وكان هناك أعداد من الزوار يأتون إليها من كثير من أنحاء العالم (قدر عدد من زاروها طيلة حياتها بمليون شخص).

وحتى لو افترضنا صحة هذا الرقم، فإن زيادة شهرة بابا فانجا واتساعها بصورة لا تصدق كان عقب وفاتها عن ٨٥ عاما، وهي نقطة تستحق الوقوف عندها كثيرا.

فإذا كانت بابا فانجا قد تنبأت بكل هذه الاحداث التاريخية (ومعظمها وقع في حياتها).. فلما تأخر اتساع شهرتها إلي ما بعد الوفاة؟.. كلمة السر هنا أن بابا فانجا قد تم استغلالها بعد وفاتها، وإلصقت لها نبؤات لم تقلها من الأصل.

وبخلاف تلفيق النبؤات، فإن لغة العرافين أنفسهم، والتي تتسم بكثرة الرموز والأرقام والإشارات المركبة، تجعل من الممكن بسهولة لي عنق بعض ما قالوه، لكي يفهم منه الإشارة لحدث وقع بالفعل، وهناك متخصصين في هذه المسائل.

أحد الكتب التي عثرنا عليها تنشر ما تقول أنها نبؤات بابا فانجا باللغة الإيطالية، نجد الناشر يقول فيها أن لغة بابا فانجا هي "لغة صوفية" لذا فإن النبؤات غير مباشرة "إذن مطلوب دوما أن تحاول ربط هذا الكلام بالأحداث المستقبلية"، وهذا لب الموضوع الأساسي، أن تكون النصوص عمومية وغير محددة بحيث يمكن استخدامها مع أي حدث مستقبلي.


لعبة العرافين:


الحقيقة التي يحاول مروجي نبؤات هؤلاء العارفين مثل (بابا فانجا) أو (نوستراداموس) تغييبها وطمسها فلا يعرفها الناس، أن نبؤات هؤلاء العرافين إما غير موجودة أصلا "فمثلا في حالة بابا فانجا لا يوجد كتاب معين كتب في حياتها مباشرة من لسانها جمعت فيه تنباؤتها"، وإنما تنشر هذه التنباؤت كل عام تقريبا، ولا أحد يدري من أين أتت بالضبط؟.

فيما يخص نوستراداموس مثلا، فعلى العكس منها هناك طبعات كثيرة قديمة لنبؤاته، وهذه الطبعات يقومون بتغييرها والإضافة عليها وتعديلها، فمثلا يقومون بكتابة أنه تنبأ بغزو العراق عام ٢٠٠٣، لكنك لا تجد هذا  الكلام ينشر إلا بعد الغزو فعلا.

المستفيدين تجاريا من هذه النبؤات كثيرون وعلى رأسهم دور نشر الكتب العملاقة التي تطبع هذه الكتب، ويهمها الترويج لهذه الخزعبلات من أجل تحقيق المزيد من الربح، خصوصا أن هذه النوعيات من الكتب تحقق مبيعات خرافية بالفعل، وتستمر لفترات طويلة هي الكتب الأكثر مبيعا.

ويقول الكاتب الصحفي المصري (سيد جبيل) في قناته عبر اليوتيوب (نعرف) أن الصحف المهتمة بالإثارة والفضائح تنشر سنويا نبؤات بابا فانجا، لكنها لا تقول من أين جاءت بتلك النبؤات؟ وما مصدرها؟ (وقد فحصنا في المعرفة للدراسات عشرات الصحف الأجنبية التي تناولت نبؤات بابا فانجا ولم نجد مصدرا واحدا قدمته تلك الصحف تكشف فيه بدقة من أين أتت تلك التنبؤات).

لكننا عثرنا بالفعل على عدد من الكتب بعنوان تنبؤات بابا فانجا و هي مطبوعة بعدة لغات، لكن هذه الكتب أيضا لا يوجد دليل على أن بابا فانجا هي من توقعت ما كتب فيها أو أنها قالتها بلسانها وكتبها الناس عنها، بخلاف ما هو أهم من ذلك، أن نبؤات بابا فانجا بها الكثير والكثير من الأخطاء الفادحة.


سيل الأخطاء:

تنبأت بابا فانجا انه في عام ٢٠١٦ ستشهد أوروبا حربا نووية، وعندما لم تندلع أي حروب في هذا العام، دفع مروجو نبؤات بابا فانجا بدفاع غريب للغاية، بجعل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بمثابة تلك الحرب النووية، Christoph Scholz، (CC BY-SA 2.0)، via Wikimedia commons. 


يضرب الأستاذ سيد جبيل مثالا على فضيحة لنبؤات بابا فانجا تلك، عندما تم نشر أنها توقعت أنه وفي العام ٢٠١٦ ستندلع معارك الحرب العالمية الثالثة، وأنها ستبدأ بهجوم إما بسلاح كيماوي أو نووي، ونتيجة لذلك لن تصبح قارة أوروبا كما نعرفها اليوم.

بالطبع لم يحدث شيئا من هذا، لم تقم حربا، ولم تستخدم أسلحة من أي نوع، لا كيماوية ولا نووية، وحينها وفي محاولة للخروج من هذه الورطة، قال أنصار بابا فانجا، أن نبؤاتها كانت صحيحة لأنه في ٢٠١٦، خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي!!!.

مثالا آخر يعري حقيقة تلك النبؤات المحرفة، يتمثل في نبؤة اكتشاف علاج مرض السرطان في سنة ٢٠٢١، وقد انتهي العام دون أن يحدث ذلك أيضا.

مما قالته (بابا فانجا) أيضا أو نسب إليها، أن العام ٢٠١٧ سيشهد نهاية أمريكا كدولة موحدة، وأن الرئيس الأمريكي الرابع والأربعون، سيكون هو أيضا آخر رئيس أمريكي، لكن دونالد ترامب أصبح الرئيس رقم ٤٥ في يناير ٢٠١٧، وفي يناير ٢٠٢١، أصبح جو بايدن الرئيس الأمريكي السادس والأربعون.

لكن تبقي واحدة من النبؤات الأكثر شهرة وغرابة لبابا فانجا، هو ما تنبأت به بأن المسلمين سيقومون بغزو أوروبا، في حرب وصفتها (حرب إسلامية كبرى) ، ستنتهي بنجاح المسلمين في إقامة خلافة جديدة بحلول عام ٢٠٤٣ وفي مصادر أخرى تقول أن ذلك سيكون عام ٢٠٦٦، لكن المختلف هذه المرة أن عاصمة خلافة المسلمين الجديدة ستكون في روما!!!.


كذب المنجمون ولو صدفوا:


الناس، بطبيعتهم يخافون من المستقبل لأنه مجهول، وبدلا من الثقة في ﷲ، خالق الدنيا، وعلام الغيوب، والمتحكم في المصائر، نجدهم في كل واد يهيمون، فتارة عند بابا فانجا، وتارة عند نوستراداموس، وتارة أخرى عند هذا أو ذاك.

ومن خلفهم، هناك صناعة كاملة تغذي هذه المشاعر، وتثير الأسئلة من قبيل ماذا سيحدث للبشرية؟.. ماذا يخبئ لنا مستقبلنا؟.. مالذي توقعته بابا فانجا لعام ٢٠٢٢ أو لعام ٢٠٢٣ ، وهكذا، تدور الطاحونة، طالما هناك من يصدق.

للأسف، هذه طبيعة بشرية قديمة، ظل العرافون طوال التاريخ محل اهتمام الكثير من البشر، حتى أن العائلات المالكة و الأمراء و النبلاء و كثير من الشخصيات المؤثرة في التاريخ كانوا يضعون العرافين في حاشيتهم، ويطلبون مشورتهم في الكثير من الأشياء.

لدينا إليزابيث الأولى ملكة إنجلترا (١٥٣٣ : ١٦٠٣)، عينت "جون دي" الذي عرف عنه التنجيم كمستشار شخصي لها.

التاريخ حافل بتلك القصص، فهناك غريغوري يافيموفيتش راسبوتين في روسيا، و نوستراداموس في فرنسا، والقائمة تطول، وهناك مثال شهير في بلاد الشرق كان بطله الملك فؤاد الأول، ملك مصر الراحل.

الملك فؤاد الأول، ملك مصر، Zeinab Mohamed، (CC BY-NC-SA 2.0)، via Wikimedia commons. 


فالرجل الذي عاش حياة مليئة بالأقدار والانعطافات الحادة، كان شديد الحرص على حرف "الفاء"، ليسمي به كل أبناءه، بل ويزين قصوره به بنمطه الإنجليزي F، والسبب وراء ذلك الحرص الغريب أنه وفي إحدي الليالي التقي بعرافة، قصت عليه أنه سيكون ملكا لمصر وسيمتد الملك له في ذريته من بعده، شريطة الحفاظ دوما علي هذا الحرف "ف".

ويبدو أن فؤاد الأول لم يصدق النبوءة فحسب، بل آمن بها إيمانا مطلقا، حتى شغلته دوما، فها هم أبناءه جميعا تبدأ أسمائهم بالحرف الذهبي "فوقية وفاروق وفوزية وفائزة وفائقة وفتحية".

المفارقة الغريبة في قصة حرف الفاء مع فؤاد وبنيه، أن النبوءة أورثها لأبنه فاروق كما أورثه العرش.

فنجد أن الملك فاروق الأول اطلق اسم "فريدة" علي زوجته الأولى بدلا من اسمها الأصلى "صافيناز يوسف ذو الفقار"، وكذلك فعل مع بناته "فريال وفوزية وفادية".

لكن الدائرة كسرت مع زواج فاروق الثاني من الملكة "ناريمان" التي ظلت محتفظة بأسمها الأصلى، كما أن ابنه الملك فؤاد الثاني حمل حرف الفاء في الاسم الثاني، إذ أن اسمه مركب "أحمد فؤاد".. ولذا يقول أصحاب التصديق في الخرافات والحكايات والودع والمناديل والعرافين وأصحاب الحنجل والمنجل، يقولون أن انتهاء الملكية في مصر كان بسبب التوقف عن استخدام حرف الفاء، وهو قول يكشف عن عقل مغيب عن الواقع والتاريخ بل وأبسط مبادئ التفكير، وهو قبل ذلك جريمة في الدين.

في النهاية، فهناك عبارة صحيحة (ليست قرآنا ولا حديثا) تتناقلها ألسنة الناس، وهي: (كذب المنجمون ولو صدفوا).. تصف حال بابا فانجا ومن على شاكلتها، وهو ربما ذات المعني التي استخدمته صحيفة (مترو) البريطانية، وهي أعلى الصحف البريطانية انتشارا، لتصف بابا فانجا بها فقالت:
"لقد أخطأت بابا فانجا في أغلب نبوءاتها".

فلعل من يصدقون بابا فانجا وغيرها من العرافين أن يتوقفوا قليلا مع أنفسهم، ويدركون أنهم يبحثون عن سراب في الصحراء، وأن عليهم دوما الاهتمام بالمستقبل عن طريق شيئين لا ثالث لهما (التوكل على ﷲ) و من ثم (العمل الجاد).

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -