زدني معرفة

حزب بهاراتيا جاناتا.. واضطهاد المسلمين في الهند

بين الفينة والأخرى، تتوالي الأخبار والتقارير القادمة من الهند، عن استهداف ممنهج للأقلية المسلمة هناك.

أنصار حزب بهاراتيا جاناتا في مسيرة داعمة للحزب في منطقة أميثي ، واحدة من أكثر المناطق التي شهدت عنفا ضد المسلمين في الهند، Bharatiya Janata Party، (CC BY-SA 2.0) via Wikimedia commons. 


استهداف وترصد تتجه أصابع الاتهام فيه أساسا إلى الحزب الحاكم (بهاراتيا جاناتا) اليميني المتهم بالتطرف، والتعصب للهندوسية على حساب الإسلام بل على حساب كل الديانات في الهند، وهو أمر قد يليق بجماعة دينية، لكنه لا يصح أبدا لحزب يحكم شعب يزيد تعداده عن مليار و ٢٠٠ مليون نسمة.

وبرغم أن العنف ضد المسلمين في الهند قديم وترجع جذوره إلى عهد الاستعمار البريطاني للهند (الذي قسم الهند عام ١٩٤٧ قبل خروجه منها)، فإن حزب بهاراتيا جاناتا، زاد بشدة من حدة ذلك العنف وجعله بشكل مستمر بدلا من كونه على فترات متقطعة قبل ذلك، وشجع بسياساته تنامي ذلك العنف، بل وبذر الحقد في نفوس غير المسلمين في الهند ضد بني جلدتهم من المسلمين.


حزب متطرف:


والحقيقة إننا عندما نصف حزب بهاراتيا جاناتا بأنه حزب هندوسي متطرف، فإننا لا ندعي شيئا غير حقيقي، بل إن هذا الوصف هو النعت المعتمد لهذا الحزب حتى في وسائل الإعلام الغربية الشهيرة، مثل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) على سبيل المثال.

وبرغم أن قادة حزب بهاراتيا جاناتا وعلى رأسهم رئيس الوزراء ناريندرا مودي، يحبون دوما عندما يسافرون خارج الهند أن يتحدثوا عن الزعيم الهندي التاريخي (المهاتما غاندي)، لتوصيل رسالة لبقية دول العالم مفادها أن الهند هي أرض للسلام والمحبة، ودولة ديمقراطية يشار إليها باعتبارها أكبر دولة ديمقراطية من حيث عدد السكان عالميا.

لكنك عندما تقرأ عن أفكار هذا الحزب، تصطدم بأنك أمام حزب قادم من القرون الوسطي بلا مبالغة، فنواب البرلمان التابعين له يؤمنون باستخدام السحر في السياسة، إلي حد أن النائبة عن الحزب (براغيا ثاكور) اتهمت المعارضة بقتل ثلاثة من مسؤولي الحكومة المنتمين لحزب بهاراتيا جاناتا باستخدام السحر.

أما الهدف الأساسي في فكر حزب بهاراتيا جاناتا، فهو تحويل الهند إلي ما يمكن تسميته (أمة هندوسية فقط)، أن تتحول الهند إلي دولة للهندوس فحسب، ولو كان الثمن أن يقتل أو على الأقل أن يطرد منها كل أصحاب الديانات الأخرى.

بنفس تلك الأفكار، شن المتطرفين الصرب مثل رادوفان كاراديتش الطبيب النفسي والشاعر الذي تحول إلي مجرم حرب، حربهم ضد مسلمي البوسنة والهرسك في التسعينات بهدف إنشاء حلمهم في (صربيا الكبرى)، وارتكبوا جرائم لا تمحي من التاريخ كان من أبرزها مذبحة سريبرينيتشا.. حينما قتلوا ٨ آلاف مسلم تحت أعين قوات الأمم المتحدة.

المثير حتى للسخرية أن المهاتما غاندي نفسه، والذي يعتبره مسؤولي حزب بهاراتيا جاناتا في خطاباتهم الخارجية بطلا قوميا ومحرر الهند من الاستعمار البريطاني بطريقة سلمية وكفاح لم يعرف الرصاص، فإنه قد اصبح خائنا للهندوسية في الداخل، ومتهما بمحاباة المسلمين على حساب الهندوس، بل والأكثر من ذلك أن تحول قاتله (ناثورام غودسي) وهو هندوسي متطرف اغتاله عام ١٩٤٨، إلى رمزا للبطولة الهندوسية.


اعتداءات لا تنتهي:


من الطبيعي في كل دول العالم أنه عندما يرتكب مجرم ما جريمة، فإنه يكون حريصا على إخفاءها.

لكن الوضع في الهند بات مقلوب، إذ يقوم المتطرفين من الهندوس بتصوير اعتداءاتهم على المسلمين، وبثها عبر الإنترنت، دون خشية من شرطة أو قضاء، فهذه المؤسسات غضت في كثير من الأوقات طرفها عن كثير من الجرائم.

برغم أن ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي يتحدث كثيرا عن السلام، وعن الإلتزام بمراعاة مصالح الشعب الهندي كله بما فيه المسلمين، فإنه ومنذ لحظة وصول حزبه بهاراتيا جاناتا لسدة الحكم، فإن حوادث الاعتداء على المسلمين تتصاعد بشكل لا مثيل له في تاريخ الهند، Narendra Modi، (CC BY-SA 2.0), via Flickr. 


تشمل الفيديوهات الواردة من الهند، اعتداءات بالضرب على مسلمين، وإجبارهم على تمجيد الديانة الهندوسية، والقيام بحركات مهينة للنفس البشرية، لكسر صاحبها ومرمرغة وجهه وكرامته في التراب، مثل الإجبار على لعق الأرض بلسانه.

هذه قد تكون اعتداءات فردية على مسلم كان يسير بمفرده وقاده القدر للوقوع في يد مجموعة من هؤلاء المتطرفين.

لكن الاعتداءات الأخطر هي التي تأخذ شكل الهجمات الجماعية الهوجاء، كما يحدث على سبيل المثال لا الحصر في (تريبورا) شمال شرقي الهند، حيث تخرب المساجد، وتهدم وتسرق وتحرق متاجر وبيوت المسلمين.

حيث ينشط في ولاية تريبورا منظمة "فيشفا هندو باريشاد"، وهي حليف وثيق لحزب بهاراتيا جاناتا، وتمارس أفعالها المتطرفة تقريبا بلا عقاب.


مقاطعة تجارية:


بالقسم، يجتمع المتطرفين من الهندوس ليعقدوا القسم الجماعي على مقاطعة متاجر المسلمين، على أن لا يشتروا من المسلمين ولا يبيعوا لهم شيئا.

ومما يتعلق بالبيع والشراء أيضا، فإن الجماعات الهندوسية المتطرفة وجدت في عصر حزب بهاراتيا جاناتا المتسع اللازم لتفرض حماية تامة على الأبقار التي تعتبر رمزا شديد القدسية في ديانتهم.

على الجهة الأخرى، فمن المحلل للمسلمين البيع والشراء بل وذبح وتناول لحوم الأبقار.

لقد وصل عنف الهندوس في الدفاع عن أبقارهم المقدسة إلى حد قتل المسلمين الذين يضبطون وهم يتاجرون في الأبقار بهدف بيعها للذبح والأكل.


الالقاء في البحر:


إذا ما كانت مشكلة المهاجرين واللاجئين هي مشكلة عالمية، تؤرق حتى الدول الأوروبية، لكن أكثر الدول قسوة في التعامل معهم ربما أغلقت حدودها أو حتى ألقت القبض على المهاجرين، بينما نجد أن معظم الدول المسلمة رحبت بالمهاجرين واللاجئين رغم صعوبة أوضاعها الاقتصادية.

على أي حال، لم يصعد أي زعيم سياسي من مستوي الهجوم ضد المهاجرين غير الشرعيين، مثلما فعل (أميت شاه) زعيم حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند، والذي تعهد بإلقاء المهاجرين المسلمين في خليج البنغال.

أميت شاه، زعيم حزب بهاراتيا جاناتا، دعا لإلقاء المهاجرين المسلمين غير الشرعيين في خليج البنغال، (CC BY-SA 4.0)، via Wikimedia commons. 


تصريحات كتلك، قيلت في أبريل ٢٠١٩، في ذلك التوقيت كانت الهند على موعد مع الانتخابات العامة.

يقودنا ذلك لنتيجة مفادها أن مسؤولي حزب بهاراتيا جاناتا يتعمدون لإذكاء المشاعر العدائية ضد المسلمين، بل والأكثر من ذلك أنهم يستغلونها سياسيا في الانتخابات، ويدل ربحهم للانتخابات أنهم قد نجحوا بالفعل في تحويل الشريحة الكبري من الهندوس في المجتمع إلي أعداء للمسلمين.


تدمير المقابر:


المنظمات الهندوسية المتطرفة والتي تجد في حزب بهاراتيا جاناتا غطاء سياسيا لأفعالها ضد المسلمين، لم تكتفي بالايذاء والتضييق على الأحياء منهم، بل طاردت حتى الموتي في قبورهم.

تقوم الجماعات الهندوسية بتدمير دوري لمقابر المسلمين.


تمييز في كل شيء:


لقد خلقت سياسات حزب "بهاراتيا جاناتا" المعادية للمسلمين، احتقانا في نفوس الشعب الهندي ضد المسلمين الهنود، وتوغل ذلك الغضب في الصدور ليشمل جميع مظاهر الحياة، حتى الرياضية منها.

إذ تعد لعبة (الكريكيت) هي اللعبة الشعبية الأولى في كل من الهند وباكستان.

في كأس العالم للكريكيت، نجح المنتخب الباكستاني في هزيمة نظيره الهندي.

لقاء في منافسة رياضية، من الطبيعي أن يمر مرور الكرام، لكن النفوس المحتقنة يكفيها أي شيء لتراه فرصة للتعبير عما يجيش في الصدور.

انطلق هجوم حامي الوطيس استهدف لاعب منتخب الهندي للكريكيت (محمد شامي) فقط لكونه مسلم، وتنوعت الاتهامات من اتهام مجرد بسوء الأداء والمستوى الفني، حتى وصلت لقول الكثيرين أن محمد شامي تعمد أن يقدم أداء سيء في المباراة حتى يفوز المنتخب الباكستاني المسلم!!!.

هذه الاتهامات غير المعقولة كاشفة لمدى تدهور الوضع في الهند بسبب سياسات حزب بهاراتيا جاناتا، وتشكل هي وغيرها جرس إنذار بأن القادم سيكون أسوء بكثير.

قصة لاعب الكريكيت محمد شامي، أو لنقل "حالة التصيد إزاء المشاهير من المسلمين في الهند" تكررت مع الممثل الكوميدي الهندي المسلم "منور فاروكي"، والذي يقدم عروض كوميدية متعددة في الهند، الذي تلقي الكثير من التهديدات من جماعات هندوسية متشددة بتخريب أي عروض يقوم بتقديمها.

اتهم المتطرفين من الهندوس لاعب الكريكيت الهندي محمد شامي بتعمد سوء المستوي ليتمكن المنتخب الباكستاني من الفوز. 


قبل تلك التهديدات، وبالتحديد في يناير ٢٠٢١، أمضي منور فاروكي مدة شهر في السجن، بعد إنتهاء أحد عروضه، التي اتهم فيها بـ "إهانة" المشاعر الدينية الهندوسية في نكات يُزعم أنه أعدها، رغم أن فاروكي لم يقل هذه النكات ليلة القبض عليه.

مرحبا بكم في الهند الديمقراطية التي تحولت إلي الهند المتشنجة المتعصبة الرافضة للاختلاف.


إبادة جماعية:


ربما لم يكن تعبير “genocide” والذي يعني الابادة الجماعية، مبالغا فيه عندما استخدمته مجلة تايم الأمريكية لتصف أوضاع المسلمين في الهند تحت حكم حزب بهاراتيا جاناتا.

لقد وصل الحال إلى أن حتى رجال الدين من الهندوس في (ولاية شمال الهيمالايا) قد تسربت اجتماعاتهم المغلقة التي يدعون فيها لقتل المسلمين واضطهادهم.

لا يقتصر الأمر على الغرف المغلقة، فمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في الهند عادة ما ينشرون فيديوهات لرجال دين هندوسي (يظهرون عادة مع مسئولين في حزب بهاراتيا جاناتا) وهم يدعون لكراهية المسلمين ومضايقتهم دوما، بل وقتلهم فعليا.


خطر على السلام:


بمثل هذه الأفكار والسياسات، فلا مبالغة حينما نقول أن حزب بهاراتيا جاناتا ، يمثل خطرا على السلام والأمن الإقليمي والدولى، خصوصا مع ما يوجد أصلا من عداء تاريخي بين الهند وجارتها المسلمة باكستان، وتوترات مستمرة مع العملاق الصيني.

تتشابه سياسات بهاراتيا جاناتا بشدة مع سياسات النازيين في ألمانيا، فنظام هتلر بدأ أولا في تعليم الألمان قتل المواطنين الألمان من الأقليات مثل اليهود أو حتى من ذوي الاعاقات.

علم النازيين الشعب الألماني في تلك الفترة أن يقتل جيرانه، ثم أطلقهم بعد ذلك ليقتلوا مواطني الدول الأخرى ويحتلونها، ما أشعل نيران الحرب العالمية الثانية.

إن الهندوس، الذين يرغبون في دولة هندوسية فقط، لا يختلفون في عدوانيتهم عن النازيين. فهم ببحثهم المحموم عن العرق الأصلي، و"الجذور الثقافية" العتيقة، ورغبتهـــم البلهــاء فــي العــودة بالعالم الى الوراء، نظير فعلي للحزب الوطني الاجتماعي النازي.


"حتى لو أصبح مئة منا فقط جنودا وقتلنا مليونين منهم، فسننتصر (...) لن تكونوا قادرين على حماية القانون الأبدي (ساناتانا دارما - الاسم الذي يطلقه الهندوس على ديانتهم) إلا من خلال الإصرار على السير في هذا الطريق".
مقولة لسيدة هندية في حشد من حشود الهندوس المتعصبين داعية لقتل المسلمين.


هكذا، فإن تلك السياسات المهلكة تتكون من خطوتين، الأولى: أجعل هناك عنصر مختلف داخل المجتمع، ميزه عن باقي عناصر الشعب، ثم اجعل الناس يقتلونه، والثانية: اشعل حروبا مع الدول المجاورة.

مجموعة من الأطفال اليهود الناجون من معتقل أوشفيتز النازي سيء السمعة، يرتدون ملابس سجن بمقاسات كبيرة، 
ويقفون خلف سياج من الأسلاك الشائكة، United States Holocaust Memorial Museum، (CC BY-NC-ND 2.0), via Flickr. 


بعض العقلاء من مثقفين الهند مثل (ديباسيش روي شودري)، وهو أحد المشاركين في وضع الكتاب الهام "الفتك بالديمقراطية.. تحول الهند نحو الاستبداد"، يشاركنا في نفس الفكرة.

يعتبر روي شودري أن حزب بهاراتيا جاناتا يروج "أساطير لا إنسانية ضد المسلمين"، وأن تلك السياسة تتشابه مع سياسة ألمانيا النازية ضد اليهود في الثلاثينيات، معتبرا أن ما يحدث في ولاية مثل ولاية "آسام" من قتل للمسلمين وتشريدهم وطردهم من حقولهم وممتلكاتهم واحلال الهندوس بدلا منهم هو البداية لإبادة جميع مسلمي الهند، وأن" آسام" ما هي إلا مختبر أولي لتلك الإبادة المتوقعة.

لقد بلغت تصرفات حزب بهاراتيا جاناتا مداها إلى الدرجة التي نجد فيها صحيفة مثل صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية تنشر مقالا للكاتب الهندي ذاته "روي شودري".

صحيفة هآرتس، وهي من أشهر صحيفتين في إسرائيل، نشرت مقالا يصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بأنه يتعمد في لقاءاته مع زعماء العالم الحديث حول ما يصفه بتهديد التطرف الإسلامي. لكن التهديد الحقيقي للهند يأتي من أغلبية هندوسية متطرفة يغذيها التعصب العنيف والوقح بشكل متزايد ضد المسلمين من حزب ناريندرا مودي نفسه.

وهكذا، تخلق سياسات حزب بهاراتيا جاناتا جوا ملبدا بالغيوم، وبصمت الحزب على أفعال المتطرفين من الهندوس بل وتشجيعهم وضمهم لصفوفه، يرتكب ناريندرا مودي رئيس الوزراء خطأ أخلاقيا كبيرا، قد تدفع بلاده بل ويدفع هو شخصيا ثمنا باهظا له.

تجدر الإشارة في النهاية إلي أن المسيحيين في الهند يعيشون هم أيضا ظروفا مشابهة لظروف المسلمين فيها من اضطهاد، وقد سجلت العديد من حالات الاعتداء على منازلهم وكنائسهم على يد الجماعات الهندوسية.

والحقيقة أن سياسيين الدول الكبرى يتهربون ويشيحون بأنظارهم بعيدا عن ما يحدث في الهند، وكل من يتحدثون هم الصحفيين وبعض مراكز الأبحاث.

إن التهرب هو الخطوة الأولى نحو الإنكار، وبمرور الوقت يتكرر التهرب ويتكرر بالتبعية إنكار ما يحدث، وهذه النوعية من السياسات التي تجعل القتل الجماعي للبشر ممكنا في أي مكان، في الهند وفي فلسطين وفي سوريا وفي اليمن وغيرها من أراضي الألم حول العالم.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -