زدني معرفة

صواريخ ASM-3A الأسرع من الصوت.. رهان اليابان لحمايتها من الصين

بثروتها البشرية الكبيرة، ومساحتها الجغرافية الشاسعة، وقوتها الاقتصادية اللامعقولة، تبني الصين جيشا علي أسس عالمية، بهدف أن يتحول لقوة عالمية لا تصد عام ٢٠٥٠، ووسط كل هذا، يبدو اهتمام الصين ببناء قوة بحرية كبيرة ومتطورة عنصرا أساسيا في بناء قوتها العسكرية الشاملة.

الشمس الصاعدة، علم البحرية اليابانية الذي ظل باقيا يرفرف حتى بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، شاهدا علي أمجاد أمة، SCMP. 


وبتاريخ يحفل بالحروب بين البلدين، وموقع جغرافي قريب، وتوتر سياسي غير خاف علي أحد، تقبع اليابان بالقرب من الصين، محاولة التحوط من أيام نحسات قد تصيبها إذا ما قررت بكين الهجوم عليها، أو أن تصيبها شظايا حرب قد تشنها الصين علي تايوان المجاورة.

لدى اليابانيين صاروخ جديد ومتطور، إنه ASM-3A المضاد للسفن (ASM)، والأسرع من الصوت، إنه أمل اليابان في صاروخ فائق يحطم السفن.


الكثير من القوة:


عندما صمم المهندسين والعلماء اليابانيين صاروخ ASM-3A، حرصوا علي إخراج صاروخ يمتلك الكثير من مواطن القوة التي تجعله مؤثرا حقيقيا في أي معركة.

في البداية، تتميز صواريخ ASM-3A بإمكانية إطلاقها من منصات جوية، منها الطائرات المقاتلة، هذا يمنح القائد العسكري الذي يشغلها ميزة هائلة.

فإذا كان مدى صواريخ ASM-3 يتنوع حسب النسخة (يعتقد أنه يتراوح بين ٢٠٠ : ٤٠٠ كم)، وهو مدى قتالي رائع في الأصل، خصوصا في منطقة جزر وأرخبيلات بحرية، تسير فيها السفن ببطء وحذر، ويكون من السهل توقع اتجاه ابحارها مقارنة بالبحار والمحيطات المفتوحة، فإن أمكانية وضعه علي مقاتلة، تجعل هذا المدى مفتوحا إلي أقصى مدى يمكن أن تصله المقاتلة نفسها، وهو ما قد يضع أي عدو يواجهها في حيرة، ويجعله لا يعرف من أين ستأتيه الضربة؟.

ستحمل المقاتلات من طراز ميتسوبيشي اف-٢ Mitsubishi F-2، وهي النسخة اليابانية من مقاتلات اف-١٦ الأمريكية متعددة المهام هذا الصاروخ، كما أنه من المقرر أن تحمله مقاتلات Mitsubishi F-X ميتسوبيشي اف-اكس، وهي مشروع ياباني لانتاج مقاتلات من الجيل السادس لاتزال قيد التطوير.

إن زيادة نطاق مدى العمل لصواريخ النسخة الأصلية ASM-3 (KAI) ، سيعطي اليابان العديد من الطرق للاشتباك مع السفن الحربية الصينية علي طول جبهة المواجهة المحتملة.

مقاتلة يابانية من طراز اف-٢ تحمل صاروخ ASM-3A تحت جناحها. 


بخلاف المدى، هناك السرعة الفائقة، إذ تصل سرعة صواريخ ASM-3A إلي ٣ ماخ (الماخ هو وحدة قياس سرعة الصوت، بالتالي فهذا الصاروخ يعادل ٣ أضعاف سرعة الصوت، وإذا كانت سرعة الصوت تساوي ١٢٣٥ كم/ساعة = ٧٦٨ ميل/ساعة، فإن سرعة صاروخ ASM-3A ستصل إلي ٣٧٠٥ كم/ ساعة = ٢٣٠٤ ميل / ساعة).

يرجع ذلك بفضل جمع المهندسين اليابانيين في تصميم الصاروخ بين محرك الصاروخ الصلب ومحرك نفاث.

سرعة رهيبة إذن، لكن مالشئ المهم في جعل الصاروخ سريعا؟.

لكل صاروخ هجومي منظومات دفاعية تحاول أن تتصدي له وتمنعه من إصابة هدفه، بداية من الصواريخ وصولا إلي المدافع الرشاشة سريعة الطلقات وغزيرة النيران والتي تستطيع إطلاق ستارة نيرانية من مئات الطلقات في الثانية.

كلما كان الصاروخ المهاجم أكثر سرعة، كلما زادت فرصه في التخلص من هجمات الصواريخ الدفاعية ورشقات رصاص المدافع ضده، سيسبقها بسرعته.

بحسب الدراسات الأمريكية التي إجريت عقب حرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء)، والتي تناولت عجز منظومات باتريوت للدفاع الجوي Patriot SAM، عن التصدي لمعظم هجمات صواريخ سكود العراقية، توصلت إحدى النتائج إلي أن الصاروخ المدافع لابد أن يكون أسرع من الصاروخ المهاجم مرة ونصف علي الأقل كي يستطيع تدميره.

سباق السرعة هذا بين الصواريخ يحتاج لصواريخ فائقة السرعة لتستطيع إسقاط الصواريخ المهاجمة، وإن كان هناك تكتيكات أكثر تطورا تعتمد علي تفجير الصاروخ المدافع لنفسه بالقرب من الصاروخ المهاجم دون أن يصدمه بشكل مباشر، وبناء علي الموجة الانفجارية ينفجر الصاروخ المهاجم بدوره أو تتأذي مكوناته علي الأقل فيفقد اتجاهه الصحيح علي سبيل المثال.. لكن وعلي أي حال، سيبقي علي من يريد إسقاط صاروخ بسرعة ٣ ماخ، أن يمتلك صواريخ سريعة للغاية.

بكل هذه القدرات، تستحق الصواريخ المضادة للسفن ASM-3A وصف وزارة الدفاع اليابانية لها بأنها سلاح جديد ذو أهمية شديدة.


امتلاك القدرة:


إذا ما أردت مواجهة البحرية الصينية، بتعدادها وعتادها، عليك أن تتذكر أولا أنها أكبر بحرية في العالم، مع قوة قتالية قوامها ٣٥٠ سفينة، تضم ١٣٠ قطعة سطح قتالية رئيسية مثل المدمرات وحاملات الطائرات.

في فلسفتها القتالية، لدي البحرية اليابانية مهمة واحدة رئيسية عليها ضمان تحقيقها في زمن الحرب تتلخص في شل حرية حركة الأسطول الصيني، ومنع السفن الحربية لبكين من الوصول إلى مياه المحيط الهادئ المفتوحة.

وعندما تدرك تلك الحقيقة، عليك أن تعمل لمواجهتها، وهكذا بدأ اليابانيين في مطلع عام ٢٠٢١ (بالتحديد في الأيام الأولى من شهر يناير)، الإنتاج الكمي من صواريخ ASM-3A المضادة للسفن، والأسرع من الصوت بنسختها الجديدة الأطول مدى.

علي مر سنين طويلة، ظلت اليابان تعتمد بصورة ما علي الأسلحة الأمريكية، حتى وإن صنعتها محليا برخص تصنيع اعتادت الولايات المتحدة أن لا تبخل عليها بها.

لكن اليابانيين يريدون أيضا امتلاك القدرة الذاتية، قدرة التصميم والتصنيع والإنتاج المحلي، وللأمر بعد اقتصادي بكل تأكيد، خصوصا مع تضخم فاتورة استيراد الصواريخ الأمريكية مقارنة مع تصنيع صواريخ ASM-3A محليا. وإن كان البعد العسكري بامتلاك الدولة القدرة علي استمرار القتال بقدراتها الذاتية أهم بكثير.

صاروخ من فئة LRASM أمريكي الصنع المضاد للسفن ينقض عموديا علي فريسته، صورة من لوكهييد مارتن. 


حاليا، وبفضل صواريخ ASM-3A المضادة للسفن، تدرس اليابان التخلي عن صفقة كانت تنتوي إبرامها مع الولايات المتحدة للحصول علي صواريخ أمريكية مضادة للسفن من نوع (LRASM) والتي تنتجها واحدة من أكبر شركات تصنيع السلاح في العالم إن لم تكن أكبرهم، وهي لوكهييد مارتن Lockheed Martin الأمريكية، والتي كانت اليابان قد اختارت الحصول علي صواريخها، لأن مقاتلاتها (النسخة اليابانية من مقاتلات الاف-١٥ الأمريكية الشهيرة) تستطيع حملها.

باطمئنان تدور الآن عجلة الإنتاج في مصانع واحدة من ايقونات اليابان الصناعية وهي شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة Mitsubishi Heavy Industries (MHI) والتي اشتركت مع وزارة الدفاع اليابانية في تطوير الصاروخ، بعدما وضعت صفقة الحصول علي الصواريخ المضادة للسفن ASM-3A الأسرع من الصوت في بنود ميزانية عام ٢٠٢١.


النشر في جزر ريوكيو:


مع مطلع أغسطس ٢٠٢١، وفي ذلك الصيف الشديد الحرارة، أعلنت اليابان عن خبر ساخن.

لقد قرروا إرسال صواريخهم ASM-3A المضادة للسفن، والأسرع من الصوت إلي جزر ريوكيو، من ضمن عتاد وأسلحة متعددة سيسلحون بها بعض جزرهم القريبة من تايوان والصين، وعلي رأسها جزر ريوكيو، ذات الدور الجغرافي الهام.

جزر ريوكيو هي منطقة إستراتيجية غاية في الأهمية والحساسية، عبارة عن أرخبيل من الجزر يمتد بطول حوالى ٧٠٠ ميل (١١٠٠ كم)، جنوب غرب جزيرة كيوشو اليابانية الجنوبية إلى شمال شرق تايوان، أي تستطيع القول إنها تقع في أكثر أماكن العالم إحتمالية لاندلاع الحرب العالمية الثالثة منه، بل إن وزارة الدفاع الأمريكية تضع خططها لتلك الحرب انطلاقا من هذه المنطقة.

إذا ما نظرنا للخريطة، سنجد أن جزر ريوكيو تعتبر الحد بين بحر الصين الشرقي، وبحر الفلبين، وأهم جزرها أوكيناوا، ساكيشيما، كاجوشيما.

أقصي غرب ذلك الأرخبيل، توجد جزيرة يوناغوني، وهي أيضا واحدة من جزر ريوكيو، هذه الجزيرة بالتحديد تبعد حوالى ٦٠ ميلا بحريا فقط عن تايوان، المكان الذي يريد الاستقلال عن الصين، والذي تريد الأخيرة إعادة توحيده معها بأي طريقة كانت، هنا في يوناغوني تحتفظ قوات الدفاع الذاتي اليابانية (الاسم الرسمي للجيش الياباني) برادار ومحطة مراقبة لمراقبة السفن والطائرات الصينية.

كما يوجد بالجزيرة مطارا مدنيا، قد لا تعجز اليابان في وقت الخطر عن تحويله بسرعة لقاعدة جوية، بمعني آخر أن أي طائرة ستطير فقط فوق يوناغوني دون أن تحتاج لمغادرتها، ستنجح عبر صواريخ ASM-3A في توفير مساندة نيرانية فعالة لدعم تايوان ضد أي هجوم بحري من الصين.

إذا ما سألنا الصين عن وجهة نظرها بشأن جزر ريوكيو، سنجد بعض الأصوات فيها تخبرنا أن الصينيين يرون فيها مملكة مستقلة ، لكن اليابان احتلتها في القرن التاسع عشر.

بناء علي تلك الأهمية الإستراتيجية للجزر، والبعد التاريخي الذي قد يهب من سباته فجأة، قرر اليابانيين نشر منظومات صواريخ ASM-3A المضادة للسفن، والأسرع من الصوت في جزر ريوكيو، علاوة علي منظومات صواريخ أخرى مضادة للطائرات.

اليابانيين أنفسهم أعلنوا أن الهدف الأساسي من وراء إنتاج صواريخ ASM-3 الأسرع من الصوت، هو وضعها حول سلسلة جزر أوكيناوا الجنوبية الغربية، بوضعها في هذا المكان ستغطي الصواريخ اليابانية كافة الجزر المتنازع عليها مع الصين.

لكن، وبصورة عامة فإن الصواريخ المضادة للسفن من نوع ASM-3A الأسرع من الصوت، ستجعل بمقدور اليابانيين الاشتباك مع السفن الصينية من علي مسافات بعيدة عن كامل الجزر التي تتشكل منها اليابان كدولة، ما يحمي اليابسة اليابانية من أي هجوم صيني عبر البحر.


بنظارة صينية:


إذا ما جربنا ارتداء نظارة صينية لنري بها الأشياء من وجهة نظر بكين، فإن الصين تعتبر صواريخ ASM-3A المضادة للسفن بمثابة السلاح الذي تحقق به اليابان طموحها في امتلاك "قدرات هجومية".

منظومة اس-٤٠٠ للدفاع الجوي عالية التطور، أحد أسلحة الصين ضد الطائرات اليابانية التي ستحمل صواريخ مضادة للسفن، Vitaly V. Kuzmin، (CC BY-SA 4.0)، via Wikimedia commons. 


تري الصين أن الصواريخ الجديدة تعطي لليابان مدى قتالي أكبر من سابقتها طراز تيب-١٢ Type 12 وتيب-٩٣ Type 93 وكلاهما كانا من فئة الصواريخ الاقل من سرعة الصوت subsonic missiles، -صواريخ ASM-3A هي أول صواريخ مضادة للسفن أسرع من الصوت تنتج في اليابان-، علاوة علي أن الصواريخ القديمة لم تكن ذات أداء جيد أصلا في اختراق الدفاعات.

وفقا للحسابات الصينية، فإن هذه الصواريخ التي تنطلق من الطائرات سيمكن اطلاقها علي أهداف تبعد عن مطاراتها بنحو ٢٠٠٠ كم (اعتمادا علي أن المقاتلات ستطير لمسافات ثم تطلقها لتكمل هي الرحلة نحو هدفها).

الصينيين يعتبرون صواريخ ASM-3A كاشفة عن طموح اليابان لكسر حدود سياستها العسكرية الموجهة حصريًا للدفاع، والتي فرضت علي اليابان عقب هزيمتها المذلة في الحرب العالمية الثانية، وإنشاء نظام قتالي جديد يقوم علي الهجوم وليس الدفاع.

يعرف الصينيين أن اليابان تضع في جعبتها أيضا مقاتلات الاف-٣٥ الشبحية من الجيل الخامس التي حصلت عليها من الولايات المتحدة، وتعاقدت خصيصا من أجل تسليحها بصواريخ مضادة للسفن علي صواريخ Naval Strike Missile (NSM) صواريخ الهجوم البحرية النرويجية الصنع، وهي صواريخ شبحية من الجيل الخامس بمدى ٣٥٠ ميل = ٥٦٣ كم، وكما اتفقنا تمنحها المقاتلات التي تحملها مسافات أبعد للوصول إليها.

تشكل الصواريخ النرويجية إذن مع صواريخ ASM-3A حائط الصواريخ البحرية الذي تبنيه اليابان ضد بحرية الصين الجبارة.

في المقابل، تعقد البحرية الصينية أمالها علي صواريخ طويلة المدى مضادة للطائرات، مما يعني أن الطائرات اليابانية ستضطر إلى إطلاق أسلحتها المضادة للسفن من مدى أطول أو ستعرض نفسها لخطر الإسقاط.


فمن يربح في لعبة الصاروخ ضد الصاروخ؟.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -