زدني معرفة

نفوذ إسرائيل في أفريقيا.. كيف غزت إسرائيل القارة السمراء اقتصاديا وسياسيا وعسكريا

في ٢٢ يوليو ٢٠٢١، وصل السفير الإسرائيلي لدي إثيوبيا ألين أدماسو (وهو واحد من عدة دبلوماسيين إسرائيلين من أصل إثيوبي) إلي مقر مفوضية الاتحاد الأفريقي. 


"هنا" تجد قصة يهود الفلاشا الإثيوبيين الذين جلبتهم إسرائيل ووطنتهم في فلسطين المحتلة للاستفادة العددية منهم، ومدى معاناتهم والاضطهاد الذي يعانيه معظمهم في الوقت الحالي.


نعود إلي السفير الإسرائيلي لدي إثيوبيا ألين أدماسو، والذي كان في انتظاره "موسي فكي" رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، في مجمع المفوضية المترامي الأطراف والواقع في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.


في ذلك اللقاء، قدم أدماسو أوراق اعتماده كسفير إسرائيل التي انضمت إلي الاتحاد الأفريقي بصفتها "مراقب"، وهكذا حققت إسرائيل اختراقا ناجحا لجسم القارة الأفريقية السمراء.


وعلي الرغم من الضجيج الذي صاحب الاجتماع، ومحاولات بعض الدول الأفريقية (خاصة الجزائر وجنوب أفريقيا ومصر وجزر القمر وجيبوتي وتونس وموريتانيا وليبيا) لإلغاء الاعتماد، فإن إسرائيل كانت في تلك اللحظة بالتحديد تتوج سنوات من الدبلوماسية التي تغلغلت خلالها داخل أفريقيا بهدوء.


الرئيس الرواندي بول كاغامي يحضر مؤتمر الابتكار الإسرائيلي في إفريقيا والدول النامية، الذي عقد برئاسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو | نيويورك ، ٢٢ سبتمبر ٢٠١٦، Attribution-NonCommercial-NoDerivs 2.0 Generic (CC BY-NC-ND 2.0), Flickr. 


إن الإنضمام للإتحاد الأفريقي، لم يمثل فقط "إنجازًا دبلوماسيًا" مهمًا لإسرائيل، يجعل من هذا اليوم يوما تحتفل فيه الدولة العبرية كما قال وزير خارجيتها يائير لبيد. لكنه أيضا يعيد العلاقة الإسرائيلية بأفريقيا إلى دائرة كاملة، وسط تحديات دراماتيكية جديدة.


نظرة تاريخية:


في نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي، كانت معظم الدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء قد نالت استقلالها (يقصد بها ٤٩ دولة أفريقية تسمي كذلك بأفريقيا السوداء، وتقع جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى).


وكنوع من الانتهازية السياسية المعروفة بها، كانت إسرائيل من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع تلك الدول، وبدأت في توطيد روابطها بها.


من أجل ذلك الغرض بالذات، أسست إسرائيل في العام ١٩٥٨ وكالة "ماشاف"، وهي الوكالة الإسرائيلية المختصة للتعاون في التنمية الدولية، كان قرار التأسيس بمبادرة من جولدا مائير التي قامت حينها بجولة استمرت شهرا كاملا في غرب أفريقيا.


كانت تلك هي الزيارة الأولى لمائير، التي كانت حينها تشغل منصب وزير الخارجية في دولة الكيان الصهيوني، وتلاها العديد من الزيارات المطولة التي قامت بها لأفريقيا خلال فترة عملها في ذلك المنصب، واضعة البذور الأولى في مجال التعاون بين الإسرائيليين وتلك المجموعة من الدول الأفريقية.


بعد سنوات عديدة، وعندما كتبت جولدا مائير مذكراتها، أوضحت فيها وجهة نظرها فقالت:


((هل ذهبنا إلى أفريقيا لأننا أردنا دول تساندنا في التصويتات التي تجري داخل الجمعية العامة الأمم المتحدة؟ نعم، بالطبع كان هذا أحد دوافعنا)).


وتضيف قائلة بصورة إنشائية: ((لقد كنا نتعامل بشرف كامل، ولم نخفي ذلك الهدف في أي وقت لا عن أنفسنا، ولا عن الأفارقة.. لكن ذلك لم يكن الدافع الأكثر أهمية بالنسبة لنا، علي الرغم من أنه وبكل تأكيد لم يكن أمرا تافها، لكن السبب الرئيسي لمغامرتنا الأفريقية هو أنه كان لدينا شيئا أردنا نقله إلي دول كانت أصغر سنا وأقل خبرة منا)).


جولدا مائير ترقص مع مجموعة من السيدات الافارقة رقصة الهورا الأفريقية التقليدية، Government Press Office. 


كانت جولدا مائير تتحرك في إطار فكري وضعه أبو الصهيونية ومؤسسها "تيودور هرتزل" والذي كتب عن معاناة الرقيق والعبيد السود كلمات إذا ما قرأها أحد الأشخاص لأدرك ان هرتزل كان مصابا بالفِصام (ألشيزوفرينيا)، أو أنه مجرد شخص كاذب يكتب عن أي معاناة حقيقية عانت منها بعض الشعوب والأمم للترويج لمهزلة خلق معاناة للشعب الفلسطيني بقتله جماعيا وطرده من بلداته وقراه، واحلال مهاجرين من جميع بقاع العالم علي أرضه المغتصبة.


وكوريثة لهذا الفكر المصاب بألشيزوفرينيا أو الكاذب، اختر ما شئت. سارت جولدا مائير علي خطي هرتزل، من أجل تحقيق أهداف واقعية.


العلاقات العسكرية:


وكما كانت جولدا مائير تسعي سياسيا واقتصاديا للاستفادة من أفريقيا، كان هناك جنرالات في الجيش الإسرائيلي يسعون إلي تأسيس علاقات عسكرية مع تلك الدول، بهدف استغلالها في النهاية ضد الدول العربية في أفريقيا وعلي رأسها بالطبع مصر.


بدأ ذلك الهدف يتبلور في زيارة قام بها نائب رئيس الأركان الإسرائيلي في ذلك الوقت "يتسحاق رابين"، إلي إثيوبيا تمت عام ١٩٦٣، صحبه خلال تلك الزيارة "شيمون بيريز" المدير العام الشاب لوزارة الدفاع الإسرائيلية حينذاك، والذي عاد من إثيوبيا ليلتقي ببن غوريون، أول رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل، والشخص الذي اعلن عن استقلالها، وينقل وجهه نظره كذلك إلي مجلس الوزراء الإسرائيلي.


يقول شيمون بيريز: (إن إثيوبيا لديها جيش يحظي بتقاليد وفخر عسكري، وهم يحترموننا في إسرائيل، كما أن لديهم في التحالف بشكل تدريجي معنا، وعلي إسرائيل أن تعمل بشكل مكثف وحذر في هذا الملف، لأن إثيوبيا تشكل عنصر حيوي في جهودنا لكسر العداء العربي من حولنا بالقوة وبالعلاقات وبالحيلة ... علي ان يكون هدفنا هو الوصول إلى تحالف مع إثيوبيا -ثقافيا واقتصاديا وعسكريا-، ويجب ألا ندخر جهدا وموارد في العمل من أجل تحقيق هذا الهدف).


المعرفة للدراسات: تكشف كلمات بيريز أن إثيوبيا من الاساس كان لديها هدف هي أيضا بالتحالف بشكل تدريجي أي بصورة غير ملفتة للانتباه مع إسرائيل، وذلك يتسق مع الوثائق البريطانية التي كشفت مؤخرا عن أن الإثيوبيين كان لديهم هدفا لإنشاء سد علي مجري النيل الأزرق منذ ذلك التاريخ، وكان مانعهم الأساسي حينها هو عدم توفر المال الكافي لذلك.


كانت إثيوبيا في ذلك التاريخ تخضع لحكم بنظام إمبراطوري، في الواقع كانت تحت حكم إمبراطورها الأخير "هيلا سيلاسي"، والذي انخرط في تحالف عرف وقتها باسم تحالف "ترايدنت" السري، إنه تحالف أسسته إسرائيل وضمت فيه بجانب إثيوبيا كل من تركيا وإيران التي كانت وقتها تحت حكم الشاه، واجتمعت تلك الدول بهدف واحد تمثل في مواجهة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والذي سعي لتكوين أمة عربية قوية وقادرة علي فرض وجودها عالميا في ذلك الوقت.


إستراتيجية الثلاث ركائز:


بشكل عام، صاغت إسرائيل والتي كانت لا تزال دولة حديثة التأسيس حينها ثلاث ركائز لتقيم عليها آنذاك علاقاتها مع الدول الأفريقية الأصغر سنًا التي ظهرت في ذلك الوقت، وتمثلت هذه الركائز الثلاثة فيما يلي:


  • الأهداف السياسية.
  • المصالح الاقتصادية والتجارية.
  • الحسابات الاستراتيجية في سياق الديناميكيات الجيوسياسية الأوسع لتلك الفترة.


وبتتبع التنفيذ الإسرائيلي، نجد أنهم نجحوا في غضون سنوات قليلة لكي يعمل السفراء الإسرائيليين داخل ٣٣ دولة أفريقية، والأكثر إثارة للملاحظة أنه وبحلول منتصف الستينات كانت نسبة الخبراء الإسرائيليين في مجالات التنمية (كالمهندسين والخبراء الزراعيين وما إلي ذلك)، الذين انتشروا في أفريقيا بواسطة الوكالة الإسرائيلية المختصة للتعاون في التنمية الدولية "ماشاف"، قد وصلت إلي ضعف الخبراء الذين تنشرهم وكالة دولية مشهورة في مجال التعاون الدولي مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) مجتمعة.


إعادة البناء بعد الانهيار الصادم:


مع ذلك، لم تكن جميع العلاقات التي تم بناؤها تقريبًا قادرة على تحمل صدمة حربي ١٩٦٧ و ١٩٧٣ اللتين خاضتهما إسرائيل.


علي صعيد واسع لقب عبد الناصر في أفريقيا بلقب "أبو أفريقيا"، كما اطلق اسمه علي العديد من المنشآت الحكومية في كثير من الدول الأفريقية. 


المعرفة للدراسات: كانت مصر في عهد جمال عبد الناصر تتمتع بنفوذ أفريقي هائل، بفضل المساعدات المصرية للدول الأفريقية للتحرر من الاستعمار الأجنبي، ثم حرص الرئيس عبد الناصر علي الدفع بالشركات المصرية لبناء تلك الدول اقتصاديا وتعليميا وصحيا، ومنح الكثير من أبنائها المنح التعليمية في الأزهر الشريف والجامعات المصرية والكليات العسكرية المصرية، وتضررت تلك العلاقات بالتحديد في عهد الرئيس مبارك الذي لم يهتم بتوطيدها والبناء عليها، ما سمح بخلق فراغ نفذت منه عدة دول كإسرائيل وتركيا وإيران.

 

لنا أن ندرك حقيقة محبة الافارقة لمصر ولجمال عبد الناصر في تلك الفترة، أنه وخلال فترة حرب يوم الغفران وما بعدها -المعرفة للدراسات: اسم حرب أكتوبر ١٩٧٣ في إسرائيل-.


اقرأ هنا: كيف غيرت حرب أكتوبر ١٩٧٣ طبيعة إسرائيل..وجعلتها أكثر ضعفا.


اقرأ ايضا: "حرب الجنرالات" في إسرائيل بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣


خلال هذه الفترة، وفي خطوة غير متوقعة لجيل كامل من الدبلوماسيين وخبراء التنمية الإسرائيليين الذين عملوا في افريقيا، والذين خابت آمالهم بشدة، قطعت جميع الدول الأفريقية تقريبًا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، بسبب حروبها مع مصر والدول العربية.


فخلال وبعد حرب أكتوبر ١٩٧٣، قطعت ٢٣ دولة أفريقية علاقاتها وانضمت إلى سبع دول أخرى فعلت ذلك بين عامي ١٩٦٧ و ١٩٧٣، بخلاف الدول العربية في أفريقيا والتي لا تعترف بإسرائيل من الأصل، وبذلك لم يبقي لإسرائيل في طول القارة الأفريقية وعرضها إلا ثلاثة دول فحسب هي التي تقيم معها علاقات كاملة، وهي دول ضعيفة التأثير، قليلة الثقل السياسي، إنها "ليسوتو وملاوي وسوازيلاند".


علاوة على ذلك، ففي عام ١٩٧٥، أيدت ١٩ دولة أفريقية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة التاريخي رقم ٣٣٧٩ باعتبار "الصهيونية شكل من أشكال العنصرية".


لكن ذات القرار حمل مؤشرات علي انفتاح الطريق أمام إسرائيل للعودة لأفريقيا مجددا بعد وفاة جمال عبد الناصر بخمس سنوات، إذ لم يتحقق إجماع افريقي علي تأييد القرار، بسبب تصويت خمس دول أفريقية -جمهورية إفريقيا الوسطى وكوت ديفوار وليبيريا وملاوي وسوازيلاند- ضد القرار، وامتناع ١٦ دولة أفريقية أخرى عن التصويت.


فإسرائيل لم تكف عن محاولاتها الاتصال بأفريقيا حتى في فترة قطع العلاقات، بل فعلت ذلك مع عدد من الدول التي أبدت لها الكثير من العداء بشكل ظاهري، فعلي سبيل المثال تم تنفيذ عملية موسى، وهي عملية الإخلاء السري ليهود الفلاشا الإثيوبيين في أوائل الثمانينيات من قبل الجيش الإسرائيل، وبالتحديد سلاح الطيران، وعلي وجه الخصوص مساهمة طائرات النقل التكتيكية السي-١٣٠ Karnaf في عمليات النقل تلك كأحد أهم عملياتها في تاريخ إسرائيل الجوي.


كما شاركت في العملية وكالات إسرائيلية أخرى، بمساعدة المخابرات الأمريكية، وأيضًا بتعاون من قوات أمن الدولة السودانية. وهناك فيلم يسمي (نادي البحر الأحمر للغوص) يوضح نسخة مبسطة للغاية من تلك الأحداث، وكيف ساهم السودانيين في السماح للإسرائيليين بالتنفيذ.


السفير الإسرائيلي لدي إثيوبيا ألين أدماسو والذي قدم اوراق اعتماده للإتحاد الأفريقي في أغسطس ٢٠٢١، كان أحد القادمين بتلك الطريقة إلي إسرائيل عام ١٩٨٣.


كما قامت عدد من الدول الأفريقية حتى برغم عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، بالحفاظ علي خطوط اتصال وعلاقات غير رسمية مع إسرائيل، كما في حالة المغرب -المعرفة للدراسات: طبعت المملكة المغربية علاقاتها بشكل رسمي مع إسرائيل في ديسمبر ٢٠٢٠-.


فالمملكة المغربية، كانت تسمح منذ مدة طويلة بالعلاقات بين اليهود المغاربة وبين اقاربهم الذين هاجروا إلي إسرائيل، كما عقدت فيها أولى المباحثات السرية بين المصريين والإسرائيليين عقب حرب أكتوبر ١٩٧٣، كما قدمت إسرائيل الدعم للملوك المغاربة في صراعهم مع بعض القوي التي تعتبرها إسرائيل راديكالية في شمال أفريقيا، كنظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، والجزائر التي ترسم العداء علي طول الخط مع إسرائيل ولا تراها إلا دولة احتلال غير شرعية.


ما بعد كامب ديفيد:


بعد اتفاقية كامب ديفيد عام ١٩٧٨ والسلام مع مصر، كان هناك تقدم بطيء، ولكن مطرد بين إسرائيل والدول الأفريقية، مع قيام جميع الدول الأفريقية تقريبًا بإعادة تأسيس أو إقامة علاقات رسمية لأول مرة مع إسرائيل على مستوى ما، فمصر التي قطعوا العلاقات من أجلها اقامت هي نفسها علاقات مع إسرائيل، وفي ذات التوقيت، لم يحرص الرئيس مبارك الذي سيصله الحكم بعد بضع سنوات علي مواصلة درب عبد الناصر في أفريقيا، ليخلق حتى حالة من التوازن مع الوجود الإسرائيلي هناك، بل ترك لهم الساحة فارغة، تماما.


في الوقت الحالي، فبين ٥٥ دولة عضو في الاتحاد الأفريقي، هناك ٤٦ دولة لديها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.


كانت أحدث العلاقات الدبلوماسية مع السودان والمغرب، والتي تحققت في إطار ما عرف باسم اتفاقات أبراهام التي توسطت فيها الولايات المتحدة خلال إدارة ترامب، وجمعت إسرائيل من جانب وعدد من الدول العربية من جانب آخر.


واليوم، فإن الدول الوحيدة الرافضة لإيران فهي الجزائر علي رأس القائمة، وجزر القمر، وجيبوتي، وليبيا، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، والصومال، وتونس (وحتى بعض هذه البلدان لديها اتصالات رفيعة المستوى إلى حد ما وحالات تعاون كبير في السنوات الأخيرة جمعتها في السر بإسرائيل).


نتنياهو الغازي:


لكن التحول النشط والاكثر بروزا، كان خلال الفترة الثانية لبنيامين نتنياهو كرئيس للوزراء، إذ جعل نتنياهو مسألة التواصل مع إفريقيا "أولوية"، وأصبح هو نفسه كغازي أفريقيا الإسرائيلي.


كانت زيارته في يوليو ٢٠١٦، والتي شملت أوغندا وكينيا ورواندا وإثيوبيا، أول زيارة لرئيس وزراء إسرائيلي في جنوب الصحراء الكبرى، منذ أن سافر إسحق شامير إلى دول غرب إفريقيا قبل ثلاثة عقود تقريبًا من تلك الزيارة.


في العام التالي، حضر نتنياهو القمة السنوية لرؤساء دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) في العاصمة الليبيرية مونروفيا، وقال في كلمته: ((أنا أؤمن بأفريقيا ، وأؤمن بإمكانياتها - الحاضر والمستقبل. إنها قارة في حالة صعود ونمو)).


وكسياسي يهودي ماكر، أظهر نتنياهو جانب مؤثر في زيارته لأوغندا، حيث زار مطار عنتيبي حيث قُتل شقيقه ضابط القوات الخاصة "يوني"، وهو يقود غارة الإنقاذ الإسرائيلية الشهيرة علي مطار عنتيبي في أوغندا.. عملية الدم من أجل الزوفا في ٤ يوليو ١٩٧٦، والتي تلقي فيها الأوغنديون خسائر في افرادهم وسلاحهم الجوي، ولكن النظرة العامة في أوغندا للحادث اليوم انه كان بهدف تحرير طائرة مدنية مختطفة كان علي متنها إسرائيليين، كما بعتبرونه بداية نهاية حكم الرئيس عيدي أمين.


لسنوات، ضغط نتنياهو لإعادة إسرائيل إلى الاتحاد الأفريقي بصفة مراقب، بالرغم من أن الخطوة لم تتحقق فعليا إلا بعد أن تم استبداله كرئيس للوزراء من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي نفتالي بينيت.


كانت إسرائيل تشتهي عودتها لتلك الوضعية، فحتى مع خطوة الدول الأفريقية قطع علاقاتها مع إسرائيل خلال وفي أعقاب حرب أكتوبر ١٩٧٣، حافظت إسرائيل علي موضعها كمراقب داخل منظمة الوحدة الأفريقية، وهي المنظمة السالفة والتي ورثها الاتحاد الأفريقي.


امتلك الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي نفوذا مكنه من طرد إسرائيل خارج النطاق الرسمي لأفريقيا، صورة لكلمته خلال مؤتمر في نيجيريا في ٣٠ نوفمبر ٢٠٠٦. يبدو جالسًا: ألفا عمر كوناري، الرئيس السابق لمالي ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي حينها، ولويس  إيناسيو لولا دا سيلفا رئيس البرازيل في ذلك الوقت، Agência Brasil, under the Creative Commons Attribution 3.0 Brazil License


لكن، فعندما تم حل منظمة الوحدة الأفريقية، واستبدالها بالاتحاد الأفريقي المنظمة الأكثر قوة في عام ٢٠٠٢، لعب الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، والذي كان أحد القوى الدافعة وراء إنشاء المنظمة الجديدة، ويحظي بشعبية واسعة في الدول الأفريقية، لعب دورا أساسيا في ركل إسرائيل إلي الخارج.


فعند وضع نص القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي  في القمة التي استضافها القذافي في مسقط رأسه في سرت في عام ١٩٩٩، استخدم القذافي نفوذه لمنع وضع إسرائيل كمراقب من الانتقال إلي المنظمة الجديدة.


في المقابل، فحتي بعد رحيل القذافي ظل أثره، إذ تم قبول "فلسطين" كمراقب في عام ٢٠١٣، مما أدى في بعض الأحيان إلى تقديم قرارات مناهضة لإسرائيل دون أن يتمكن الممثلون الإسرائيليون من الرد.


في المستقبل:


ما وراء الرهانات السياسية، هناك أيضًا مصالح اقتصادية وتجارية متزايدة تلعب دورها.


تضع إسرائيل في اعتبارها المكاسب الاقتصادية الرائعة التي شهدتها كل الدول الأفريقية تقريبًا في السنوات الأخيرة، ففي العقد السابق لبدء انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد "كوفيد-١٩" أي من ٢٠٠٩ : ٢٠١٩، ووفقا لحسابات صندوق النقد الدولي، فإن سبعة من أسرع ٢٠ اقتصادا نموا في العالم كانت في أفريقيا.


نتحدث عن إثيوبيا، رواندا وكوت ديفوار وتنزانيا وجيبوتي وغانا وغينيا.


واذا ما وسعنا نظرتنا لتشمل الاقتصادات الثلاثين الأسرع نموًا عالميا خلال نفس الفترة، سنشهد انضمام ستة دول أفريقية أخرى إلى القائمة هي: النيجر وبوركينا فاسو وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية الكونغو وتوغو وكينيا.


أما في العام الذي سبق اندلاع المرض الذي أدى إلى توقف التجارة العالمية (أي عام ٢٠١٩)، كانت خمسة من الاقتصادات العشرة الأسرع نموًا، موجودة في إفريقيا: غانا، وجنوب السودان، ورواندا، وإثيوبيا، وساحل العاج.


لقد نما الناتج المحلي الإجمالي في هذه البلدان الخمسة بمتوسط ٨،١٪ في عام ٢٠١٩ في وقت بلغ فيه النمو العالمي ٣،٢٥٪ فقط، حيث بلغ متوسط النمو في الاقتصادات المتقدمة ١،٩٪، والناشئة ٤،١٪.


لكن من المسلم به أن نقاط البداية لبعض البلدان الأفريقية منخفضة نسبيًا، وبالتالي فإنها عندما تحقق نمو مرتفع فهذا لأن الاقتصاد أصلا ضعيف وصغير، ومن الأمثلة الجيدة على ذلك جنوب السودان الذي مزقته الحرب والذي تأثر اقتصاده على مدى عشر سنوات، ما بين معدلات نمو سنوية تصل إلى ٣٠٪ أحيانا، وبالعكس حقق في بعض السنوات انكماشات سنوية تصل إلى ٦٠٪، كما أن جزءا كبيرا من النمو في جنوب السودان بالتحديد كان مدفوعا بتقلب أسعار السلع الأساسية هناك.


مع ذلك لا يمكن انكار أن نسبة كبيرة من تلك الطفرات الاقتصادية هي نتيجة لتحسن حقيقي بالفعل، مع اتجاهات إصلاح أعمق ذات مدة زمنية أكبر، بما في ذلك التركيبة السكانية (على سبيل المثال، سيكون واحد من كل أربعة عمال في العالم أفريقيًا بحلول عام ٢٠٥٠) إلى جانب بعض معدلات التحضر الأسرع نموًا في العالم، مما يعني انخفاض تكاليف البنية التحتية الأساسية، والأسواق الاستهلاكية المركزة التي تستهلك المنتجات المحلية، وفيما يتعلق بالتكنولوجيا (فعلى سبيل المثال، التوسع السريع للهواتف المحمولة ونمو استخدام الإنترنت يصل لمعدل خمسة أضعاف المتوسطات العالمية على مدى العقد الماضي).


بالتالي، فليس من المستغرب أن يرافق نتنياهو ممثلو أكثر من ٥٠ شركة إسرائيلية في جولته الأفريقية عام ٢٠١٦.


بل إنه وعلي أرض الواقع، ففي كثير من الحالات، ساعدت الاستثمارات الإسرائيلية، لا سيما في قطاعات المياه والزراعة والطاقة وتكنولوجيا المعلومات في العديد من الاقتصادات الناشئة في إفريقيا، على تمهيد الطريق لتجديد التعاون علي الصعيد الدبلوماسي، ففتحت الاستثمارات الإسرائيلية في أفريقيا الطريق أمام السياسيين للمكاسب السياسية.


محطة طاقة شمسية بنتها شركة إسرائيلية في رواندا، USAID / Power Africa /Sameer Halai


في رواندا، على سبيل المثال، تقف شركة إسرائيلية أمريكية هي "جيجا وات جلوبال Gigawatt Global" ، وراء أول منشأة كهروضوئية على نطاق ضخم في شرق إفريقيا، وهي محطة للطاقة الشمسية عززت قدرة التوليد الكهربائي في البلاد بنسبة ٦٪، مما يوفر طاقة متجددة فعالة لحوالي ١٥٠٠٠ منزل.


كما دفعت إسرائيل بالجمعيات الخيرية الخاصة وكذلك وكالة التنمية الرسمية ماشاف ، لتعزيز أنشطتها في إفريقيا، فهناك مثلا مؤسسة إسرائيلية غير ربحية تأسست عام ٢٠٠٨، استخدمت تقنيات الطاقة الشمسية والمياه التي تشتهر بها إسرائيل عالميا، لتوفير المياه النظيفة لما يقرب من ثلاثة ملايين قروي ريفي في ١٠ دول أفريقية هي (الكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإسواتيني وإثيوبيا وملاوي والسنغال وجنوب إفريقيا وتنزانيا وأوغندا وزامبيا).


مؤسسة الابتكار الإسرائيلية أكملت مؤخرًا مشروعها رقم ٥٠٠ في إفريقيا، ويهدف إلى الوصول إلى ٢٠٠٠ قرية بإجمالي ١٠ ملايين شخص بحلول عام ٢٠٢٦.


في إثيوبيا، إحدى أخطر رؤوس إسرائيل في أفريقيا، تم في عام ٢٠١٢، بناءً على مبادرة ثنائية إسرائيلية - إثيوبية سابقة، تم إطلاق شراكة ثلاثية بين وزارة الزراعة الإثيوبية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) ووكالة ماشاف الإسرائيلية للتعاون الدولي، بهدف تعزيز النمو الاقتصادي في المناطق الريفية في إثيوبيا من خلال تعزيز إنتاج أصحاب الحيازات الصغيرة لمنتجات الفواكه والخضروات مع إمكانات التسويق لها.


البرنامج تم تجديده عام ٢٠١٦، وهناك من يري إمكانية الحصول علي دعم أمريكي أكبر بعد إعلان إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن زيادة بنسبة ١٠٪ في تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).


بالطبع، تستغل إسرائيل العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية المزدهرة بينها وبين شركائها الأفارقة لفتح الطريق للتعاون في السعي لتحقيق أهداف مشتركة أخرى، كالترويج لما تقوله إسرائيل أنها تكافح به ما تصفه بالإرهاب والتطرف الإسلامي، خصوصا مع ما حدث في أفغانستان وتصاعد الخوف من أن هذا السيناريو سيعزز آمال العناصر الجهادية في أماكن أخرى.


في النهاية، فإنه تجدر الإشارة إلي أنه ليس من المستغرب أن يحدث انضمام إسرائيل بصفة مراقب للأتحاد الافريقي في منتصف ولاية رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، فيليكس تشيسكيدي، على رأس الاتحاد الأفريقي لهذه الدورة.


فالرئيس الكونغولي تشيسكيدي دعا في العام الماضي، مخاطبًا المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) في واشنطن، إسرائيل إلى "زيادة حضورها الدبلوماسي والاقتصادي في بلده إلى أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه العلاقات بين دولتينا وشعبينا" وأوضح ما سماه احترامه العميق لإسرائيل.


وواصل تشيسكيدي مديحه بقوله أن هذه الأمة مصدر إلهام. إنها تعلمنا ما يمكن للإنسان أن يفعله في مثل هذه الفترة القصيرة من الزمن عندما يكون لديه الدافع والمرونة، وخاصة النعمة الإلهية".


السؤال الآن هو ما إذا كان من الممكن تلبية هذه التوقعات الكبيرة في فصل الربيع الجديد في العلاقات بين إسرائيل وإفريقيا؟. لكن من المؤكد أن فصلًا جديدًا ديناميكيًا في قصة قديمة يتم كتابته، وان الإسرائيليين لديهم خططا وأهداف يسعون إلي تحقيقها.


المعرفة للدراسات: في المقابل، فعلي الدول العربية، وخصوصا الدول العربية في القارة الأفريقية، تكوين لوبي عمل واحد، يتخذ شكل منصة تعاون تجتمع بشكل دوري لتوفير التمويل السنوي اللازم لاقامة استثمارات ومشاريع في مختلف الدول الأفريقية بهدف إيجاد نفوذ عربي مضاد بل وأقوي من الوجود الإسرائيلي في أدغال أفريقيا.


-------
الدراسة بقلم جيه بيتر فام
كان السفير جيه بيتر فام أول مبعوث أمريكي خاص لمنطقة الساحل، وسبق له أن شغل منصب المبعوث الأمريكي الخاص لمنطقة البحيرات العظمى بأفريقيا، وتم نشرها في مجلة "جيروساليم ستراتيجيك تريبيون"، وهي مجلة تمثل وجهات النظر الإسرائيلية والأمريكية حول الشؤون الدولية.


قامت المعرفة للدراسات بترجمة هذه الدراسة، مع كثير من المعلومات والاضافات التي تمت بواسطتها.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -