زدني معرفة

قصة يهود الفلاشا الإثيوبيين وتوطينهم في إسرائيل.. ثم اضطهادهم

 من المسلم به أن إسرائيل قامت علي أساس "التوطين"، هؤلاء الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية اليوم قادمين من بقاع شتي حول العالم، لإقامة ما يعرف باسم الوطن القومي لليهود.

يهودي إثيوبي يؤدي الصلاة في كنيس في مدينة جوندار التاريخية القديمة والعاصمة السابقة للحبشة، اثيوبيا، صورة بعدسة إدواردو سوتيراس / وكالة الصحافة الفرنسية  
  

فبدون التوطين، لا وجود لإسرائيل لانعدام العنصر البشري، الذي هو أحد أركان قيام أي دولة. ومن المهم هنا القاء الضوء علي قضية توطين يهود الفلاشا الإثيوبيين، باعتبارهم العنصر الوحيد تقريبا القادم من أفريقيا السمراء، ولطبيعة عملية نقلهم لإسرائيل نفسها، ثم بقاءهم كملف مفتوح، مع صعوبات اندماج لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

لقد حرصت إسرائيل علي استقدام الفلاشا، في معادلة زيادة عدد سكانها، أحد أهم نقاط أمنها القومي، التي تعاني منها، فقلة عدد السكان، كانت ولا تزال، واحدة من النقاط التي يريد الإسرائيليين التغلب عليها، ولقد أحرزوا بالفعل تقدما لا ينكر في هذا الملف.

جدل حول الجذور:

منذ البداية، ستلحظ الاختلاف بين نظرة الفلاشا لأنفسهم، وبين نظرة إسرائيل لهم.

قادة المجتمع الإثيوبي في إسرائيل يحتفلون بيوم عيدهم الذي يتوافق مع ذكرى قدوم أول إثيوبيين لإسرائيل، صورة من يوري لينز.
 

فوسط جدل تاريخي ضخم حول "أصل" الفلاشا بل وطبيعة يهوديتهم نفسها، وهل هم يهود كاملين حقا ام لا... فإن يهود إثيوبيا يرون أنفسهم أصل اليهودية ذاتها.

وقد يكون مدهشا، حينما نعلم أن تسمية "الفلاشا" نفسها لا تعجب يهود إثيوبيا، فهي لا تشير لأسم قبيلة أو عرق مثلا كما قد يظن البعض، بل إن مسمي "فلاشا" باللغة الجعزية تعني الأجانب، الغرباء المنفيون. ما يعكس لنا تصور ورؤية باقي طوائف اليهود الفلاشا باعتبارهم طائفة مختلفة عنهم. -الجعزية هي لغة إثيوبية تنتمي للغات السامية، يرجع أساتذة اللغة أصولها لقبائل من شبه الجزيرة العربية هاجرت لإثيوبيا منذ قديم الأزل، وإن كانت قد تأثرت حاليا أكثر باللغة العبرية-.

يهود إثيوبيا يعتبرون أنفسهم الامتداد الطبيعي لنبي ﷲ سليمان -عليه السلام-، وأن مملكته العظيمة كانت في أرض الحبشة، وبينما يتمسكون بتلك الرواية، يتنازع معهم روايتان أولهما تقول أنهم ينتمون لليهود الذين عاشوا مع نبي ﷲ موسي -عليه السلام- في مصر وهاجروا منها للحبشة. رواية ثانية تذهب لكونهم أصلا من مملكة سبأ في اليمن، ويدعمها فكرة اللغة.

الغريب أكثر، أنه لا توجد تأكيدات دامغة لأي رواية من الثلاثة، تقيمها وتهدم الروايتان الآخرتين.

اختلاف المعتقد:

لكن الأصل التاريخي قد لا يهم كثيرا، اذا ما نجحت عناصر الحاضر مثلا في دولة تقوم علي أساس ديني كإسرائيل أن تتفق علي أنها ذات معتقدات يهودية واحدة، وفي دولة واحدة، فينصهروا معا في بوتقة واحدة، كما كان يحلم ديفيد بن جوريون أول رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل.

لكن اليهود الإثيوبيين، جاءوا لإسرائيل بمعتقد مختلف، فهم وإن آمنوا بإله بني إسرائيل، وبأن اليهود هم شعب ﷲ المختار، بل إن غير اليهود نجس، وبالبعث والحساب في الآخرة، إلا أنهم وفي ذات الوقت لا يؤمنون بالتلمود، أهم كتاب يهودي في إسرائيل بعد التوراة.

يتفاعل ذلك الاختلاف المفصلي في المعتقدات الدينية، بخلاف الاختلاف العرقي، ونظرة الإسرائيليين ليهود الفلاشا باعتبارهم غرباء منفيين -وإن كان اليهود جميعا كذلك حتى قيام إسرائيل-، لينتج حالة اقصاء لليهود الإثيوبيين داخل إسرائيل، يشعر بها كل يهودي إثيوبي منذ استيقاظه وحتى نومه، كل يوم.

ما يزيد من تأثير كل هذا، هي حالة القفز التي قام بها الفلاشا بين الاديان، فمع نهاية القرن التاسع عشر، كان المبشرين الأوروبيين بالمسيحية قد نجحوا في تحويل نسبة هائلة منهم للمسيحية، ورغم انهم عادوا بعد ذلك لممارسة طقوس الديانة اليهودية مجددا، فإن كل هذه الاختلافات وما عززها من حركة التنقل بين اليهودية والمسيحية لفترة ما، تجعل بعض الحاخامات اليهود يرفضون اعتبارهم يهود بالكامل. 

 من موسي إلي سليمان:

رغم كل تلك الاختلافات، وضعت إسرائيل نصب عينيها جلب من أسمتهم "الفلاشا" إليها، كانوا دماء ستسري في عروقها بالنشاط والحيوية، وبخلاف هذا، فطبيعتهم الجغرافية وظروف حياتهم الصعبة، ستجعل منهم مقاتلين أشداء ستحتاجهم بالتأكيد.

يهود إثيوبيين داخل طائرة يبدو أنها من طراز سي-١٣٠ المخصصة للنقل العسكري، في خلال نقلهم من إثيوبيا لإسرائيل
 

وعلي الناحية الأخرى، مثل الوعد بحياة اقتصادية افضل يفيض فيها المال وتتحسن ظروف المعيشة، وأين؟ في أرض الميعاد، مثلا ثنائية جذب شديدة للفلاشا للموافقة علي ترك إثيوبيا تجاه إسرائيل.

بالطبع، كانت تلك العملية التي سميت "سولومون" فرصة أيضا لكي تضع إسرائيل قدما لها في إثيوبيا حيث منابع النيل.

كانت البداية عبارة عن "فخ" نجح الإسرائيليين من خلاله في السيطرة علي رئيس الوزراء الإثيوبي حينها منغستو هيلا مريام، والذي سعي للحصول علي صفقة أسلحة أمريكية، تم تعطيلها بواسطة الإسرائيليين، وحينها كان عليه وفقا لنصح بعض الناصحين أن يلجأ للوبي الصهيوني نفسه، والذي بدأ بدوره عملية صناعة الصفقة، علاقات كاملة مع إثيوبيا تتضمن التسليح، مقابل الحصول على البشر. 

اشتركت أجهزة الأمن الإسرائيلية وعلي رأسها "الموساد"، مع طائرات النقل في سلاح الجو الإسرائيلي، وحتى طائرات شركة "العال" المدنية الإسرائيلية للخطوط الجوية في عملية نقل اليهود الفلاشا لإسرائيل، وذلك تحت غطاء ودعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وأشرف علي العملية وخاض المفاوضات مع الحكومة الإثيوبية "موشيه ديان" الذي كان وزيرا للخارجية وقتها، والتي كانت بداية علاقة قوية مع إثيوبيا، اقتصاديا، وحتى من حيث صفقات سلاح إسرائيلي الصنع بيعت لإثيوبيا. 

يهود إثيوبيين يصلون إلي مطار ديفيد بن غوريون بتل أبيب ضمن العملية سولومون.
 

بالفحص التاريخي، نجد أن العملية قد تأخرت لسنوات وسنوات، بسبب كل الاختلافات التي أشرنا إليها، والتي كانت "جولدا مائير" رئيسة الوزراء الإسرائيلية في مطلع السبعينات تدركها جيدا، وتري أن جلبهم لإسرائيل سيخلق طبقة تعاني من الاستحقار، قد يدفعها للتحالف مع باقي اليهود السفارديم (من ذوي الأصول الشرقية) ضد اليهود الأشكناز (اليهود القادمين من أصول أوروبية) والذين يسيطرون تقريبا علي كافة مفاتيح السياسة والمناصب العليا في الدولة العبرية.

ستثبت الأيام أن جولدا مائير كانت علي صواب في نظرتها تلك.

بشكل عام تعتبر العمليات الإسرائيلية الأهم لنقل يهود الفلاشا الإثيوبيين لإسرائيل هي كالتالي:

  • عملية موسي الأولى: أول العمليات، تمت عام ١٩٧٧، ونقلت نحو ٢٥٠٠.
  • عملية حق العودة: تمت سنة ١٩٨٢، وتضاعف فيها الرقم ليصل لنحو ٢٥ ألف وصلوا لإسرائيل. 
  • موسى الثانية: تبعت حق العودة بعامين، أي عام ١٩٨٤، وهي عملية تورط فيها الرئيس السوداني السابق "جعفر نميري"، بكف يد الأجهزة الأمنية السودانية عن تجميع الموساد للفلاشا في منطقة تشبه المنتجع في جنوب السودان، ومن هناك تم نقلهم جوا لفلسطين المحتلة. 
  • العملية سبأ: تواصل فيها غض النميري طرفه عما يحدث، رغم التبرم والاعتراض من بعض مسئولي الأجهزة الأمنية السودانية، تم تشجيع النميري بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية التي زار نائب الرئيس فيها حينها "جورج بوش الأب" الخرطوم والتقي بالنميري لأجل تلك المهمة.

لا تزال أعداد من يهود الفلاشا يتم نقلهم إلي فلسطين المحتلة حتى يومنا هذا، أصبحت الرحلات الآن أكثر سهولة، وتشارك فيها حتى طائرات الخطوط الجوية الإثيوبية، صورة من غيتي.

  • العملية سليمان أو سلومون: تمت في العام ١٩٩١، مع نقل نحو ٢٠ ألف من يهود الفلاشا لفلسطين المحتلة، بإشراف نائب رئيس الأركان الإسرائيلي أمنون شاحاك في عهد رئيس الوزراء السابق إسحاق شامير.

لا تزال الهجرة الإثيوبية من يهود الفلاشا صوب فلسطين المحتلة مستمرة حتى يومنا هذا ولا تتردد الحكومة الإسرائيلية في نقل من يريد ولو كانوا مجرد بعض عشرات من البشر. 

معاناة:

الحقيقة، أن أرض الأحلام الموعودة في إسرائيل لم تكن إلا سرابا، لم يجده ابناء الفلاشا شيئا.

فإذا كنت من الفلاشا، فإن مراكز الأبحاث الاجتماعية تخبرك أن دخلك سيقل نحو النصف عن باقي يهود إسرائيل -٤٠٪ تقريبا-، كما أن فرصك في التعليم، أو في الوظائف العليا هي أقل، فنتيجة لضعف التعليم، يجد الإثيوبيين أنفسهم في وظائف لا تحتاج لمؤهلات علمية عليا كالعمل في قطاع النظافة أو صناعات الغذاء مثلا.

ليس ذلك فحسب، أنت شخص مشكوك فيك جنائيا، وهذا ليس تهويلا أو ادعاء، انما حقيقة صرح بها مفوض الشرطة الإسرائيلية "روني الشيتش" عام ٢٠١٦ حينما قال:
((من الطبيعي الشك بالإثيوبيين أكثر من غيرهم فيما يتعلق بارتكاب أعمال جنائية)).

روني الشيتش، صورة من وكالة رويترز 

فاليهود الإثيوبيون هم يهود إسرائيليون بكل شيء، لكن الدراسات في كل العالم أثبتت أن المهاجرين ضالعون بالجريمة أكثر من غيرهم))، هكذا قال مفوض شرطة إسرائيل نفسه.

مظاهرة ليهود من أصل إثيوبي في إسرائيل.

نتيجة ذلك، لم يكف الإثيوبيين خلال السنوات الماضية عن التظاهر بين الفينة والأخرى، ضد كل سياسات التهميش ضدهم، إنهم لا يرون أنفسهم إلا كآلات قتالية، يدفع بهم في المقدمة خلال حروب إسرائيل، بل لقد وضعوا منذ يومهم الأول بالقرب من مدينة الخليل في الضفة الغربية التي كانت واحدة من اكثر أماكن النزاعات بين العرب واليهود بسبب استفزازات وتصرفات الجماعات الصهيونية المتطرفة وعلي رأسها تلك التي كان يقودها "مائير كاهان"، وقتما جاءوا هم من إثيوبيا، بينما لا ينالون إلا القليل من التعليم والعمل وباقي الخدمات الأخرى، وقد ترتكب ضدهم اعتداءات من الشرطة، قد تصل إلي حد القتل، كما حدث مع الشاب سالمون تيكا، الذي قتل في يوليو عام ٢٠١٩، مفجرا غضبا إثيوبيا واحتجاجات كبرى حينها.

جندي من الفلاشا في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي.

رغم هذه المصاعب، لا تزال إسرائيل تسعي لجلب المزيد من الإثيوبيين اليهود إليها، فهم جنودها في مقدمة الصفوف، ومن أشد المتحمسين لهذه الفكرة، بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفسه، في عملية  يطلق عليها الإسرائيليين اسم "أجنحة الحمامة". ومع نحو ١٥٠ ألف نسمة، يشكل يهود الفلاشا الإثيوبيين ما نسبته ٢٪ من الإسرائيليين.


بعض المعلومات الواردة بالموضوع، تم الاعتماد فيها علي المصادر التالية:
-صحيفة الأهرام المصرية، أحمد سمير.
-علي سداد جعفر جواد، الإثيوبية الجعزية، محاضرة بكلية الأداب، قسم اللغة العربية، جامعة بابل، العراق.
-اليوم السابع، محمد تهامي زكي.
-هيئة الإذاعة البريطانية ، "بي بي سي عربي".
-قناة العربية السعودية، دكتور أسعد عبد الرحمن.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -