زدني معرفة

الاغارة الإسرائيلية علي مطار عنتيبي في أوغندا.. عملية الدم من أجل الزوفا

كانت الأمور جميعها تسير بشكل اعتيادي في مطار مدينة اللد في فلسطين المحتلة، صباح يوم الأحد السابع والعشرين من يونيو عام ١٩٧٦.

عملية عنتيبي، صورة تعبيرية.  


حسب موعدها، اقلعت طائرة الرحلة رقم ١٣٩ التابعة لشركة الخطوط الجوية الفرنسية الرسمية "آير فرانس" من طراز آيرباص A-300، وعلي متنها ٢٤٨ راكب، ثلثهم من اليهود الإسرائيليين واليهود من غير حاملي الجنسية الإسرائيلية، في رحلتها المتجهة نحو فرنسا.


وبصورة طبيعية أيضا، توقفت الطائرة كما هو مقرر في مطار العاصمة اليونانية "آثينا"، حيث تعيد التزود بالوقود، يغادرها من كانت رحلته إلي عاصمة اليونانيين فحسب، ويستقلها ركاب جدد يريدون الذهاب لباريس، ثم اعادت الاقلاع لتكمل رحلتها في تمام الثانية عشر وعشرين دقيقة ظهرا.


حادثة اختطاف:


أربعة فقط من ركاب الطائرة الجدد الذين استقلوها من آثينا، كانوا يعرفون ماذا سيحدث بعد إقلاعها من الاراضي اليونانية.. إنها حادثة اختطاف للطائرة بمن عليها، هم بالذات من سيقومون بتنفيذها، في واحدة من العمليات الخارجية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.


سيتضح فيما بعد أن العملية من تدبير وأوامر مباشرة من أحد مؤسسي الحركة، "وديع حداد" الذي سيموت بعد ذلك بعامين فقط في ألمانيا الشرقية، تاركا خلفه قصة يتناقلها الكثيرون عن اغتياله بالسم علي يد الإسرائيليين. كان حداد قد أمر بالعملية بعد انفصاله عن رفيق دربه في الكفاح ضد إسرائيل الدكتور جورج حبش.


شكل مقتل وديع حداد لغزا، وترجح الأحداث أن الإسرائيليين قد قتلوه بالسم. 


رجلين من أعضاء الحركة الفلسطينين، كانا بصحبة رجل وسيدة من "الخلايا الثورية الألمانية" وهو تنظيم ألماني يساري عرف أيضا باسم "فصيل الجيش الأحمر" وكذلك بالاسم "بادر ماينهوف"، تورط في عمليات عنف مسلح داخل وخارج أوروبا. شكلوا معا الفريق المكلف بالتنفيذ.


اختار المنفذون تلك الطائرة بالذات بعد دراسة الرحلات الجوية من وإلي إسرائيل.. فلابد لها أن تمر عبر آثينا، في ذلك الوقت كان أمن المطار اليوناني يتسم بالتراخي الشديد.


فرغم وجود جهاز للكشف عن المعادن، لم يكن المسئول عن تشغيله موجودا.. وبينما كان المسافرون يضعون امتعتهم المحمولة علي السير الخاص بجهاز الاشعة السينية الذي يكشف ما في داخل الحقائب، لم يكن المسئولين عن الجهاز يعيرون اهتمام بالنظر إلي الشاشة أصلا، وهكذا استطاع فريق الخاطفين إدخال الأسلحة "كانت عبارة عن مسدسات وقنابل" بسهولة.


بعد مرور سبعة دقائق فقط من مغادرة أثينا، شق الرجل الألماني طريقه نحو كابينة القيادة، بينما تولي رفاقه الثلاثة أمر مقصورات الركاب.


ولابد أن قائد الطائرة "ميشيل باكوس" اصيب بدهشة بالغة قد تعادل صدمته الأصلية من اختطاف الطائرة، عندما سمع الخاطف يطلب منه بلغة ألمانية تغيير وجهته تماما نحو بني غازي الليبية، ومنها إلي مطار عنتيبي في أوغندا.


في ادغال أفريقيا:


نحو أوغندا التي يحكمها في تلك السنوات الرجل الاستثنائي (عيدي أمين) اتجهت الطائرة، كانت خطة الاختطاف تقضي بذلك، حيث من المقرر أن تهبط في بني غازي أولا لاعادة التزود بالوقود، وأيضا لكي ينضم للخاطفين مجموعة أخرى مكونة من ثلاثة أفراد سيستقلون الطائرة في بنغازي بليبيا ليرتفع عدد الخاطفين إلي سبعة.


عند التاسعة وخمسين دقيقة من ليل اليوم الاول (٢٧ يونيو)، حلقت الطائرة نحو وجهتها الأخيرة وفقا للخطة "عنتيبي".


لكن وقبل اقلاعها، وقعت أول حالة تحرير لسيدة شابة بمفردها هي باتريشيا مارتيل البريطانية المولد والتي تحمل الجنسية الإسرائيلية، بعدما تظاهرت للخاطفين بأنها حامل وتعاني من حالة إجهاض للجنين.


تمثلت المفاجأة في أن الزعيم الأوغندي (عيدي امين) كان علي علم مسبق بخطف الطائرة، الأوغنديين رحبوا بالطائرة ومن عليها من خاطفين. وبدت أوغندا كملاذ آمن وبعيد للغاية عن أي محاولة تدخل إسرائيلية.


الرئيس الأوغندي عيدي أمين دادا، الصورة متاحة للمشاع من موسوعة ويكيبيديا.  


حينما تم الإعلان عن حادثة الاختطاف سري الخوف والقلق العميق في نفوس الإسرائيليين، وهو الهدف الأساسي الذي كان وديع حداد يرنو لتحقيقه من وراء كل العمليات التي أعد لها، أن ينفذ فكرة "وراء العدو في كل مكان". أن يشعر الإسرائيلي بانعدام الأمن أينما ذهب وطوال الوقت، فيقرر الرحيل عن هذه البلاد التي يطارده شبح الموت فيها علي الدوام.


مأزق عميق:


ومن قبيل المصادفة، إنه ومع انقطاع اتصال إسرائيل بالطائرة وملاحظة التغيير الذي حدث في مسار الطائرة، كان مجلس وزرائها برئاسة رابين في اجتماع اعتيادي، إنها العهدة الأولى ليتسحاق رابين كرئيس للوزراء.


كان رابين من جيل المحاربين الاوائل الذين أحرزوا لإسرائيل انتصارات سنواتها العشرين الأولى التي اقيم بها الكيان الصهيوني وتوسع في بلاد العرب. بعد أقل من عشرين عاما من حادثة عنتيبي، سيموت رابين برصاص متطرف صهيوني، بعدما كان قد توصل مع الفلسطينين لاتفاق سلام.


نعود لتل ابيب في ذلك اليوم الحار من صيف العام ١٩٧٦، وفي أروقة اجتماع مجلس الوزراء يتم اعلام رابين بالحادثة، وحينها يقول للحضور: ((قبل أن نواصل اجتماعنا، فلدي إعلان، لقد فقدنا الاتصال بطائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الفرنسية اقلعت من اللد، وربما تم اختطافها، لقد كان علي متن الطائرة ٨٣ إسرائيليا، نزل ١٠ منهم في أثينا، وكان معظمهم من النساء والأطفال)).


بحلول الرابعة مساء، كان المجلس الأمني الإسرائيلي يجتمع، وكان رأي رابين وقتها أنه ينبغي تحميل الفرنسيين مسئولية حياة الركاب الإسرائيليين الثلاثة وسبعين علي متن الطائرة، باعتبارها طائرة فرنسية في الأصل. 


يتسحاق رابين، صورة من فلاش ٩٠. 


وعلي نفس المنوال، اقترح وزير النقل "جاد يعقوبي"، بأن لا يتم نشر أسماء المخطوفين، وأن يكلف ممثل شركة الخطوط الجوية الفرنسية بنقل الاخبار للعائلات التي من المتوقع أن تتجمع في مطار بن غوريون الملاصق لتل أبيب.. وبينما كان "إيغال ألون" وزير الخارجية يقول أن حكومتهم ودولتهم بالكامل في ورطة عميقة... وافقه رابين الراي بقوله "نحن كذلك بالتأكيد".


لن يمر الكثير من الوقت حتى يعلم يتسحاق رابين أن عددا من أصدقائه الشخصيين من بين المختطفين علي متن الطائرة.


قررت تل أبيب خوض مناقشات مع الأوغنديين برئاسة "عيدي امين"، لكن طريقهم كان مسدودا.


أيام في أوغندا:


في الساعات المبكرة من صباح اليوم الثاني (٢٨ يونيو)، وصلت الطائرة أخيرا إلي أوغندا، بعد ما يقارب أربعة وعشرين ساعة من اقلاعها، امضتها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.


قام الخاطفين في اليوم الثالث (٢٩ يونيو) بتحرير جميع الرهائن الذين لا يبدو أنهم إسرائيليين أو يهود، وتم السماح لهم بالسفر إلي باريس، بذلك الإجراء تقلص عدد الرهائن إلي ما بين ١٠٠ : ١٠٦ رهينة فقط، معظمهم من الإسرائيليين واليهود.


في تلك الاثناء، اعلن الخاطفين كذلك عن مطالبهم ((تحرير ٥٣ أسيرا منهم ٤٠ في السجون الإسرائيلية، و١٣ آخرين في سجون أربع دول أخرى من بينها كينيا وألمانيا الغربية وسويسرا)).


إيلان هارتوف، وهو أحد المخطوفين علي متن الطائرة، أفاد فيما بعد لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، أن السيدة الالمانية كانت صاحبة المزاج الأكثر حدة بين الخاطفين، وكانت تمسك بقنبلة يدوية بشكل دائم، بحيث تستطيع تفجير المكان فورا اذا ما قرر أحدهم الهجوم.


عملية الصاعقة:


مع حلول الأول من يوليو، ووسط انشغال خطوط الاتصالات الحكومية بين إسرائيل وعدة دول فشلت جميعها في انهاء الازمة، كان الإسرائيليين قد اقتربوا من حسم أمرهم منذ يومين بالفعل (٢٩ يونيو)، سيعتمدون علي قوتهم العسكرية، لم يكن مقبولا من الناحية السياسية أو الامنية أن يفرض الفلسطينين، أو وديع حداد، معادلة الخوف علي المواطن الإسرائيلي.


ففي اليوم الثالث (٢٩ يونيو) كان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال "مردخاي غور"، يخبر مجلس الوزراء أن الجيش بدأ في امتلاك خطة لتحرير الرهائن.


لكن يتسحاق رابين طلب منه مناقشتها بشكل أكثر سرية وليس في حضور المجلس كاملا، بينما طالب وزير الدفاع شيمون بيريز بعقد اجتماع مع لجنة المحررين (وهو منتدى غير رسمي يتألف من المحررين وأصحاب وسائل الإعلام الإسرائيلية الرئيسية).


برر بيريز ذلك الاجتماع بأنه ينبغي التأكيد علي الصحفيين أن لا يبدأوا في التكهن بما يحدث. مشيرا لكونهم قد تعاونوا بالفعل ولم ينشروا قائمة الركاب المختطفين.


اقتضي تنفيذ خطة الجيش، الاعتماد علي واحدة من أفضل وحداتهم القتالية تدريبا وتسليحا. إنها "سايرت ماتكال"، الوحدة الاستطلاعية التابعة مباشرة لهيئة الأركان العامة بالجيش الإسرائيلي، كما سيتم دعمها بمظليين من وحدات المظلات، وعناصر من لواء جولاني وأفراد من الفيلق الطبي، وعناصر تزويد الطائرات بالوقود.


كما كان علي الجنرال "بيني بيليد" قائد القوات الجوية، توفير الوصول الآمن للقوات، مصحوبة بحماية جوية موثوقة بعدد كافي من المقاتلات، كان الجنرال يريد شيئا يحتفي به بشكل شخصي، بعدما فشل منذ ثلاثة سنوات في التعامل مع الدفاع الجوي المصري في حرب أكتوبر ١٩٧٣، حيث فقد سلاح الجو الإسرائيلي في عهده عددا من أفضل طياريه وكثيرا من طائراته، وفشل لأول مرة في تحقيق السيطرة الجوية علي سماء المعركة.


في تلك الاثناء، كان لزاما لنجاح أي عملية للقوات الخاصة أن يحصل الإسرائيليين أولا علي التصميم والمخططات الخاصة للمطار نفسه، لاختيار أفضل اماكن الإنزال والهجوم والانسحاب.


مطار عنتيبي، صورة من بي بي سي.  


كانت كلمة السر في ذلك، مهندس إسرائيلي، كان قد سبق له العمل مع الرئيس "عيدي أمين" في الستينيات، ووفر للمسئولين في إسرائيل مخططات كاملة للمطار، والتي بدونها لم يكن بمقدور الإسرائيليين التخطيط للعملية من الأصل.


ترجع أهمية تلك التصميمات، كون الخاطفين قد نزلوا من الطائرة، ليدخلوا هم ومن معهم من بقية المختطفين إلي مبني صالة من صالات الركاب الغير مستعملة في المطار، فاذا عرفوا كل التفاصيل الخارجية، كان عليهم معرفة تفصيل كل شبر داخل المبني المحتجز فيه الركاب.


بفضل تلك التصميمات حدد الإسرائيليين خطواتهم في عنتيبي بدقة، بل وبنوا بشكل سريع نموذج مماثل له، قاموا بتدريب القوات عليه خلال هذا الوقت الضيق.


ووسط سباق ضد عقارب الساعة، وضع الإسرائيليين خطتهم في أقل من ٤٨ ساعة لتنفيذ تلك العملية في قلب أوغندا، حيث الرهائن والخاطفين السبعة، وما يقال عن جنود من الجيش الأوغندي كانوا يشاركون في حمايتهم بتوجيهات من عيدي أمين ذاته. لذا تضمنت خطتهم التحضير للمواجهة المسلحة مع عناصر الجيش الاوغندي علي أرض المطار.


شارك في وضع الخطة التي سميت "الصاعقة" أو Thunderbolt باللغة الإنجليزية، كولونيل في فرع العمليات يدعي "إيهود باراك"، سيكون له شأن كبير فيما بعد داخل المجتمع الإسرائيلي.


الاجتماعات الأخيرة:


في الثلاثين من يونيو، وصل إنذار قصير إلي مجلس الوزراء الإسرائيلي، "إن لم يتم الإفراج عن الأسري قبل الثانية من بعد ظهر الغد، فسيتم البدأ في قتل الرهائن".


حينها طلب رابين من جميع وزراءه أن يحافظوا علي السرية التامة، وذكرهم أن أي تسريب للمعلومات يمكن أن يؤدي لخسارة الأرواح.


كان آلون وزير الخارجية متحمسا لاستخدام القوة، اجاب علي رابين بأنه اذا ما تم نشر بيانا قلنا فيه أننا سنلبي المطالب، فسيقال أن إسرائيل وافقت علي الاستسلام... لكن ماذا ستقول الزوفا علي الحائط (الزوفا علي الحائط اشارة لنبات مذكور في التوراة، ورد كسبيل نجاة لبني إسرائيل من عذاب ﷲ، عندما يتم غمسه في الدماء، وتقوم عائلات اليهود بوضع الدم علي عتبة بيوتهم مستخدمين الزوفا كي لا يصل إليها العذاب.. وربما كان يقصد آلون أن اليهود لو تخلوا عن سريان بعض الدم فسينالهم جميعا عذاب اكبر).


ثم عاد للحديث عن الدول التي تشارك إسرائيل القضية، فقال إن الفرنسيين سيعلنون انهم لن يستسلموا للضغوط، وألمانيا الغربية ترفض تماما الموافقة علي شروط الخاطفين، وكذلك الأمريكيين أوضحوا هذا.


وبينما أخذ رابين في الاستماع للحديث عن الدم، كان قد اصيب بنوع من التردد، والاعتقاد بأن العملية العسكرية قد تكون غير ممكنة، أخذ يتحدث عن وجوب الحصول علي موافقة صريحة علي تنفيذها من الدول المعنية، وأن الهدف يجب أن يتغير لانقاذ حياة الناس بدلا من العمل العسكري، فالعائلات ستبدأ في الضغط علي الحكومة.


كانت عقارب الساعة تشير للثانية عشر من ظهر يوم الثلاثين من يونيو ١٩٧٦ في مقر رئاسة الوزراء الإسرائيلي، حينما وصلت برقية بالتيليجرام من السفير الإسرائيلي في طهران.


كانت إيران وقتها لا تزال تحت حكم الشاه، وعلي علاقة جيدة مع إسرائيل كواحدة من أوائل الدول الإسلامية التي اعترفت بها واقامت علاقات سياسية واقتصادية معها.


لم يكن عيدي أمين مجهولا للإسرائيليين، ربطته بهم علاقات علي أكثر من صعيد، والتقي بالكثير منهم، صورة تجمع بينه وبين جولدا مائير. 


اخبر رابين المجتمعين أن السفير "يوري لوبراني" يقترح أن يتم السماح له بالتفاوض مع عيدي امين دادا الرئيس الأوغندي، بينما تلي وزير الخارجية إيغال آلون علي مسامعهم نص البرقية.


قال يوري أنه يريد الذهاب لأوغندا بنفسه، وهناك سيتفاوض مع امين لتحرير الرهائن، واذا ما اقتضي الأمر، فإنه سيعرض نفسه للمقايضة مع الرهائن، وواصفا أمين بالبدائي الذي قد يقبل استبداله بهم.


رأي رابين أنه يجب اعطاءه فرصة المحاولة.. بينما اعترض شيمون بيريز باعتباره سفيرا إسرائيليا في دولة هامة، وبالتالي فلديه الكثير من الاسرار ليعرفها، إذا ما وضعوا أيديهم عليه.


انفض اجتماع مجلس الوزراء بلا قرار، وانتقل بيريز مع رابين ليلتقيا بموردخاي غور رئيس الأركان، كانت خطة التنفيذ جاهزة ليس فقط للعرض علي رابين، بل لكي يقرأها الإسرائيليين في احدي الصحف التي صدرت صباح ذلك اليوم وتضمنت تفاصيل حقيقية وكبيرة من الخطة، وصف رابين تسرب الخطة للعلن بالكارثة، ولكن رئيس الأركان صمم علي التنفيذ بحد أقصى يوم الغد.


وبعدما تم اجتماع آخر مع رؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية، عاد مجلس الوزراء ليجتمع في الواحدة صباح الأول من يوليو، كان بيريز كوزير للدفاع يعتقد ان الموافقة علي شروط الخاطفين سيفتح الباب أمام المزيد من مثل تلك العمليات، وأن إسرائيل إن فعلت ذلك فلن يدعمها أحد فيما بعد ولو حتى الامريكيين.


أما وزير الخارجية فقد أصر علي تأييد بيريز، وقال أنه يعلم أن الرفض يعرض حياة الناس للخطر، لكنه هو الحل السليم. بشكل عام انفض الاجتماع دون قرار حاسم بشن الهجوم.


سل السيف:


في الواحدة من بعد ظهر الثالث من يوليو. اجتمع رابين بوزراءه مجددا.


حضر رئيس الأركان غور، تحدث عن أن المخاطر في العملية العسكرية محسوب للغاية، ومع وجود احتمال حدوث اصابات، فإن أي عملية عسكرية أخرى قد يحدث فيها ذلك.


حينها اجابه حاييم بارليف، والذي كان قد سبقه لرئاسة الأركان قبل سنوات، وببنات أفكاره بنت إسرائيل خط بارليف الذي هدمه المصريين ظهر السبت السادس من أكتوبر ١٩٧٣، كان بارليف يومها وزيرا للصناعة، ولكنه طرح سؤالا هاما عن احتمال الفشل في التزود بالوقود في رحلة العودة.


رد غور بوضوح أنه لن تتمكن الطائرات من العودة لإسرائيل، ببساطة ستسقط لنفاذ الوقود، كما اجابه عن سؤال آخر عن احوال الطقس، فكان الجواب أنه محفوف بالمخاطر.


وعندما سأل الوزير يوسف بورغ: "ماذا لو اكتشفنا أنهم نقلوا مكان الرهائن في الليل؟"، اجابه رابين نفسه هذه المرة بأن المهمة ستلقي فشلا ذريعا وكاملا.


ثم عاد رابين ليختم المناقشات الطويلة، باعتراف أنه قد أصبح اكثر هدوءا بعدما تلقي خطة الهبوط، رغم إدراكه وجود مخاطر.


حينها أعلن وزير الخارجية ألون عن تأييد هذه المهمة. وذكر المجتمعين بالاسئلة التي أثيرت بالفعل في إسرائيل، عن لماذا تصرفت الحكومة بسرعة في هجوم معلوت عندما كان الرهائن من عرق يهودي معين هم المختطفين -هجوم إسرائيلي علي مدرسة إسرائيلية ثانوية كانت تحت اشراف وزارة الدفاع الإسرائيلية قام فلسطينيين باحتجاز طلابها رهائن، ادي الهجوم لمقتل نحو ٣٠ إسرائيليا-، سيقول الناس أننا كنا على استعداد لتسوية عندما يتعلق الأمر بأشخاص ينتمون لمجموعة عرقية مختلفة. (يشير للتمييز في المعاملة بين اليهود من أصول شرقية واليهود من أصول غربية في إسرائيل).


ناقش حاييم بارليف الجنرال غور من وجهة نظر عسكرية، باعتباره رئيس أركان سابق، صورة مشاع للعامة، من موسوعة ويكيبيديا. 


وحينها قال بارليف إذا فشلنا، سيكون لدينا حوالي ٣٠٠ إسرائيلي في أوغندا، بمن فيهم الجنود، وعلينا أن نعرف ذلك. ولكن حتى لو لم ننجح، فقد فعلنا كل ما في وسعنا.


حينها نظر لهم رابين قائلا: "سنقوم بتنفيذ مهمة معقدة مع توقع إصابات. ومع ذلك، أوصي الحكومة بالموافقة عليها، ولكن ليس بقلب هادئ".

وهكذا أخرج الإسرائيليين سيفهم ليسيل الدم الكافي ليغمسوا فيه الزوفا حتى يتقوا غضب الرب.


الهجوم:


قبل منتصف ليل الثالث من يوليو ١٩٧٦، تحركت قوات الكوماندوز الإسرائيلية لتبدأ بذلك أشهر مهمة إنقاذ في تاريخ الدولة العبرية، وأول مهمة عسكرية لهم خارج الشرق الأوسط.


كانت عقارب الساعة تشير للواحدة صباحا بتوقيت أوغندا (العاشرة مساءا بتوقيت غرينتش)، فوجئ الجميع، الضباط والجنود الأوغنديين، الخاطفين، بأن الإسرائيليين هنا.


لقد وجدوا أمامهم فجأة ثلاثة طائرات نقل عسكرية إسرائيلية من طراز (سي-١٣٠ هرقل)، قد فتحت عجلاتها للهبوط في مطار عنتيبي بعد رحلة طولها ٢٥٠٠ ميل "أي ما يعادل ٤٠٠٠كم" من إسرائيل، وأن الجنود الإسرائيليين قد حققوا عنصر المفاجأة وأصبحوا فوق رؤوسهم دون أن يشعرون.


انتشر الجنود الإسرائيليين بالمئات علي أرض عنتيبي، فكل طائرة من هذه الطائرات الاربعة طراز (سي-١٣٠) يمكنها حمل بين ١٠٠ : ٢٠٠ جندي حسب التجهيزات التي يحملونها -تشير بعض المصادر إلي أن عدد القوة الإسرائيلية كان ١٠٠ جندي بالضبط وأن بقية الطائرات حملت بمعدات أو بقيت فارغة لنقل الرهائن بداخلها، بينما أرجح التقديرات تشير إلي ٢٠٠ جندي-، بينما كانت طائرات الفانتوم تحلق في سماء عنتيبي لتوفير الغطاء الجوي للقوات علي الارض.


لمزيد من التضليل والخداع، والقدرة علي الحركة بشكل مفاجيء، تنكرت القوة الإسرائيلية بزي جنود الجيش الأوغندي. بل واحضروا معهم سيارة مرسيدس سوداء، كانت نسخة طبق الأصل من سيارة الرئيس عيدي أمين استخدموها لشق طريقهم بها نحو صالة حجز الرهائن.


سيارة المرسيدس السوداء التي استخدمت لتضليل الحراس في مطار عنتيبي.  

 

لم يستسلم الخاطفين، دار القتال لمدة ساعة، بينما تقول مصادر أخرى أنه دام لتسعين دقيقة، نجحت خلالها القوة الإسرائيلية في انقاذ الرهائن، فقط ثلاثة منهم سقطوا قتلي، بينما نقل الرابع للمستشفي حيث لقي مصرعه متأثرا بجراحه.


عندما انتهت المعركة، كان الخاطفين السبعة قد ماتوا جميعا، مات أيضا ٤٥ جنديا أوغنديا -مصادر أخرى تشير إلي مقتل ٢٠ جنديا أوغنديا فقط-.


كما دمر الإسرائيليين ١١ مقاتلة سوفيتية الصنع من طراز ميج، كانت أوغندا قد حصلت عليها من الاتحاد السوفيتي، كنوع من العقاب علي دعم أوغندا للخاطفين. كانت تلك المقاتلات تمثل ربع الأسطول الجوي الأوغندي في ذلك التوقيت.


اكتشف الاوغنديين فيما بعد، أن كينيا قد قدمت دعما بالمعلومات لإسرائيل قبل تنفيذ العملية، كما كان معلنا أن الإسرائيليين هبطوا في رحلة العودة علي أرض مطار نيروبي في كينيا حيث اعادوا تزويد الطائرات بالوقود، كما التقوا بطائرة من نوعية المستشفيات الطائرة، تم نقل المصابين علي متنها لتلقي العلاج.


تزعم مصادر من كينيا أن "عيدي أمين" أصدر أوامره بالانتقام من الكينيين، فجري قتل ٢٤٥ من الكينيين المقيمين في أوغندا وقتها، وفر ٣ آلاف من الاراضي الأوغندية.


من بين العسكريين الإسرائيليين اصيب خمسة، أما القتلي، فكان القتيل الإسرائيلي الوحيد من القوة المهاجمة ليلتها هو المقدم "يوناتان نتنياهو"، إنه قائد القوة الإسرائيلية التي هبطت من أولي الطائرات، ونفذت أول مراحل الهجوم.


كان يوناتان هو ذاته الشقيق الٱكبر لبنيامين نتنياهو، الذي سيصبح رئيس وزراء إسرائيل الأطول بقاءا في السلطة منذ تأسيس الكيان عام ١٩٤٨. فيما بعد اعيدت تسميه العملية في إسرائيل لتصبح "عملية يوناتان".


ما بعد عنتيبي:


رغم الأثر الأليم الذي أصاب بنيامين نتنياهو بالتأكيد لوفاة شقيقه، فكسياسي يهودي، استغل نتنياهو الأصغر، حادثة موت شقيقه في عنتيبي، وكثيرا ما روج لنفسه سياسيا بها، ليظهر بصورة المحارب -كان هو أيضا ضابط بالقوات الخاصة الإسرائيلية-، شقيق المحارب الذي مات وهو يحمي أمن إسرائيل علي بعد آلاف الأميال، وكثيرا ما نجح في توظيف مقتل شقيقه في مساعيه السياسية. 


يتسحاق رابين وبيريز يتحدثا مع قائد الطائرة المختطفة عند وصول المحررين إلي تل أبيب، حيث اقيم حفل ضخم يومها.

 

شكلت عملية عنتيبي كذلك جواز نجاح سياسي لبعض قادتها كان من أبرزهم يتسحاق رابين الذي عاد لرئاسة الوزراء مجددا قبل اغتياله منتصف التسعينات.


كذلك إيهود باراك الذي سيصبح هو أيضا رئيسا لوزراء إسرائيل مطلع القرن الحالي، شيمون بيريز سيتولى رئاسة إسرائيل حتى وفاته. أما قائد القوة التي نفذت العملية "دان شومرون" بعد مقتل يوناتان، فسيتولي فيما بعد منصب رئيس الأركان للجيش الإسرائيلي.


علي الجهة المقابلة، شكلت عملية عنتيبي ضربة قاصمة لعيدي أمين، منذ ذلك التاريخ، بدأ نظامه في التضعضع، لم يمر سوي عامين حتى تم إجباره علي التخلي عن السلطة سنة ١٩٧٨، لينتقل من أوغندا إلي المملكة العربية السعودية حيث سيعيش ما بقي له من سنوات، إلي أن يتوفي أيضا في جدة في أغسطس من عام ٢٠٠٣.


صدر كذلك عددا من الكتب التي تناولت الحادثة، كما تم انتاج أربعة أفلام عنها، كان اخرها فيلم "٧ أيام في عنتيبي" الصادر عام ٢٠١٨، والذي نال الكثير من سهام النقد الإسرائيلية بسبب عرض المخرج الارجنتيني "جوزيه فديلها" لقصص الخاطفين الإنسانية ومعاناتهم من التهجير من أرضهم علي يد الإسرائيليين وتحولهم إلي لاجئين.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -