زدني معرفة

الوهم الكبير.. الجزء الثاني من كتاب "أوراق أفغانستان : التاريخ السري للحرب"

نواصل في المعرفة للدراسات عرض المقتطافات التي تنشرها صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية العريقة من كتاب "أوراق أفغانستان : التاريخ السري للحرب"، بقلم "كريج ويتلوك" مراسل الصحيفة، وتجدون تعريف به في نهاية هذا الموضوع.

غلاف كتاب أوراق أفغانستان : التاريخ السري للحرب 


كما يمكنكم قراءة الجزء الأول من المقتطفات والكتاب من هنا.


الكتاب سيصدر في السوق الأمريكي أولا في الحادي والثلاثين من أغسطس الجاري ٢٠٢١.


وعد أوباما:


كان باراك أوباما هو أول رئيس أسمر اللون للولايات المتحدة الأمريكية. وعد الرئيس شعبه بإنهاء حرب أفغانستان.


وهكذا، ففي ٢٨ ديسمبر من العام ٢٠١٤، أقام المسؤولين من أمريكا وحلف الناتو احتفالًا بهذه المناسبة في مقرهم الرئيسي في العاصمة الأفغانية كابل.


عزفت الموسيقي، وأخذ جنود من عدة جنسيات يطوفون في أرجاء الحفل وهم يرتدون ملابس متعددة الألوان.


شهد الحفل أيضا إلقاء جنرال من فئة أربع نجوم خطابا. 


"الجنرال من فئة الأربع نجوم هي درجة من أعلي درجات الجنرالات في الجيش الامريكي، وهي درجة تمنح لرئيس هيئة الاركان المشتركة وعدد محدود من الجنرالات، ولك أن تعلم عزيزي القارئ أن الفئة التي تعلوها وهي الجنرال من فئة الخمس نجوم لم يتقلدها إلا ٩ جنرالات طوال تاريخ الجيش الأمريكي".


في ذات الحفل، تم الإنزال الرسميً للعلم الأخضر ذو الحروف الأربع ISAF والذي يشير للقوة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة والذي ظل مرفوعا منذ بداية الصراع في ٢٠ ديسمبر ٢٠٠١.


في بيانه، وصف الرئيس أوباما ذلك اليوم بأنه "علامة فارقة لبلادنا -يقصد الولايات المتحدة-"، مضيفا أنها قد أصبحت أكثر أمانًا وأمنًا بعد ١٣ عامًا من الحرب التي شنها سلفه جورج بوش الابنْ.


الرئيس باراك أوباما قال أيضا: ((أنه وبفضل التضحيات غير العادية لرجالنا ونسائنا بالزي العسكري، فإن مهمتنا القتالية في أفغانستان تنتهي، وبهذا تصل أطول حرب في التاريخ الأمريكي إلي نتيجة جديرة بالثقة)).


نهاية مزعومة:


والحقيقة أن هذه النهاية التي تحدث عنها الرئيس أوباما لم تكن سوى "نهاية مزعومة".


برغم ذلك، وقف الجنرال في الجيش الأمريكي "جون كامبل"، قائد القوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي في أفغانستان ليزين هذه النهاية المزعومة للمهمة القتالية، بل وقف يشيد بما وصفها ببعض إنجازاتها.


ففي كذب واضح، ولا مسمي لما قاله إلا "الكذب" أكد الجنرال جون كامبل أن متوسط العمر المتوقع للمواطن الأفغاني العادي قد ارتفع بمقدار ٢١ عاماً.


وبأسلوب درامي، أضاف الجنرال: "لنضرب ذلك الرقم في نحو ٣٥ مليون أفغاني يعيشون في هذه البلد، هذا سيمنحنا ٧٤١ مليون سنة من العمر"، وأرجع الجنرال الفضل للقوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي والقوات الأفغانية في تحقيق هذا التقدم الملحوظ، والذي لم يكن سوي تقدم مكذوب.


((في وقت لاحق، نفي تحقيق فيدرالي أمريكي مصداقية أرقام الجنرال جون كامبل، موضحا أنها بنيت علي أرقام "كاذبة". فعلي أرض الواقع ارتفع متوسط العمر المتوقع للأفغان نحو سبع سنوات فقط، وليس ٢١ سنة)).


لكن، وفي مثل هذا اليوم التاريخي، بدت المراسم العسكرية غريبة، بل ومخيبة للآمال.


الجنرال جون كامبل قائد القوات الأمريكية وحلف الناتو في أفغانستان، يؤدي التحية العسكرية في حفل إنزال علم التحالف احتفالا ببدأ الإنسحاب 


الرئيس أوباما أصدر بيانه من هاواي بينما كان مسترخيًا في إجازة، أما الحدث نفسه فقد تم تنظيمه في "صالة للألعاب الرياضية"، حيث جلس عشرات الأشخاص علي كراسي قابلة للطي، ولم يكن هناك أي ذكر للعدو الذي حاربوه لأكثر من ١٣ عاما، ناهيك عن أنه لم يوضح أحد كيف سيستسلم ذلك العدو، ولم يهتف أحد من الحاضرين، بدا الأمر وكأنه مباراة رتيبة وضعيفة المستوي في دوري السلة الأمريكي الأشهر عالميا.


في الواقع، لم تكن الحرب قريبة من نهايتها بأي شكل من الأشكال، لا بشكل جدير بالثقة ولا بأي شكل علي الإطلاق.


ستقاتل القوات الأمريكية، وسيموت الجنود في القتال في أفغانستان لسنوات عديدة قادمة.


الإدعاءات التي قدمها القادة الأمريكيين، سياسيين وعسكريين في تلك المرحلة كانت عكس تلك الحقيقة، لقد صنفت هذه التصريحات من بين أفظع الأكاذيب التي استمر قادة الولايات المتحدة في نشرها خلال عقدين، كانت هي كل سنوات الحرب.


التقليص:


علي مدار الثلاث سنوات السابقة لذلك الإعلان، كان الرئيس أوباما يقلص بشكل تدريجي العمليات العسكرية في أفغانستان، برغم ذلك فإنه فشل في إخراج الولايات المتحدة من ذلك المستنقع.


في وقت الحفل، كان هناك ١٠،٨٠٠ جندي أمريكي متبقيين في أفغانستان، كان ذلك يمثل انخفاضا بنسبة ٩٠ في المائة تقريبًا من إجمالي زيادة القوات التي وجد الرئيس أوباما نفسه مضطرا لإرسالها إلى أفغانستان في ولايته الأولى لمواجهة تنامي قوة طالبان.


صاحب ذلك وعد آخر من الرئيس أوباما بسحب باقي القوات بنهاية عام ٢٠١٦، سيكون ذلك التاريخ إذن متزامنا مع نهاية ولايته الثانية، وانتهاء عهده كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، حينها لن يبقي في أفغانستان أي جنود أمريكيين باستثناء القوة التي ستبقي لحماية سفارة الولايات المتحدة هناك.


كان يعلم أن معظم الأمريكيين فقدوا صبرهم تجاه تلك الحرب التي طالت، فووفقا لاحصاء أجرته صحيفة "واشنطن بوست" بالتعاون مع قناة ABC News "ايه بي سي" الإخبارية الأمريكية، فإن ٣٨٪ فقط من الجمهور الأمريكي كان يري أن الحرب في أفغانستان "لا زالت تستحق القتال".


ومع ذلك الاتجاه الشعبي، كان الرئيس أوباما يواجه ضغوطًا معاكسة من البنتاغون والصقور في الكونجرس، حتى يظل محافظا علي استمرار القوات الأمريكية تقاتل في الحرب في أفغانستان. ورغم هذا حاول أوباما اتباع نهج تدريجي مماثل في مكان آخر كانت تدور فيه رحى حرب أخرى... إنها "العراق".


نتائج عكسية:


كان الجيش الأمريكي قد أوقف العمليات القتالية في العراق عام ٢٠١٠، ثم خرج منها تمامًا بعد عام، لكن سرعان ما أدت تلك التحركات إلي نتائج عكسية.


ففي غياب القوات الأمريكية، اجتاح تنظيم سمي نفسه "الدولة الإسلامية" -بدا كأحد فروع القاعدة ثم انشق عنها ثم حاربها- البلاد واستولى على العديد من المدن الكبرى.


لم يبد الجيش العراقي الذي دربته الولايات المتحدة مقاومة تذكر، في نفس السيناريو الذي حدث في أفغانستان، وإن كان العراقيين تماسكوا سريعا ومنعوا داعش من التقدم ثم شنوا هجوما مضادا مدعوم دوليا استعادوا به السيطرة علي الأراضي التي احتلتها داعش. علي عكس أفغانستان التي سقطت كاملة في شهر واحد، وسقطت عاصمتها في يوم واحد فقط  (ففي ١٥ أغسطس ٢٠٢١.. سقطت العاصمة الأفغانية كابل في يد طالبان بغضون ساعات بعد انهيار القوات الأفغانية) 


أراد أوباما تجنب نفس المصير في أفغانستان، لكنه احتاج إلى كسب المزيد من الوقت، لتكمل القوات الأمريكية بناء الجيش الأفغاني الذي كان مهتز الأداء، حتى لا ينهار مثل القوات العراقية، كما أراد خلق نفوذ للحكومة في كابل لإقناع طالبان بالجلوس للتفاوض على إنهاء الصراع.


صنع وهم:


كان علي الرئيس أوباما لتحقيق كل أهدافه أن يصنع وهمًا.


بدأ هو وأفراد إدارته في توجيه حملة رسائل لجعل الشعب الأمريكي يعتقد أن القوات الأمريكية التس ستبقي في أفغانستان ستظل بعيدة عن القتال وأرض المعارك، وأن واجباتهم هناك ستكون "هامشية".


يواصل الكاتب كريج ويتلوك سرد تاريخ الأخطاء التي حدثت في أفغانستان، ويستند في كتابه "أوراق أفغانستان : التاريخ السري للحرب"، في كشف تضليل الرؤساء والقادة الأمريكيين للشعب الأمريكي والعالم كله، علي مقابلات جرت مع أكثر من ١٠٠٠ شخص لعبوا أدوارًا مباشرة في الحرب، بالإضافة إلى آلاف الصفحات من الوثائق التي تم الحصول عليها بموجب قانون حرية المعلومات الأمريكي.


وكما تم إنزال علم التحالف الدولي في الحفل الذي أقيم في كابل في ديسمبر ٢٠١٤، أكد القادة الأمريكيين الذين عينهم أوباما لتحمل المسؤولية في أفغانستان، أن الجيش والشرطة الأفغانية سيتحملان المسؤولية الكاملة عن أمن بلادهم من تلك اللحظة فصاعدًا، وأن قوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ستكلف فقط بأدوار "غير قتالية" كمدربين ومستشارين.


لكن القادة في مبني وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" وضعوا العديد من الاستثناءات التي وبشكل عمليً، جعلت الفروق بلا معنى تقريبًا، وأبقت علي القوات الأمريكية في ساحة المعركة.


مقاتلة اف-١٨ تطير لقصف أهدافها فوق أفغانستان، يبدو في الصورة أحد أفراد طائرة إعادة تموين بالوقود في الجو، The U.S. National Archives, No known copyright restrictions


في السماء، واصلت المقاتلات وقاذفات القنابل والمروحيات والطائرات الأمريكية القيام بمهام قتالية جوية ضد قوات طالبان، وخلال عامي ٢٠١٥ و ٢٠١٦، أطلقت طائرات الجيش الأمريكي صواريخها وقنابلها في ٢٢٨٤ مناسبة.


لقد كان ذلك الرقم يمثل انخفاضا بالفعل عن الضربات في السنوات السابقة، لكنه ظل يعني أن متوسط الضربات الجوية الأمريكية تزيد عن ثلاث مرات يوميا.


على الأرض، صنع البنتاغون استثناءً قتاليًا آخر، إذ دفع بالقوات التي تنفذ "عمليات مكافحة الإرهاب" أو غارات على أهداف محددة.


سمحت قواعد الاشتباك هذه لقوات العمليات الخاصة الأمريكية باعتقال أو قتل أعضاء في تنظيم القاعدة و "القوات المرتبطة بهم". كان مصطلح "القوات المرتبطة بهم" غامض ويمكن أن ينطبق أيضا علي مقاتلي طالبان أو أي مسلحين آخرين.


كما سمحت قواعد الاشتباك تلك للقوات الأمريكية بمساعدة القوات الأفغانية لمنع سقوط أي مدينة رئيسية أو "في ظروف أخرى".


بعبارة أخرى، سيستمر الجيش الأمريكي في لعب دور لا غنى عنه وسيظل في القتال لسنوات أخرى متلاحقة.


مع ذلك، فبعد ١٣ عامًا من النتائج الباهتة أصبح العديد من القادة الأمريكيين يساورهم الشكوك حول ما أنجزوه حقًا، وما إذا كان نهج الرئيس أوباما الجديد يمكن أن يعمل بشكل أفضل من أسلوبه السابق.


فعلي سبيل المثال، قال مسؤول أمريكي كبير لم يذكر اسمه، كان يعمل كمدني في أفغانستان لمقابلات الحكومة لتأريخ ما حدث، أنه سرعان ما أصبح واضحًا أن استراتيجية الرئيس أوباما لزيادة عدد القوات بين عامي ٢٠٠٩ و ٢٠١١ كانت خطأ.


رأي ذلك المسؤول أنه بدلاً من إغراق البلاد بـ ١٠٠،٠٠٠ جندي أمريكي لمدة ١٨ شهرًا، كان من الأفضل إرسال عُشر العدد- لكن تركهم في أفغانستان حتى عام ٢٠٣٠.


"يمكنك تحقيق الاستقرار بأحذية الجنود وبالمال، لكن السؤال هو، هل سيصمد ذلك الاستقرار عند المغادرة؟"... هكذا قال المسؤول الأمريكي واصفا ما حدث، مضيفا: "نظرا لرغبتنا في أن نكثف جهودنا وتواجدنا بشكل سريع، وأن نغادر كذلك بشكل سريع، فلم يكن هناك عتبة معقولة يمكن أن نقول أننا اذا وصلنا إليها سنكون قد تركنا أفغانستان وهي محكومة بنظام حكم رشيد".


استمروا في الكذب:


وسط هذا الواقع، كان هناك هدف آخر وهو الحفاظ علي ما في مخيلة الشعب الأمريكي من أن دور قواتهم في القتال الدائر في أفغانستان قد انتهي.


ولتحقيق ذلك الهدف واصل البنتاغون تقديم تقارير متفائلة من الجبهة.


في فبراير ٢٠١٥، زار آشتون ب.كارتر، وهو رابع شخص يشغل منصب وزير الدفاع في عهد أوباما، أفغانستان وكرر بعض "الأسطر البوليانية" التي رددها أسلافه منذ بداية الحرب.
((بوليانا ‏هي رواية نشرت عام ١٩١٣، بقلم إليانور بورتر، وحققت الرواية نجاحا كبيرا جعلها تصنف من كلاسيكيات أدب الأطفال، وأصبح اسم "بوليانا" مرادفا لأي شخص لديه نظرة متفائلة للغاية. بل ظهر ما يعرف باسم "مبدأ بوليانا" ليصف أي شخص ينحاز تفكيره في اللاوعي نحو الإيجابية)).


ففي مؤتمر صحفي عقده في كابل مع الرئيس الأفغاني أشرف غني، قال وزير الدفاع كارتر: "لقد تغير الكثير هنا، والكثير منه تغير إلى الأفضل، وأولويتنا الآن هي التأكد من استمرار هذا التقدم".


لكن أثناء التوقف في مطار قندهار، ابتعد كارتر عن النص لفترة وجيزة، واعترف بأن الأفغان كانوا غير كفؤين حتى وقت قريب، لقد تعارض ذلك التصريح مع كل التقييمات اللامعة التي قدمها المسؤولون الأمريكيون للجمهور لأكثر من عقد.


يومها، قال وزير الدفاع الأمريكي أن المسألة لا تتعلق بأن الأفغان لا يجيدون القتال، إنهم يستطيعون القتال، لكن قبل بضع سنوات من الآن، لم يكن هناك أي قوة أمن وطنية أفغانية علي الإطلاق... مضيفا: إنهم يقفون على أقدامهم الآن، وقد بدأوا في فعل الأشياء بمفردهم، بعدما كنا قد اعتدنا القيام بها من أجلهم.


برغم ذلك، فلبضعة أشهر، بدا أن خطط إدارة أوباما قائمة برغم هشاشتها، فلقد هدأت الأخبار الواردة من أفغانستان، وظلت القوات الأمريكية بعيدة عن دائرة الضوء.


التوابيت تعود:


لكن مع بدأ سعي قوات الأمن الأفغانية لمواجهة طالبان، استأنف الأمريكيون دفع أرواحهم. وعادت توابيت الجنود الأمريكيين تعرف طريقها من أفغانستان إلي جوف طائرات النقل العسكرية لاعادتها لأمريكا.


توابيت لجنود أمريكيين لقوا مصرعهم في أفغانستان والعراق، شاطئ سانتا مونيكا، كاليفورنيا، Adam Jones from Kelowna, BC, Canada, licensed under the Creative Commons Attribution-Share Alike 2.0 Generic license.


في أبريل ٢٠١٥، لقي جون داوسون مصرعه، كان داوسون مسعف بالجيش يبلغ من العمر ٢٢ عامًا من قرية ويتينسفيل، ماساتشوستس، في هجوم وقع في جلال أباد.


كان الهجوم هذه المرة مختلفا، إذ فتح جندي أفغاني النار على قوات التحالف في مجمع حكومي، مما أسفر عن مقتل داوسون وإصابة ثمانية آخرين، كان الهجوم بمثابة مؤشر خطير عن وجود مواليين لطالبان داخل قوات الأمن الأفغانية، وقد تتالت التقارير مؤخرا عن وقوع خيانات كبيرة في صفوف هذه القوات في المعارك التي اندلعت هذا العام، وانتهت بسيطرة طالبان علي أفغانستان بالكامل.


بعد شهرين، قُتل كريسي ديفيس، وهو مدني يبلغ من العمر ٥٤ عامًا يعمل في وكالة الدفاع اللوجستية -الوكالة المسؤولة عن توفير الأسلحة والأمدادات من الوقود والماء والذخائر للقوات الأمريكية حول العالم-، في هجوم صاروخي على قاعدة باغرام الجوية. إنها نفس القاعدة والتي في موقف هزلي.. القوات الأمريكية تغادر قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان دون اخبار القوات الأفغانية وتترك اللصوص ينهبونها ، مطلع يوليو الماضي.


في أغسطس، قُتل الرقيب الأول/ أندرو ماكينا، وهو جندي من القوات الخاصة ذات القبعات الخضراء green beret، كان يبلغ من العمر ٣٥ عامًا حينما سالت دمائه، أثناء نشره للمرة الخامسة في أفغانستان، حينما اشترك في معركة بالأسلحة النارية عندما أمتلك مقاتلو طالبان الجرأة لشن هجوما علي معسكرًا للعمليات الخاصة في العاصمة كابل.


كان الهجوم علي المعسكر قد بدأ بشق مقاتلي طالبان طريقهم عبر بوابة المعسكر عبر سيارة مفخخة انفجرت لتقتل ثمانية حراس أفغان، وتصيب جنديًا أمريكيًا آخر بجروح خطيرة.


حصل الرقيب الأول/ أندرو ماكينا على النجمة الفضية بعد وفاته -وهي ثالث أعلى وسام في الجيش الأمريكي للبسالة في القتال-، تقديرا لمساعدته في صد الهجوم بينما كان مصابًا بجروح قاتلة.


تواصلت الهجمات، فبعد تسعة عشر يومًا، قُتل الكابتن بالقوات الجوية ماثيو رولاند ، ٢٧ سنة، والرقيب فورست سيبلي، ٣١ عاما، في هجوم آخر شنه جندي أفغاني على نقطة تفتيش للشرطة الأفغانية في ولاية هلمند.


وبدوره، حصل الكابتن رولاند بعد وفاته على النجمة الفضية للتضحية بحياته لإنقاذ باقي أفراد قوات العمليات الخاصة في الكمين.


مع حلول أواخر سبتمبر، اختفى تمامًا الوهم القائل بأن القوات الأمريكية لم تعد تشارك في القتال.


ثم وقعت الواقعة الكبرى والتي بينت مدى تدهور الأوضاع، فبعد حصار طويل، استولت قوات طالبان على قندوز، إنها سادس أكبر مدينة في أفغانستان، التي تقع على بعد حوالي ٢٠٠ ميل شمال كابول.


لقد صدم سقوط قندوز البلاد. كانت هذه هي المرة الأولى منذ عام ٢٠٠١ التي تسيطر فيها طالبان على منطقة حضرية رئيسية.


حينها هرعت فرق القوات الخاصة الأمريكية إلى قندوز لمساعدة الجيش الأفغاني على استعادة المدينة، استمرت المعارك علي مدى عدة أيام من القتال العنيف.


أكثر قتامة:


في عتمة الصباح الباكر يوم ٣ أكتوبر ٢٠١٥، قامت طائرة حربية تابعة للقوات الجوية الأمريكية من طراز إيه سي-١٣٠، -تحمل علامة النداء "هامر"- مرارًا وتكرارًا بمهاجمة مستشفى قندوز بنيران مدافعها.


قتلت النيران الصديقة ٤٢ شخصا في المستشفى الذي كانت تديره مجموعة أطباء بلا حدود الإنسانية.


تم تعديل طائرات سي-١٣٠ وظهرت منها نسخة ايه سي-١٣٠ التي زودت بمدفع شديد القوة والتدمير، وهي نفس الطائرة التي شنت الهجوم علي المستشفي، The U.S. National Archives, No known copyright restrictions


الفاجعة، أنه قد تمت محاولة لحماية المستشفي من أي هجمات، وتم تزويد القوات الأمريكية والأفغانية بإحداثيات GPS للموقع قبل عدة أيام من ذلك الهجوم الدموي، لذلك لم يكن هناك أي عذر للهجوم.


اعتذر أوباما ومسؤولون أمريكيون آخرون عن الكارثة. وفي وقت لاحق، انتهي تحقيق عسكري أمريكي في الحادثة بالقاء اللوم على "ضباب الحرب"، إنها الأخطاء البشرية واعطال المعدات، والتي تسببت فيما سماه التحقيق التدمير "الغير مقصود" للمستشفي.


وقالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إن ١٦ من أفراد الخدمة الأمريكية تلقوا "عقوبات إدارية" لدورهم في الهجوم. لكن لم يواجه أي منهم اتهامات جنائية أو يحاكم أمام أي محكمة.


نتيجة تصاعد الأحداث، وبدلاً من تقليص العمليات العسكرية الأمريكية، غاص أوباما في المستنقع الأفغاني أكثر فأكثر. فبعد اثني عشر يومًا من كارثة سقوط قندوز، أمر الرئيس الأمريكي بوقف الانسحاب البطيء للقوات الأمريكية، ومدد مهمتهم إلى أجل غير مسمى لمنع طالبان من اجتياح المزيد من المدن.


نقض الرئيس وعده، وقال إن ما لا يقل عن ٥٥٠٠ جندي سيبقون في أفغانستان بعد مغادرته منصبه في يناير ٢٠١٧.


ومن غرفة روزفلت بالبيت الأبيض، قال أوباما: "أنا لا أؤيد فكرة الحرب التي لا نهاية لها، ولقد جادلت مرارًا وتكرارًا ضد السير في صراعات عسكرية مفتوحة، لكن نظرا لأن الوضع علي المحك في أفغانستان، فأنا مقتنع تمامًا بأنه يتعين علينا بذل هذا الجهد الإضافي".


الشك:


على الرغم من المزايا الهائلة التي أصبح الجيش الأفغاني يمتلكها من حيث العدد والعتاد والتدريب، خشي المسؤولون الأمريكيون من أن يخسر حلفاؤهم ضد طالبان إذا غادر الجنود الأمريكيون ساحة المعركة.


وفي لحظة عابرة من الصراحة، أقر أوباما بأن "القوات الأفغانية ما زالت ليست بالقوة التي تحتاجها".


برغم ذلك، ولجعل الحرب التي لا نهاية لها أكثر قبولا للشعب الأمريكي، أبقى أوباما على الوهم القائل بأن القوات الأمريكية (مجرد متفرج علي القتال).


في ملاحظاته من غرفة الرئيس روزفلت بالبيت الأبيض، أصر الرئيس أوباما مرة أخرى علي أن "المهمة القتالية في أفغانستان قد انتهت"، وذلك برغم من أنه قد أعطي المستمعين جرعة قليلة من الحقيقة عندما قال أن الأمريكيين لم يشاركوا في "قتال بري كبير ضد طالبان".


لكن بالنسبة للقوات علي الأرض في أفغانستان، لم يكن تفرقة الرئيس أوباما في الكلمات والمصطلحات والأوصاف ليشكل أي فرق علي أرض الواقع، ظلت أفغانستان منطقة قتال، كما ظل جميع الجنود يحملون أسلحة، وقد حصلوا جميعًا على أجور ومرتبات قتالية، كما تم منح بعضهم الأوسمة القتالية، وبالتأكيد سوف يموت المزيد منهم.


مع اقتراب عام ٢٠١٥ من نهايته، كان مقاتلي طالبان قد اكتسبوا المزيد من القوة، وبدأ القادة العسكريين الأمريكيين يظهرون بعض ومضات التشاؤم.


فهاهو آشتون ب.كارتر، وزير الدفاع، يعود لزيارة أفغانستان، حيث ستتغير لهجته من الثناء علي قوات الأمن الأفغانية إلي توجيه انتقادات شديدة، وفي خطابه للجنود الأمريكيين في قاعدة "جلال أباد" قال كارتر أن ثقته في الجيش والشرطة الأفغانية "محدودة".


مضيفا: "لو كنتم طلبتم مني الرهان علي القوات الأفغانية قبل خمس سنوات من الآن، لا أعرف.. فربما كنت قد أعطيتكم احتمالات أو شيء من هذا القبيل، لكننا سنعمل سويا".


بعد ثلاثة أيام فحسب، وفي ٢١ ديسمبر، قتل مهاجم انتحاري يحمل متفجرات على متن دراجة نارية كان يستقلها ستة من أفراد الأمن التابعين للقوات الجوية الأمريكية في دورية راجلة بالقرب من قاعدة باغرام.


من بين القتلى: الرائد أدريانا فورديربروجن، ٣٦ عامًا، خريجة أكاديمية القوات الجوية.


عام التحولات:


مع دخول الحرب لعامها الخامس عشر، واجهت الولايات المتحدة مقاتلين جدد مولعين بالقتال في أفغانستان، وبدأت خطوط الصدع القديمة في أخذ تحولات ومنحنيات غير مألوفة.


اذ توسع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، الشبكة الإرهابية سريعة النمو في العراق وسوريا، إلى أفغانستان. بحلول أوائل عام ٢٠١٦ قدر المسؤولون العسكريون الأمريكيون أن الفرع المحلي لداعش كان يضم ما بين ١٠٠٠ و ٣٠٠٠ مقاتل ، معظمهم أعضاء سابقون في طالبان.


أدى ظهورهم إلى اتساع الحرب وجعلها أكثر تعقيدا، وفي يناير ٢٠١٦، وافق البيت الأبيض على قواعد اشتباك جديدة تسمح للقوات الأمريكية بمهاجمة تنظيم داعش في أفغانستان.


أدى ذلك بدوره إلى تصاعد الضربات الجوية ضد الجماعة التي تركزت عملياتها في شرق أفغانستان بالقرب من الحدود الباكستانية.


في تلك المرحلة، أقر الجيش الأمريكي بأن خصمه الأصلي في الحرب -القاعدة- قد اختفى من أفغانستان.


"في حد ذاتهم، لا نعتقد أنهم يشكلون تهديدًا حقيقيًا لنا أو للحكومة الأفغانية"، كانت تلك تصريحات الجنرال تشارلز كليفلاند، المتحدث باسم القوات الأمريكية للصحفيين في مايو ٢٠١٦.


وعرض الجنرال كليفلاند أن حوالي ١٠٠ إلى ٣٠٠ من أفراد القاعدة فقط، هم من حافظوا على "نوع من الوجود" في أفغانستان.


فبعد خمس سنوات من مقتل أسامة بن لادن، بالكاد كان تنظيمه يسجل حضوره في القتال.


غلاف صحيفة واشنطن بوست في اليوم التالي لمقتل أسامة بن لادن علي يد القوات الخاصة الأمريكية والعنوان أن العدالة قد تحققت، Attribution 2.0 Generic (CC BY 2.0)


في غضون ذلك، وضع البنتاغون طالبان في فئة جديدة غامضة وتصنيف غريب، إذ كانت لا تزال قوة معادية ولكن ليس بالضرورة العدو!!!.


اذ خلص مسؤولو إدارة أوباما إلى نتيجة مفادها أن الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار في أفغانستان، هي أن تتفاوض الحكومة الأفغانية على اتفاق سلام مع طالبان.


بالفعل، كان هناك محاولات سابقة لبدء عملية المصالحة، لكنها لم تسفر عن أي شيء. أراد المسؤولون الأمريكيون المحاولة مرة أخرى، وقرروا معاملة طالبان بشكل مختلف على أمل إقناع قادتها بالجلوس إلى طاولة المفاوضات.


كنتيجة لفرض البنتاغون لقواعد اشتباك جديدة، أصبح بموجبها للقوات الأمريكية أن تهاجم بحرية مقاتلي داعش وبقايا تنظيم القاعدة، لكن هذه القواعد لم تمكنهم من محاربة مقاتلي طالبان إلا في حالة الدفاع عن النفس، أو إذا كانت قوات الأمن الأفغانية على وشك الانهيار.


بعبارة أخرى، اعطت تلك القواعد الجديدة للاشتباك وضعا جديدا لطالبان، مكنها من زيادة قوتها دون خوف، أي أنهم طالما ظلوا بعيدا عن الأمريكيين فسيكونون في مأمن من الغارات والهجمات الأمريكية. سيكشف التاريخ ما اذا كانت تلك الخطوة واحدة من أغبي القرارات في تاريخ الحروب، أو محض تواطُؤ من القيادة الأمريكية.


حتى المشرعين الأمريكيين في الكونغرس، أصابهم الارتباك بسبب هذا النهج الجديد، ففي جلسة استماع للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ في فبراير ٢٠١٦، طلب السناتور ليندسي أو.جراهام (سيناتور جمهوري شهير من ساوث كارولينا) من الجنرال كامبل بعض التوضيحات.


-"هل طالبان عدو لهذا البلد؟" سأل جراهام.


-أجاب كامبل: "لم أسمع السؤال".


-"هل طالبان عدو للولايات المتحدة؟" كرر جراهام السؤال.


-بدأ الجنرال كامبل يجاوب متلعثما، ويقول:"طالبان، بقدر ما تساعد القاعدة، وحقاني، وجماعات متمردة أخرى، كانت طالبان مسؤولة عن.... ".


-قاطعه جراهام وسأل عدة مرات عما إذا كان مسموحًا للجيش الأمريكي بمواصلة الهجوم ومهاجمة قوات طالبان أو قتل كبار قادتها؟.


-قال كامبل متجنبًا الإجابة الواضحة: "سيدي، مرة أخرى، أنا لا أخوض في قواعد الاشتباك في جلسة استماع مفتوحة، وما أود أن أقوله لكم هو أن بلادنا اتخذت القرار بأننا لسنا في حالة حرب مع طالبان".


لكن طالبان كانت تري أنها لا تزال في حالة حرب ضارية مع الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية، ومن وجهة نظر قادة طالبان ، كان القتال يسير على ما يرام.


في عام ٢٠١٦، اجتاح مقاتلي طالبان قندوز مرة أخرى، وقصفوا العاصمة كابل مرارًا، وسيطرت طالبان على معظم ولاية هلمند، إنها قلب حزام زراعة الأفيون المربح في أفغانستان.


أما في واشنطن، عادت المخاوف لترتفع من أن الحكومة الأفغانية معرضة لخطر الانهيار السياسي. بعد أن وصف أوباما الوضع بأنه "محفوف بالمخاطر"، لقد عكس الرئيس موقفه مرة أخرى في يوليو ٢٠١٦.


فبدلا من الانسحاب، وتخفيض القوات الأمريكي إلى ٥٥٠٠ جندي كما كان مخطط له، أمر أوباما المزيد من القوات الأمريكية بالبقاء في أفغانستان. ومع حلول الوقت الذي غادر فيه البيت الأبيض في يناير ٢٠١٧، كان هناك حوالي ٨٤٠٠ جندي أمريكي في أفغانستان.


في الشهر التالي، ظهر الجنرال جون نيكولسون جونيور، إنه خليفة الجنرال كامبل كقائد عام للقوات في أفغانستان، أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ. وعند سؤاله عما إذا كانت الولايات المتحدة تربح أم تخسر الحرب في أفغانستان، أجاب: "أعتقد أننا في مأزق".


مع ذلك ، يبدو أن الجنرال نيكلسون قد تنبأ في شهادته بما كان يخبئه الرئيس الجديد، دونالد ترامب. إذ قال نيكولسون: "القدرة الهجومية هي التي ستكسر الجمود في أفغانستان".


في المصطلحات العسكرية، فإن "القدرة الهجومية" مصطلح يعني المزيد من القوات والمزيد من الأسلحة.

-----

ترجمة المعرفة للدراسات للجزء الثاني من تقرير من واشنطن بوست عن كتاب أوراق أفغانستان : التاريخ السري للحرب. 

الكتاب بقلم "كريج ويتلوك" مراسل تحقيقات في الواشنطن بوست في قضايا الأمن القومي، وعمل مراسلا لشؤون وزارة الدفاع الأمريكية، كما قام بالعمل كمراسل في أكثر من ٦٠ دولة، ومن المقرر طرحه للقراء في ٣١ من أغسطس الجاري ٢٠٢١.

قال الرئيس بايدن يوم الجمعة ٢٠ أغسطس ٢٠٢١، إن الولايات المتحدة أجلت حوالي ١٣ ألف شخص من أفغانستان منذ ١٤ أغسطس / آب، وأضاف الرئيس في تصريحات بالبيت الأبيض: "أي أميركي يريد العودة إلى الوطن ، سنعيدك للوطن".


بينما قال الرئيس السابق دونالد ترامب أن قرار الإنسحاب من أفغانستان قد يكون أسوء هزيمة في تاريخ الولايات المتحدة، وأن بايدن لم يتبع الخطة التي كان قد وضعها هو خلال رئاسته.


من جانبه وصف توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الذي شن الحرب مع حليفه جورج دابيلو بوش في العام ٢٠٠١، الإنسحاب الأمريكي بأنه "تصرف أحمق".

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -