زدني معرفة

في موقف هزلي.. القوات الأمريكية تغادر أكبر قاعدة بأفغانستان واللصوص ينهبونها

 تقرير مترجم من وكالة "الأسوشيتد برس"، اعده مراسلها في أفغانستان "تميم أخجار".

جندي افغاني عند ممر القاعدة الرئيسي، لم تصل القوات الأفغانية الا بعد ساعات من مغادرة الأمريكيين. 

ليلا، وفي جنح الظلام، ودون أن يخبروا القيادة الأفغانية الجديدة للقاعدة التي كان من المقرر أن تتسلمها بشكل رسمي، غادرت القوات الأمريكية "قاعدة باغرام الجوية.. Bagram Airfield" في أفغانستان بعد قرابة عشرين عاما من وجودها هناك، عندما شن تحالف دولي قادته الولايات المتحدة الأمريكية لغزو أفغانستان، فيما سماه الرئيس الأمريكي حينذاك (جورج دابيلو بوش) بالحرب ضد الإرهاب.


غادروا ليلا:


ليل الجمعة الماضية، فجأة، انقطع التيار الكهربائي عن القاعدة الجوية مترامية الأطراف، وفي ظلام الليل، أخذ الجنود الأمريكيين في المغادرة بدون حتى أن يخبروا القائد الأفغاني الجديد للقاعدة، حسبما نقلت وكالة أنباء "أسوشيتد برس".


واذا كان ذلك تصرفا مدهشا من أقوي جيش في العالم، فربما يكون مدهشا بدرجة أكبر أن الأفغان، ووفقا لتصريحات مسئوليهم العسكريين أنفسهم، لم يكتشفوا رحيل الأمريكيين إلا بعد مرور ما يزيد عن ساعتين.


اثار هذا التصرف الأمريكي العديد من علامات الاستفهام حول الطريقة التي غادروا بها القاعدة التي مثلت لسنوات متعاقبة البؤرة الأمريكية للإطاحة بطلبان، وهو الأمر الذي فشلوا في تحقيقه، وطالبان اليوم تواصل ضم أراضي جديدة لسيطرتها، بهزيمتها للقوات الحكومية فيها.


من قاعدة باغرام الجوية انطلق الأمريكيين لسنوات يطاردون مرتكبي هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي شنها تنظيم القاعدة علي أمريكا.


الانسحاب صيفا:


الولايات المتحدة، كانت قد اعلنت رسميا يوم الجمعة الماضي أنها قد أخلت بشكل كامل تواجدها في أكبر مطاراتها في أفغانستان تمهيدا للانسحاب النهائي.


تقول وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" أن الانسحاب سيكتمل تماما بحلول نهاية شهر أغسطس.


الجنرال "مير أسد ﷲ كوهستاني"، وهو القائد الأفغاني الجديد لقاعدة باغرام، أدلي بدوره بتصريح غريب أيضا، عندما تحدث أنه قد وصلته أخبار، ظنها شائعات حسب قوله، تفيد أن الأمريكيين قد غادروا باغرام، لكنه لم يتأكد منها تماما إلا عند السابعة صباحا، في ذلك الوقت كان قد مضي علي مغادرة آخر جندي أمريكي ما يزيد عن ساعتين.


أما المتحدث العسكري الامريكي، الكولونيل "سوني ليجيت"، فلم يتطرق للحديث عن الشكاوي التي وصلت من العديد من الجنود الأفغان الذين ورثوا المطار الذي هجره الأمريكيين، بدلا من ذلك بدأ في الحديث عن بيان الجيش الأمريكي عن الإنسحاب العام.


بيان الانسحاب:


البيان الصادر عن الجيش الأمريكي قال أن تسليم عددا من القواعد الأمريكية في أفغانستان، جاء بعد وقت قصير من إعلان الرئيس "جو بايدن" في منتصف نيسان/أبريل الماضي، أن أمريكا ستسحب قواتها من أفغانستان.


أضاف الكولونيل سوني ليجيت في ذلك البيان أن هناك تعاون مع القادة الأفغان لتنسيق رحيل القوات الأمريكية... لكن جاءت واقعة قاعدة باغرام الجوية لتثير الكثير من التساؤلات حول مدى هذا التنسيق، بل عن وجوده من الأصل.


لصوص في باغرام:


لكن، وليزيد الأمر هزلا علي هزل، فوفقا للبيان الذي أصدره الجيش الأفغاني، فإنه وقبل علم قواته بالانسحاب الأمريكي وتحركها للسيطرة علي المطار الذي يبعد حوالى ساعة بالسيارة عن العاصمة كابول.


قبل حدوث هذا، كان جيشا صغيرا من اللصوص قد استغل انقطاع الكهرباء عن باغرام، وقاموا بغزو القاعدة الفارغة من شمالها، حطموا الحاجز الأول، ونهبوا ما فيها ثكنة بعد ثكنة ومباني، كما نقبوا في خيام التخزين الضخمة بالمعسكر، كانوا يسرقون ويحملون المسروقات في شاحنات اتوا بها، ولم ينصرفوا من القاعدة إلا بعد وصول قوات الجيش إليها، والتي قامت بطردهم منها. 



انتشر اللصوص في أرجاء القاعدة بعد مغادرة القوات الأمريكية وانقطاع الكهرباء. 

وحتى بعد مرور ثلاثة أيام علي المغادرة الأمريكية الصامتة، ظل الجنود الأفغان يجمعون أكواما من القمامة تضمنت زجاجات مياه فارغة، ومشروبات طاقة، خلفها اللصوص ورائهم.


عبد الرؤوف، وهو جندي أفغاني منذ عشرة سنوات، خدم خلالها في معاقل طالبان في قندهار وهلمند، قال لوكالة أسوشيتد برس، أنه ومن معه من جنود، ظنوا في بداية الأمر أن اللصوص هم من مقاتلي طالبان، مضيفا أنه قد وردهم اتصالا من الأمريكيين في وقت لاحق، قالوا فيها: ((مرحبا أيها الرفاق الأفغان، نحن الآن في مطار كابول)).


عبد الرؤوف، ومن معه من الجنود الأفغان الذين أخذوا يتجولون في أرجاء القاعدة، انتقدوا كيفية مغادرة الولايات المتحدة لباغرام ليلا، وبدون اخبار الجنود الأفغان المكلفين بتسيير دوريات في محيطها، واصفا ما حدث بأنه بمجرد مرور ٢٠ دقيقة علي مغادرة الأمريكيين الصامتة، قطعت الكهرباء، وغرقت القاعدة في ظلام دامس.


جندي آخر يدعي نعمة ﷲ، قال للأسوشيتد برس: "في ليلة واحدة، فقدوا كل النوايا الحسنة التي جمعتنا بهم طوال عشرين عاما، لقد غادروا القاعدة في الليل، دون حتى عناء اخبار الجنود الأفغان الذين كانوا يقومون خارجها بدوريات حول منطقتها".


رغم كل هذا العبث، فإن الجنرال الأفغاني كوهستاني، الذي سيحمل علي عاتقه مسئولية القاعدة والتي تضم كذلك سجنا كبيرا تصل سعته لاستيعاب ٥ آلاف سجينا، يعتقد أن بعضا منهم من حركة طالبان، أصر علي أن القوات الأفغانية يمكنها أن تتمسك بالقاعدة شديدة التحصين، وذلك برغم سلسلة الانتصارات المتتالية التي تحققها طالبان حاليا في أنحاء متفرقة من أفغانستان.


قاعدة باغرام:


عندما عرض الجيش الأفغاني صورا للقاعدة التي كانت مستخدمة من قبل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بشكل حصري، وجد الناس منشأة ضخمة للغاية.


فقاعدة باغرام تأخذ حجم هائلا غير معتاد يصل إلي كونها مدينة صغيرة، مع شبكة طرق تصل بين المباني والثكنات وحظائر الطائرات.


هناك أيضا مدرجان لاقلاع وهبوط الطائرات، يبلغ طول أحدهما ١٢،٠٠٠ قدم (أي ما يعادل ٣٦٦٠ متر)، وتم بناؤه عام ٢٠٠٦.


كذلك توجد أماكن يتجاوز عددها المائة، مخصصة ومجهزة لوقوف الطائرات المقاتلة بها.


تعرف هذه الأماكن باسم (الفوهات)، بسبب جدرانها المصممة خصيصا لتحمي الطائرات من الانفجارات.


بخلاف كل هذا، يوجد صالة للركاب، ومستشفي بسعة ٥٠ سريرا، وخيام عملاقة بحجم حظيرة الطائرات، مليئة بالامدادات. كانت باغرام مكانا احتوى في السابق ما يصل إلي ١٠٠ ألف جندي أمريكي.


الجنرال كوهستاني قال أن الامريكيين تركوا خلفهم ٣،٥ مليون قطعة من كل شيء، فهناك عشرات الآلاف من زجاجات المياه، مشروبات الطاقة، الوجبات العسكرية الجاهزة، وكلها مصنوعة من أجل الجيش الأمريكي.


مضيفا: ((عندما أقول ٣،٥ مليون قطعة، فهذا يشمل كل الأشياء الصغيرة التي تركوها خلفهم وغادروا، هذا يشمل الهواتف، مقابض الأبواب، النوافذ، الأبواب نفسها)). 



حشد من السيارات المتراصة، تركها الأمريكيين وغادروا، الصورة الأصلية بعدسة رحمت غول، صورة من وكالة الأسوشيتد برس. 


الأشياء الكبيرة التي تركها الأمريكيين تشمل الآلاف من المركبات المدنية، لكن العديد منها بدون مفاتيح تشغيلها، كما تركوا أيضا المئات من المركبات العسكرية المدرعة.


الجنرال مير أسد ﷲ كوهستاني، قال أن الامريكيين تركوا أسلحة خفيفة في القاعدة مع ذخائرها، بينما أخذوا معهم الأسلحة الثقيلة، لكنهم قاموا بتفجير ذخائر أسلحة عوضا عن تركها للجيش الأفغاني ليستخدمها!!!.


ماذا بعد:


أصبح من الواضح للجميع أن هذا التفوق العسكري الذي حققته حركة طالبان مؤخرا في ساحة المعركة، جاء بعد انسحاب معظم القوات الأمريكية ومن معها من قوات عدة دول من حلف شمال الأطلسي NATO من البلاد.


اعتبارا من الاسبوع الماضي، يكون قد غادر معظم جنود حلف الناتو بهدوء، ومن المرجح أن يظل اخر جندي أمريكي في البلاد حتى التوصل لاتفاق حماية مطار (حامد كرزاي الدولي)، وهو مطار العاصمة كابول، وتشير التوقعات إلي أن الأتراك هم من ستوكل إليهم تلك المهمة.


في غضون ذلك، لا تبدو الامور علي الأرض مبشرة بخير، ففي شمال أفغانستان تتساقط حاليا المدينة تلو الأخرى، وفي اليومين الماضيين فقط، فر مئات من الجنود الأفغان عبر الحدود إلي دولة طاجيكستان المجاورة بدلا من التصدي للمتمردين وقتالهم علي أرض المعركة.


لكن الجنرال "مير أسد ﷲ كوهستاني" قدم تبريرا جديدا لذلك بقوله: (في المعركة، قد تأخذ خطوة إلي الأمام، وبعض الخطوات إلي الخلف).


مضيفا أن الجيش الأفغاني حاليا يبدل إستراتيجيته ليركز فقط علي المناطق الاستراتيجية. وبدون أن يوضح لوكالة "أسوشيتد برس" كيف سيتم ذلك، كان مصرا أن الجيش الأفغاني سيستعيد المناطق التي فقدها في غضون أيام.


قال كوهستاني أيضا إن مشاركة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في أفغانستان لما يقرب من ٢٠ عامًا موضع تقدير، لكن حان الوقت الآن لتكثيف جهود الأفغان أنفسهم.


" علينا حل مشكلتنا. علينا تأمين بلدنا ومرة أخرى علينا أن نبني بلادنا بأيدينا".

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -