زدني معرفة

حرقوص بن زهير أو "ذو الخويصرة التميمي".. أول الخوارج في الإسلام.. وأستاذ داعش منذ عصر النبي

 الخوارج، شجرة ملعونة خبيثة، نبتت في أرض الإسلام منذ عهد رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم، إلي يومنا هذا. 

تعبيرية


ولعل أبرز مثال علي التخلف الفكري والعقدي والإيماني لهؤلاء، أن أولهم حرقوص بن زهير، والملقب "ذو الخويصرة التميمي"، خرج علي رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم نفسه، ورماه بالظلم!!!. فكيف لمسلم أن يري رسوله الذي يؤمن به هكذا.

ثم يمتد الأمر، ويخرج حرقوص بن زهير "ذو الخويصرة التميمي" علي أمير المؤمنين علي بن ابي طالب -كرم ﷲ وجهه-، ويري نفسه أقدر منه علي تحكيم حكم ﷲ!!.


غنائم حنين:


كانت نفوس المسلمين سعيدة مغتبطة، فلقد نصرهم ﷲ في حنين بعد عسرة وتقهقر، كان نصرا صعبا، خصوصا مع الإنسحاب الغير منظم في بدايته لجيش المسلمين، وثبات رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم في أرض المعركة هو وحفنة من الصحابة الأكابر.


ثم انقلبت الآية، وكر المسلمين علي عدوهم حتى جاء نصر ﷲ، وجاءت غنائم المعركة وفيرة، بل من أكثر ما غنم المسلمين في عهد النبوة، فالطائف يومها كانت إحدي ثلاث مدن فقط مع مكة والمدينة في أرض العرب.


وجلس صلى ﷲ عليه وسلم بعد العودة إلي المدينة لتوزيع تلك الغنائم، وكانت أربعة وعشرين ألف بعير، وأربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية من فضة، وغيرها.


ومن يقرأ في توزيع الرسول صلى ﷲ عليه وسلم للغنائم يجد أن هناك نسبة شرعية كان سيدنا صلى ﷲ عليه وسلم يعتمدها دوما، وهي أربعة أخماس للجيش الذي حارب، والخمس للدولة.


لكن المصطفى صلى ﷲ عليه وسلم، أراد في حنين أن يستغل الغنائم في تأليف قلوب "المؤلفة قلوبهم"، وهم الطلقاء من أهل مكة الذين دخلوا الإسلام بعد الفتح، فرأي أن يعطيهم من الخمس الخاص للدولة، وهو تصرف سياسي حكيم، وتقوية للدولة نفسها بتأليف قلوب سادة قريش وهم من كبار سادة العرب، بخلاف أن المؤلفة قلوبهم لهم أصلا سهم من سهام الزكاة الثمانية، والمقصود هنا أن الحكمة ذاتها والمتمثلة في تأليف القلب موجودة، وإن اختلف مصدر المال.


اختار النبي صلى ﷲ عليه وسلم، كل من أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية، والأقرع بن حابس، وقيس بن عدي، ومعاوية ويزيد أبنا ابي سفيان... وأجزل لهم جميعا العطاء من غنائم حنين.


وهاهي حكمة النبي صلى ﷲ عليه وسلم تثمر بشكل لحظي، ويقف صفوان بن أمية بن خلف، ابن الرجل الذي حارب الإسلام ورسوله طويلا، ولم يدع حرب هذا الدين حتى قتله الصحابي "بلال بن رباح" في غزوة بدر، ها هو صفوان ابنه يقف ويقول: ((لقد أعطاني رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي)).


الأنصار:


من بين الجلوس من المسلمين جميعا، الأنصار منهم والمهاجرين، أحس النبي صلى ﷲ عليه وسلم أن بعضهم قد نظروا إلي ما حدث فلم يحبوه، وإن ظل اعتراضهم داخل النفوس، ولم ينطق أحد بكلمة اعتراض واحدة.


وبحكمته النبوية، وصفاء بصيرته، أدرك المصطفي صلى ﷲ عليه وسلم ، ما يدور في خلجات نفوس القوم، إنه رسولهم، وصاحبهم، يعرفهم، قاتلوا سويا، وجاهدوا سويا، وعاشوا في جنبات المدينة لسنوات متتالية فاتحين بيوتهم له وللمهاجرين بدينهم إلي يثرب التي أصبحت المدينة المنورة بقدومه صلى ﷲ عليه وسلم... هذه هي أحدي الروايتين.


وفي رواية ثانية أن الصحابي الجليل "سعد بن عبادة" جاء لرسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم ، وأخبره أن حيا من أحياء الأنصار لم ينالوا نصيبا في الغنائم، وأنهم تحدثوا بين بعضهم حول عطاء الرسول صلى ﷲ عليه وسلم لسادة قريش ومعهم بعض قبائل العرب غيرهم، ولم يعطيهم.


فأمره رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم أن يجمع له أهل هذا الحي، فلما جمعهم وقف المصطفي وحدثهم فقال:

"يا مَعشَرَ الأنْصارِ، ما قالَةٌ بَلَغَتْني عنكم، وجِدَةٌ وَجَدتُموها في أنْفُسِكم؟! أَلَمْ آتِكم ضُلَّالًا فهَداكمُ اللهُ؟ وعالةً فأغْناكمُ اللهُ؟ وأعداءً فألَّفَ اللهُ بيْنَ قُلوبِكم؟ قالوا: بَلِ اللهُ ورسولُه أمَنُّ وأفضَلُ، قال: ألَا تُجيبونَني، يا مَعشَرَ الأنْصارِ؟ قالوا: وبماذا نُجيبُكَ يا رسولَ اللهِ؟ وللهِ ولرسولِه المَنُّ والفَضْلُ، قال: أمَا واللهِ لو شِئتُم لَقُلتُم، فلَصَدَقتُم وصُدِّقتُم، أَتَيتَنا مُكذَّبًا فصَدَّقْناك، ومَخذولًا فنَصَرْناك، وطَريدًا فآوَيْناك، وعائِلًا فآسَيْناك، أوَجَدتُم في أنْفُسِكم يا مَعشَرَ الأنْصارِ، في لُعاعةٍ من الدُّنيا، تَألَّفتُ بها قَومًا لِيُسلِموا، ووَكَلتُكم إلى إسْلامِكم، أفَلا تَرضَوْنَ يا مَعشَرَ الأنْصارِ، أنْ يَذهَبَ النَّاسُ بالشَّاةِ والبَعيرِ، وتَرجِعون برسولِ اللهِ في رِحالِكم؟ فوالَّذي نَفْسُ مُحمَّدٍ بيَدِه، لولا الهِجْرةُ لَكُنتُ امرَأً من الأنْصارِ، ولو سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وسَلَكَتِ الأنْصارُ شِعْبًا، لَسَلَكتُ شِعْبَ الأنْصارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأنْصارَ، وأبْناءَ الأنْصارِ، وأبْناءَ أبْناءِ الأنْصارِ! قال: فبَكى القَومُ، حتى أخْضَلوا لِحاهُم، وقالوا: رَضِينا برسولِ اللهِ قَسْمًا وحَظًّا، ثُمَّ انصَرَفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتَفَرَّقوا".


وتتفق الروايتان في أن الرسول صلى ﷲ عليه وسلم قد خطب في الأنصار بتلك الكلمات، الكلمات التي أبكت الأنصار من الرضا، الأنصار الذين ضحوا بالمال، والمنزل والحياة، فداء للرسول صلى ﷲ عليه وسلم ولدينه، كان يختلفون تماما عن المؤلفة قلوبهم، الذين يحتاجون لما يشجعهم علي تأليف قلوبهم بعد طول العداء مع الدين ورسوله.


هذه هي السياسة النبوية التي تدرك طينة البشر، وتعرف مع من تتعامل، واحتياجات كل فئة.


حرقوص يظهر:


وسط هذا المشهد، يدخل رجل علي رأسه أثر السجود، يقتحم الصفوف، ويقف مخاطبا النبي صلى ﷲ عليه وسلم بغلظة ويناديه باسمه مجردا من رسول ﷲ،، فيقول له: يا محمد، قد رأيتك وما صنعت في هذه الغنائم.


فيجيبه النبي صلى ﷲ عليه وسلم قائلا: وكيف رأيت؟.


فيرد حرقوص بن زهير "ذو الخويصرة التميمي" بجواب تنخلع منه قلوب كل المسلمين، ولا يتصور عاقل أن يخاطب به أحد الناس نبيه الذي يؤمن به فيقول: لم أرك عدلت.


فيقول المصطفى صلى ﷲ عليه وسلم مذكرا نفسه بأحد أولى العزم من الرسل: قد أوذي موسي بأكثر من ذلك فصبر.


ثم يوجه حديثه لحرقوص قائلا: ويلك، إذا لم يكن العدل عندي، فعند من يكون يا رجل.


ويقف عمر بن الخطاب الفاروق، ويقول للرسول صلى ﷲ عليه وسلم: ائذن لي لأضرب عنقه.


فيرد الرسول صلى ﷲ عليه وسلم، بكلامه الواصف بدقة لكل الخوارج طوال التاريخ فيقول: دعه يا عمر.. فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم (يعني لا يفقهونه بل يمر من حناجرهم فحسب)، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء (أي أنهم لا ينتمون للإسلام ولا ينتفعون بأحكامه) ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء وهو القدح ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تتدردر (في يده شيء يشبه حلمة ثدي المرأة) يخرجون على حين فرقة من الناس (يخبر النبي صلى ﷲ عليه وسلم أنهم سيخرجون حين يحدث تفرق بين المسلمين).


وقال عدد من المفسرين أن حرقوص بن زهير "ذو الخويصرة التميمي" هو من نزلت فيه الآية الكريمة: ((وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)) الآية ٥٨ من سورة التوبة.


يغادر حرقوص مجلس النبي صلى ﷲ عليه وسلم ساخطا، وقد نال هو أيضا سخط ﷲ ورسوله والمؤمنين، ولكن أمره لم ينتهي، بل كانت تلك مجرد البداية.


العصيان:


تدور الأيام وتمضي، ونصل لخلافة سيدنا علي أبو الحسن والحسين، وبدلا من أن يراجع حرقوص هذا نفسه، فإنه يمضي في غيه، ويفعل ما أخبر به رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم من الخروج هو وأصحابه علي الخليفة في وقت الخلاف بين علي -كرم ﷲ وجهه-، ومعاوية بن ابي سفيان.


ففي أحد أيام الجمعة، وعلي بن ابي طالب، يقف علي المنبر يخطب في الناس، إذ ببعض الخلق في المسجد ينتهكون حرمة الجمعة، وحرمة الكلام فيها، ويهتفون: إن الحكم إلا لله.


فيرد عليهم علي رضي ﷲ عنه ويقول : ﷲ أكبر.. ﷲ أكبر، كلمة حق يراد بها باطل، أن سكتوا عممناهم، وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم.


فيهب حرقوص بن زهير ويعلي صوته بقوله: الحمد للّه، غير مودع ربنا، ولا مستغني عنه، اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا، فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر ﷲ عز وجل، وذل راجع بأهله إلي سخط ﷲ ، يا علي.. أبالقتل تخوفنا؟، أما وﷲ إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات، ثم لتعلمن أينا أولى بها صليا.
((يلاحظ التشابه الشديد بين كلمات خوارج عصرنا من داعش وغيرهم، بهذه الكلمات للخارج الأول حرقوص بن زهير "ذو الخويصرة التميمي")).


ويقوم حرقوص بن زهير ومن معه من الخوارج فيغادرون المسجد، وفي هذا إعلان للخروج عن الحاكم، بل وتكفيره وترك صلاة الجمعة معه، وهي فكرة عرفتها الخوارج حتى يومنا هذا.


ومن فوق منبر رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم ، يقف علي رضي ﷲ عنه ليعلن سياسته معهم، فيقول: أما إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا، لا نمنعكم مساجد ﷲ أن تذكروا فيها أسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدءونا.


الخروج:


كان موقف حرقوص بن زهير "ذو الخويصرة التميمي" هو ومن معه من الخوارج في المسجد إيذانا ببدأ الخوارج في التحرك علنا.


وبدأ ينضم إليهم من هم أمثالهم، ويدعون جميعا لجعل أمر الناس بلا خليفة، مدعين أن لا حكم إلا لله وأن الخليفة لا يجوز له الحكم بعدما قبل التحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، في منطق معوج ينم عن عقول لا تفقه شيئا من أمر دينها أو دنيتها.


وقد كان رد الإمام علي عليهم بأن قولهم "إن الحكم إلا لله" هي مقولة الحق التي يراد بها الباطل، فلابد للناس أن يكون لهم أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بر ويستراح من فاجر.


(وفي رواية أخرى أنه عليه السلام لما سمع تحكيمهم قال) حكم ﷲ أنتظر فيكم.


وبينما كان الإمام علي يستعد لاستئناف القتال مع معاوية بن أبي سفيان في الشام، كان الخوارج يهيئون أنفسهم لقتال الإمام علي، وكان عندهم الرجلين سواء، فلم يكونوا يقاتلون دعما لمعاوية، بل كان الإمام علي وقتها اقرب لهم مكانيا، ولو انتصروا عليه لساروا لمعاوية في الشام وقاتلوه.


زعيم الخوارج:


مما يدفعنا للقول أن الخوارج علي الدوام قوم بلا عقل ولا منهج وأن عقولهم قاصرة هو ما حدث في اجتماعهم لمناقشة خطواتهم القادمة بعدما بعث الإمام علي ليفرض حكم الخليفة علي أمور المسلمين.


كان التجمع في منزل أحد من يقودونهم، وكان يدعي "عبد ﷲ بن وهب الراسبي".. والذي قال لهم: أما بعد فو ﷲ ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن، أن يكون هذه الدنيا التي الرضا بها والركون بها والايثار إياها، عناء وتبار آثر عندهم من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والقول بالحق، وإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل، والخلود في جناته فاخرجوا بنا اخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة.


وهنا يظهر حرقوص بن زهير "ذو الخويصرة التميمي" ليقول لباقي الخوارج: إن المتاع بهذه الدنيا قليل وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها وبهحتها إلى المقام بها ولا تلفتنكم عن طلب الحق وانكار الظلم فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.


ثم تحدث مفاجأة بأن حمزة بن سنان الأسدي وهو أحد الخوارج اقترح أن يولوا علي نفسهم واليا، فقال لهم: يا قوم ان الرأي ما رأيتم، فولوا أمركم رجلا منكم فإنه لابد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها وترجعون إليها.


في البداية اختاروا زيد بن حصين الطائي لكنه أبى، فعرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة ابن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبيا كذلك.


ثم عرضوها على عبد ﷲ بن وهب فقال: هاتوها أما وﷲ لا اخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت.


فبايعوه لعشر خلون من شوال وكان يقال له ذو الثفنات من كثرة سجوده.


الورم:


في ذات الجلسة، قرر الخوارج ان يكونوا أول ورم سرطاني منهم في جسد الأمة، بأن يختاروا مكانا يتجمعون فيه لتقوي شوكتهم ويتحركوا منه لفرض رأيهم.


كان أول ما قاله ابن وهب بعدما اختاروه أميرا عليهم: اشخصوا بنا إِلَى بلدة نجتمع فِيهَا لإنفاذ حكم اللَّه، فإنكم أهل الحق


فقَالَ شريح: نخرج إِلَى المدائن فننزلها، ونأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إِلَى إخواننا من أهل الْبَصْرَة فيقدمون علينا.


فَقَالَ زَيْد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين اتبعتم، ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين، فأما المدائن فإن بِهَا من يمنعكم، ولكن سيروا حَتَّى تنزلوا جسر النهروان، وتكاتبوا إخوانكم من أهل الْبَصْرَة قَالُوا: هَذَا الرأي.


هكذا قرر الخوارج الأوائل أن يتحركوا بشكل خفي ليشنوا هجومهم الأول، وما أشبه الليلة بالبارحة، وكأن تشابههم مع خوارج اليوم قد امتد ليصل حتى أسلوبهم في القتال والتخريب.


هذا، وقد كتب عَبْد اللَّهِ بن وهب إِلَى من بِالْبَصْرَةِ من الخوارج يعلمهم مَا اجتمعوا عَلَيْهِ من تعيينه أميرا عليهم، ونيتهم الخروج، ويحثهم عَلَى اللحاق بهم، وسير الكتاب إِلَيْهِم، فأجابوه أَنَّهُمْ عَلَى اللحاق بِهِ.


فلما عزموا عَلَى المسير تعبدوا ليلتهم- وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة- ثم بدأوا مسيرتها التي لا تزال الأمة تدفع ثمنها حتى اليوم يوم السبت، ونري فيهم شريح بن أوفى العبسي، يخرج وَهُوَ يتلو قول اللَّه تعالى:
«فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ» .


وكأنه يقدم لنا نموذج عملي لقول المصطفى صلى ﷲ عليه وسلم يوم توزيع الغنائم حين وصف أصحاب حرقوص: (يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم).


بدأ الخطر النظري يصبح عمليا، وبدأ الخوارج يتجمعون من كل حدب ومكان إلي المدائن، ومن البصرة خرج مئات ليلحقوا بهم.


الحق يجتمع:


هنا، كان لزاما علي الإمام علي بن أبي طالب -كرم ﷲ وجهه- أن يتحرك إما إلي الخوارج، وإما إلي معاوية.


وبدأ يخاطب شيعته ورجاله، ومن بايعوه خليفة للمسلمين من قبل، ومن قاتلوا معه في صفين وفي الجمل، وبايعوه علي أن يسير بهم إلي أي الفريقين يريد.


ثم بدأت الأخبار تأتي عن جريمة اقترفها الخوارج، ضاقت بها النفوس، إذ دَخَلُوا قَرْيَةً، فَخَرَجَ منها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ، وهو صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ذُعْرًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، فَقَالُوا له: لَمْ تُرَعْ؟.


فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ ذَعَّرْتُمُونِي!.


قَالُوا: أَأَنْتَ عبد الله بن خباب صاحب رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم؟.


قَالَ: نَعَمْ.


قَالُوا: فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ حديثا يحدث به عن رسول ﷲ أَنَّهُ ذَكَرَ فِتْنَةً، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي؟ قَالَ: فَإِنْ أَدْرَكْتُمْ ذَلِكَ فَكُنْ يَا عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلا تَكُنْ يَا عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ.


قَالَ: نَعَمْ.


فَقَدَّمُوهُ عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَسَالَ دَمُهُ كَأَنَّهُ شِرَاكُ نَعْلٍ، وَبَقَرُوا بَطْنَ أُمِّ وَلَدِهِ عَمَّا فِي بَطْنِهَا.


وهنا لنا وقفه، فكيف يعرف هؤلاء القوم حديث رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم ويفعلوا عكسه وهم يقولونه بألسنتهم، ثم يقتلون أحد صحابته الكرام!!!.


لقد فعلوا ذلك فقط لأنه قَالَ لهم لما سألوه عن رأيه في الإمام علي: إنه أعلم بِاللَّهِ مِنْكُمْ، وأشد توقيا عَلَى دينه، وأنفذ بصيرة.


فَقَالُوا له: إنك تتبع الهوى، وتوالي الرجال عَلَى أسمائها لا عَلَى أفعالها، وَاللَّهِ لنقتلنك قتلة مَا قتلناها أحدا.


ومع زوجته، قتلوا ثلاث نسوة من قبيلة طيئ، وقتلوا أم سنان الصيداوية.


الرسل:


ورغم كل هذا الضلال، وكل ذلك الفساد والافساد في الأرض، إلا أن الإمام علي -كرم ﷲ وجهه- آثر بأن يبعث لهم رسولا، لعله يصل معهم لحل، يكف به أذاهم عن الناس، كما أمره أن يأتيه بخبرهم بدقة، فيكون قد استوثق مما قيل عنهم.


واختار لهذه المهمة "الْحَارِث بن مُرَّةَ العبدي"، فلما وصل إليهم، كان جوابهم عليه أن قتلوه.


فلما وصل لأنصار الإمام علي هذا الخبر، اشتد الغضب، وقاموا إليه فقالوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، علام تدع هَؤُلاءِ وراءنا يخلفوننا فِي أموالنا وعيالنا! سر بنا إِلَى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إِلَى عدونا من أهل الشام.


ما قبل المعركة:


كان الخوارج قد تواجدوا في النهروان، وهي موضع بالقرب من بغداد في العراق.


ولنا أن نعلم أن الإمام علي وأصحابه، وقفوا فخاطبوهم، يدعونهم للرجوع عما هم فيه من ضلال، وأن التحكيم حدث بناء علي طلبهم هم، وأن الإمام علي لم يكن يقبله في حينه، وأنهم هم من ضغطوا عليه ثم رجعوا في رأيهم، بل ورموه بالكفر.


فما كان جوابهم علي كل تلك الدعوات التي تبين الحق وتصحصحه بأنهم هم الظالمين، إلا أن قَالُوا:
إنا حكمنا، فلما حكمنا أثمنا، وكنا بِذَلِكَ كافرين، وَقَدْ تبنا فإن تبت كما تبنا فنحن مِنْكَ ومعك، وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك عَلَى سواء إن اللَّه لا يحب الخائنين.


فَقَالَ الإمام علي: أصابكم حاصب، وَلا بقي مِنْكُمْ وابر!، [أبعد إيماني برسول الله ص وهجرتي مَعَهُ، وجهادي فِي سبيل اللَّه، أشهد عَلَى نفسي بالكفر! لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ثُمَّ انصرف عَنْهُمْ] .


فتنادي الخوارج: لا تخاطبوهم، وَلا تكلموهم، وتهيئوا للقاء الرب، الرواح الرواح إِلَى الجنة!!!.


اللقاء:


هنا، انبري الجيشين، ولم يكن من اللقاء مفر بعد كل هذا العنت من الخوارج.


جاء جيش الإمام علي -كرم ﷲ وجهه- علي ميمنته حجر بن عدي، وعلى ميسرته شبث بن ربعي- أو معقل بن قيس الرياحي- وعلى الخيل أبا أيوب الأَنْصَارِيّ، وعلى الرجالة أبا قَتَادَة الأَنْصَارِيّ، وعلى أهل المدينة قيس بن سَعْدِ بْنِ عبادة.


كما عبأت الخوارج، فجعلوا عَلَى ميمنتهم زَيْد بن حصين الطَّائِيّ، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسدي، وعلى الرجالة حُرْقُوص بن زهير السعدي.


وبراية أمان حملها أبو أيوب الانصاري، اقتنع اخيرا جزءا ممن كانوا في جيش الخوارج، وكان أولهم فروة بن نوفل الأشجعي الذي قال: وَاللَّهِ مَا أدري عَلَى أي شَيْء نقاتل عَلِيًّا! لا أَرَى إلا أن أنصرف حَتَّى تنفذ لي بصيرتي فِي قتاله أو اتباعه.


وقلده في ذلك أكثر من ألفين رجل، فلم يبقي مع عبد ﷲ بن وهب الراسبي زعيم الخوارج إلا ٢٨٠٠ رجل من شرار أهل الأرض يومها.


في النهروان كان اللقاء الأول بين جيش للمسلمين، وجيش للخوارج، وبتعصب الخوارج وغرورهم، شنوا علي المسلمين هجمة قوية في بداية المعركة، اضطرب منها جيش المسلمين اضطرابا قويا، وتراجع خيل المسلمين متفرقين يمينا ويسارا، لكن ﷲ ثبتهم وعادوا للقتال فحملوا علي الخوارج.


بدأت بشائر النصر تتعاقب، فها هو أبو أيوب الانصاري يطعن زيد بن حصين بالرمح في صدره، حتى نجم من ظهره.


ثم جاء هاني بن خطاب الأرحبي وزياد بن خصفة يحتجان للإمام علي فِي أيهما قتل عَبْد اللَّهِ بن وهب الراسبي زعيم الخوارج فَقَالَ لهما: كيف صنعتما؟ فقالا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لما رأيناه عرفناه، وابتدرناه فطعناه برمحينا، فَقَالَ علي: لا تختلفا، كلاكما قاتله.



ثم جاءت البشرى بقتل حرقوص بن زهير "ذو الخويصرة التميمي".


أما شريح بن اوفي العبسي، فكان اشدهم قتالا، فقتل ثلاثة من قبيلة همدان، واستمر يقاتل المسلمين حتى بعدما قطع "قيس بن معاوية الدهني" قدمه، فقيل في قتاله:
اقتتلت همدان يَوْمًا ورجل : اقتتلوا من غدوة حَتَّى الأصل.


كما شارك الإمام علي بن ابي طالب في القتال أيضا، وقتل من الخوارج بعضهم، وكان منهم الأخنس الطائي الذي حاول قتل الإمام علي من ظهره وسط القتال، لكن الإمام علي ينتبه إليه ويلتفت ليضربه ضربة واحدة فلق بها هامته، وقيل أن الإمام علي هو نفسه من قتل حرقوص بن زهير، كما قتل ابن عمه "مالك بن وضاح".


كما قيل أن الإمام علي هو أيضا من قتل الراسبي زعيم الخوارج، إذ خرج إليه الأخير يهتف: يا ابن ابي طالب، لا نبرح من هذه المعركة أو تأتي علي انفسنا، أو نأتي علي نفسك، فإبرز إلي وأبرز إليك، وذر الناس جانبا.


سمع الإمام علي هذا الكلام وتبسم وهو يقول: قاتله ﷲ من رجل، ما أقل حياءه، أما إنه ليعلم إني حليف السيف، وخدين الرمح. ولكنه قد يئس من الحياة، أو يطمع طمعا كاذبا.


فبرز له الإمام علي بعدما كرر طلبه اكثر من مرة، وقتل رأس الخوارج بأن ازال رأسه عن جسده بضربة سيف واحدة.


ذو الثدية:


سريعا سريعا. انتهت المعركة بانتصار حاسم للمسلمين، وقيل أنه لم يبقي من جيش الخوارج إلا أربعمائة رجل، اعادهم أمير المؤمنين علي بن ابي طالب لعشرائهم لعلاجهم ثم اعادتهم له في الكوفة.


وقالت رواية أخرى أنه لم يبقي منهم إلا تسعة رجال فحسب، فروا جميعا، حتى أن أحد المسلمين قال للإمام - كرم ﷲ وجهه- : هلك القوم بأجمعهم.


فأجابه الإمام علي، محذرا الأمة من الخوارج علي الدوام بقوله: كلا، وﷲ إنهم نطف في أصلاب الرجال، وقرارات النساء، كلما نجم منهم قرن قطع، حتى يكون آخرهم لصوصا سالبين.
(أي ان الخوارج انحراف فكري، كلما قضت عليه الأمة نبت مجددا كالنبات الخبيث، وأن آخرهم سيكونون لصوص سارقين، وقد شاهدنا ذلك بأفعال خوارج عصرنا هذا والذين سطوا علي محلات الناس واموالهم وسياراتهم).


وبدأ الإمام عَلِيًّا فِي طلب ذي الثدية الذي أخبر النبي صلى ﷲ عليه وسلم أنه آية هؤلاء الخوارج يوم توزيع غنائم حنين.


كان مَعَ الإمام علي في البحث عن جثة ذلك الرجل، عدد من القوم منهم سُلَيْمَان بن ثمامة الحنفي أَبُو جبرة، والريان بن صبرة ابن هوذة.


ورغم ان البحث تكرر عن رجل بتلك المواصفات دون أن يجدوه، إلا أن الإمام علي صمم وقال: يا أيها الناس، إن رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم حدثنا بأقوام، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون فيه أبدا حتى يرجع السهم علي فوقه، وإن آية ذلك أن فيهم رجلا أسود مخدج اليد، إحدي يديه كثدي المرأة، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة، حولها سبع هلبات، فالتمسوه، فإني أراه فيهم.


فوجده الريان بن صبرة بن هوذة فِي حفرة عَلَى شاطئ النهر فِي أربعين أو خمسين قتيلا كان الإمام علي قد أمرهم بالبحث فيها، قَالَ: فلما استخرج نظر إِلَى عضده، فإذا لحم مجتمع عَلَى منكبه كثدي المرأة، لَهُ حلمة عَلَيْهَا شعرات سود، فإذا مدت امتدت حَتَّى تحاذي طول يده الأخرى، ثُمَّ تترك فتعود إِلَى منكبه كثدي المرأة.


فلما استخرج من بين القتلى، قَالَ علي: اللَّه أكبر! وَاللَّهِ مَا كذبت وَلا كذبت، أما وَاللَّهِ لولا أن تنكلوا عن العمل، لأخبرتكم بِمَا قضى الله على لسان نبيه صلى ﷲ عليه وسلم لمن قاتلهم مستبصرا فِي قتالهم، عارفا للحق الذى نحن عليه.


وسجد لله شكرا، ثم نظر إلي ذو الثدية فقال: الحمد للّه الذي عجل بك إلي النار.


قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا من رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي ﷲ عنه قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول ﷲ صلى ﷲ عليه وسلم الذي نعت.


ثم مر وهم صرعى فَقَالَ: بؤسا لكم! لقد ضركم من غركم، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، من غرهم؟.


قَالَ: الشَّيْطَان، وأنفس بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني، وزينت لَهُمُ المعاصي، ونبأتهم أَنَّهُمْ ظاهرون.


ولم ينل الشهادة من جيش المسلمين يومها إلا سبعة رجال فحسب، لكن جيوش وقوات الخوارج ظلت تظهر للمسلمين وتقتلهم منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم. 


اعتمدت المعرفة للدراسات في أجزاء كبيرة من الموضوع علي كتاب تاريخ الطبري. 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -