زدني معرفة

المنبر النبوي .. وصف منبر رسول اللَّه وقصة صناعته

تَهْوِي أفئدة الناس وقلوبهم إلي كل شئ يتعلق برسول الله صلى اللَّه عليه وسلم.

المنبر الحالي في المسجد النبوي الشريف، صورة من وكالة شؤون المسجد النبوي.

ونستعرض اليوم قصة المنبر النبوي الشريف، الذي قال عنه صلى اللّه عليه وسلم: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي" رواه أبو هريرة.

جذع النخلة:

لم يكن للنبي صلى اللّه عليه وسلم في بداية سنواته في المدينة منبرا يقف عليه عندما يخطب في الناس، بل كان يقف مُسنداً ظهره إلى جذع نخلة.

وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم أصلا لا يستند على جذع النخلة إلا إذا أطال القيام وأحس بالتعب فاستند إلي الجذع.

هذا الجذع لما فارقه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلي المنبر، كان دليلا من دلائل النبوة، إذ أصدر صوتا يشبه النحيب.

إذ ورد في الأخبار، ما سمعه بريدة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع الجذع رجع إليه فوضع يده عليه وقال: "اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، وإن شئت فأغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها وعيونها، فيحسن نبتك، وتثمر، فيأكل أولياء الله من ثمرتك فعلت".

فزعم أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "نعم فعلت". مرتين. فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : "أحب أن أغرسه في الجنة".

وفي رواية أن الجذع خار حتى تصدع وانشق، فنزل رسول الله ﷺ لما سمع صوت الجذع، فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر.

صناعة المنبر النبوي:

وفي السنة الثامنة من هجرة المصطفى صلى اللَّه عليه وسلم إلي المدينة المنورة، تم صناعة المنبر النبوي، واستخدم في صناعته أعواد شجر طرفاء الغابة "الأثل"، وقد جلبت هذه الأعواد من موضع يسمي حاليا "الخليل"، في شمال مدينة رسول اللّه.

وصنع المنبر النبوي من ثلاث درجات، كان صلى اللَّه عليه وسلم يصعد درجتين ويجلس على الثالثة ليخطب في الناس.

شجرة الأثل أو طرفاء الغابة، يعتقد أن منبر رسول اللّه قد صنع من نفس النوع، صورة من وسائل التواصل.

وقد وردت أكثر من رواية عن من هو صانع المنبر النبوي، فرأينا أن نضعها جميعا بين أيديكم، والله أعلى وأعلم بأصح الروايات.

الرواية الأولى من صحيح مسلم عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: أن نفرا جاءوا إلى سهل بن سعد قد تماروا في المنبر، من أي عود هو فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود هو، ومن عمله، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول يوم جلس عليه، قال: فقلت: له يا أبا عباس فحدثنا، قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة قال أبو حازم: إنه ليسميها يومئذ، انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها، فعمل هذه الثلاث درجات ثم أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعت هذا الموضع، فهي من طرفاء الغابة، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه، وهو على المنبر ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي.

وهذا الحديث يخبر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد صلي فوق المنبر عندما صنع له، وعندما أنهي صلاته قال للناس أنه صلى فوق المنبر حتى يرونه فيتعلمون منه الطريقة الصحيحة للصلاة.

لكن الحكمة التي كان يبتغيها النبي صلى الله عليه وسلم من صنع هذا المنبر، لم تكن مجرد أن يصلي عليه مرة فيراه الناس، بل إن الناس كانوا قد دخلوا الإسلام بأعداد كبيرة، وكثروا، فأراد النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يراه كل الحاضرين في المسجد وهو يحدثهم أو يخطب فيهم.

الرواية الثانية لقصة صنع المنبر النبوي، تمثلت في أن رجلا كان ورد المدينة فشاهد النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يستند إلى جذع النخلة، فقال لمن يليه من الناس: لو أعلم أن محمداً يحمدني في شيء يرفق به لصنعت له مجلساً يقوم عليه، فإن شاء جلس ما شاء، وإن شاء قام.

فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أتوني به" فأتي به فأمره أن يصنع له هذه المراقي، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك راحة.

الرواية الثالثة عن قصة بناء منبره ﷺ من حديث أبي بن كعب، "كان رسول الله ﷺ يصلي إلى جذع، إذ كان المسجد عريشا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: هل لك أن نجعل لك شيئا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمعهم خطبتك؟ قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات، فهي التي أعلى المنبر.

وروى يحيى عن ابن أبي الزناد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس على المجلس، ويضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه قام على الدرجة الثانية، ووضع رجليه على الدرجة السفلى، فلما ولي عمر رضي الله عنه، قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الأرض إذا قعد، فلما ولي عثمان رضي الله عنه، فعل ذلك ست سنين من خلافته، ثم علا إلى موضع النبي صلى الله عليه وسلم. وكان عثمان رضي الله عنه أول من كسا المنبر قُبْطية (الثوب الرقيق الأبيض من ثياب مصر).

المنبر الموجود حاليا في المسجد النبوي، صورة من مواقع التواصل.

الرواية الرابعة عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة يُسند ظهره إليها، فلما كثر الناس قال: "ابنو لي منبراً" فبنوا له منبراً له عتبتان، فلما قام على المنبر يخطب حنت الخشبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أنس: وأنا في المسجد، فسمعت الخشبة تحن حنين الواله، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكتت.

أما الرواية الخامسة عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب على جذع، فأتاه رجل رومي فقال: "اصنع لي منبراً أخطب عليه".

فصنع له منبره هذا الذي ترون، فلما قام عليه يخطب حن الجذع حنين الناقة إلى ولدها، فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضمه إليه فسكت، فأمر به أن يدفن ويحفر له (أي لجذع النخلة).

فضل المنبر النبوي:

وقد وردت الكثير من الأحاديث التي تعظم فضل المنبر النبوي وتوضحه للمسلمين.

ومن تلك الحديث، حديث قال فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم: "من حلف على يمين آثمة عند منبري فليتبوأ مقعده من النار ولو على سواك أخضر".

وهذا الحديث لا ينهي عن اليمين الآثمة عند المنبر فحسب، بل هو في حقيقته نهي عن أي لغو في الكلام في هذه البقعة الطيبة المباركة، التي يجب أن ينصرف فيها قلب المؤمن وعقله وتذهب نفسه لاحترام المكان واحترام صاحبه صلى اللّه عليه وسلم، وأن يلهج بالدعاء بما فيه صلاح آخرته ودنياه.

ومما ورد في فضل المنبر النبوي ، قوله عليه الصلاة والسلام : ( إِنَّ مِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ... ) وقوله ﷺ : (إِنَّ قَوَائِمَ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ).

تغيير منبر المسجد النبوي:

في عهد معاوية بن أبي سفيان، زاد الخليفة الأموي من درجات منبر النبي صلى اللّه عليه وسلم، فجعلها ستة ومقعدا.

وقد قام بعض خلفاء بني العباس أيضا بتجديد المنبر النبوي أكثر من مرة.

منبر سلطان مصر الأشرف قايتباي، مصنوع من الرخام، وقد ظل ردحا طويلا من الدهر هو منبر المسجد النبوي، ومعروض حاليا في معرض عمارة المسجد النبوي.

لكن المنبر النبوي قد احترق في أحد الأعوام، فتسابق عددا من حكام المسلمين على تغيير المنبر الموضوع في المسجد النبوي، وإن كانت غالبية المنابر التي وضعت في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، جاءت من حكام مصر.

فكان أول من أرسل منبرا جديدا للمسجد النبوي، بعد الحريق الذي أصاب منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، هو الملك المظفر، ثاني ملوك الدولة الرسولية في اليمن، حكم من عام ١٢٥٠ وحتى ١٢٩٧ ميلادي.

ثم أرسل سلطان مصر الظاهر بيبرس منبرا جديدا سنة ٦٦٤ هجري، ثم السلطان برقوق وكان أيضًا سلطانا لمصر عام ٧٩٧ ه‍، وكذلك فعل السلطان المصري المؤيد شيخ، ثم أرسل السلطان الأشرف قايتباي سلطان مصر أيضا، منبرا مصنوع من الرخام عام ٨٨٨ للهجرة ١٤٨٣ ميلادية، ووضع في مكان منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمر فيه إلى عام ٩٩٨ للهجرة.

ثم أرسل السلطان العثماني مراد الثالث منبراً جديداً وضع موضعه، ونقل منبر قايتباي إلى مسجد قباء، ومنبر قايتباي حاليا من معروضات معرض عمارة المسجد النبوي في المدينة المنورة.

منبر المسجد النبوي حاليا:

المنبر الموجود حاليا في المسجد النبوي هو بالطبع كما أوضحنا ليس منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وإنما هو المنبر الذي أرسله السلطان العثماني مراد الثالث والذي ظل منذ أن أرسله إلي يومنا هذا.

وبحسب وكالة الأنباء السعودية الرسمية واس، يرتفع المنبر حالياً إلى ما يقارب خمسة أمتار، وتعلو مدخل المنبر عبارة "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

وتشتمل مقدمة المنبر درجتين مكسوّة بالسجّاد، وباباً مصنوعاً من الخشب وللباب جزأين ومقابض، وسلماً يصعد منه الإمام إلى أعلى المنبر أثناء الخطبة، ويحيط بالمنبر سياج معدني مذهّب.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -