ما هو التنجيم وما حكمه في الإسلام؟

التنجيم، المنجمون، العرافين، عالم واسع مليء بالإثارة، أو بمعني أدق يحاول المنتفعين منه أن يظهروه بهذه الصورة، مستغلين المهووسين بمحاولة معرفة مستقبلهم وحوادث الأيام المقبلة التي لا يعلمها إلا الله.

أبراج زودياك Zodiac Signs، واحدة من أشهر مظاهر التنجيم شهرة، Public Domain، via raw pixel.

وفي التاريخ الكثير من القصص عن إناس قيل أنهم توقعوا أشياء عظيمة قبل حدوثها، عن حكام وملوك وحتى أشخاص عاديين كانوا يربطون حياتهم، قراراتهم، بل ومصيرهم كله، بتوقعات المنجمين والعرافين، وما يستنبطونه من حركات الأجرام السماوية وتأثيرها على أحداث الأرض.

من هؤلاء المنجمين الذين عاشوا في بلاط الملوك، وصولا إلى الذين يطلون علينا اليوم على شاشات التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي.. نتحدث عن التنجيم، وعن حكمه في الإسلام من نصوص الكتاب والسنة.

ما معني التنجيم ؟:

التنجيم ((باللغة الإنجليزية: Astrology)) هو أن يستدل المنجم بالأحداث الفلكية (مثل حركة الشمس والقمر والنجوم والكواكب) بما سيحدث من أحداث على الأرض، وخصوصا في المستقبل.

وبرغم خروج التنجيم عن العلم بل وعن العقل نفسه، يحاول المنجمون أن يصبغوا على ذلك صفة (العلم)، بالقول بأنهم يرصدون الأجرام السماوية ويحسبون أوقاتها ويربطون بينها وبين ظواهر الطبيعة، فيفهمون بالتبعية أنه عندما يتحرك نجم أو كوكب معين فإنه يحدث كذا وكذا على الأرض.

ومن الأسماء التي يتخذونها لمحاولتهم تلك اسم (علم الأبراج) أو (علم الفلك)، بالرغم من الفارق الكبير بينهما.

ويقول المنجمون أنهم يستدلون بسير النجوم والكواكب على ما سيحدث في المستقبل، مثل قيام الحروب، أو انتشار الأمراض، أو موت شخصية شهيرة، فإذا اقترن مثلا النجم كذا مع النجم كذا يحدث كذا.

كما يتعدون ذلك فيقولون أن التنجيم يكشف مستقبل الإنسان إن كان سعيدا أو تعيسا، غنيا أو فقيرا، وكلها أمور غيبية في علم اللَّهُ وبإذنه فقط، وأن النجوم كما ورد في صحيح البخاري عن قتادة إنما خلقت لثلاث: "جعلها زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها"

وأما أصل التنجيم وبدايته فيظهر لنا من معناه باللغة الإنجليزية Astrology، وتنطق حرفيا (أسترولوجيا)، وهي كلمة يونانية مكونة من مقطعين هما (أسترو) وتعني النجم و (لوجيا) وتعني علم، فيصبح (علم النجوم).

يكذب المنجمون ويقولون أنهم يستطيعون معرفة ماذا سيحدث في المستقبل بناء على تحركات النجوم والكواكب، public domain via hippopx.

في اليونان أيضا، ظهر ما يعرف بالابراج أو (تقويم زودياك) وهو تقويم يقسم العام إلى أبراج، معظمها من الحيوانات وكلمة زودياك في اليونانية تعني (دائرة الحيوانات)، ولايزال مستخدما حتى يومنا هذا.

ومع ذلك، فإن (الموسوعة البريطانية) تقول أن التنجيم ظهر لأول مرة في بلاد ما بين النهرين (العراق حاليا)، تقريبا في الألفية الثالثة قبل الميلاد، ومنها انتقل التنجيم إلى الهند، ومن ثم اليونان خلال الفترة الهلنستية، ومنها إلي العالم كله.

هل التنجيم صحيح؟ :

قبل أن نجيبكم على هذا السؤال من الناحية الدينية، وجدنا أنه من المناسب أن نترك لكم مثالين فقط تعرفون منهما مدى خطأ التنجيم والمراوغة الشديدة التي يتصف بها العاملون به، والتي يحاولون خداع الناس من خلالها.

ومن الأمثلة المثيرة للسخرية على ذلك، أنهم يضعون صفات معينة يقولون أن من يولد في هذا البرج يتصف بها، مثل الكرم أو البخل أو الذكاء أو العاطفة الشديدة ... إلخ.

لكن وببساطة شديدة، فإنك في حياتك العادية قد تعرف أشخاص من مواليد نفس ما يسمونه مثلا برج الجدي أو الأسد أو أي برج آخر مما يعرف باسم أبراج زودياك Zodiac Signs، ورغم ذلك تجدهم مختلفين تماما من حيث الشخصية والصفات والطباع.

بل الأدهي من ذلك، أنك قد تجد توأمين، ولدا لنفس الرجل ومن نفس الام، في نفس اليوم بفارق دقائق وربنا لحظات معدودة، وتربيا في ذات البيت، بأسلوب واحد، وبمستوى معيشة واحد، وقد تجدهما مختلفين تماما في كل ما يتعلق بالصفات والطباع.

المثال الثاني متعلق بشئ ربما قرأناه جميعا ذات يوم على صفحات جريدة، وهو ما يعرف باسم (حظك اليوم) أو (برجك اليوم) أو أيا من تلك المسميات المراوغة.

تجدون دوما العبارات عمومية بشكل كبير، فعلي سبيل المثال: (ينتظرك اليوم حدث سعيد).

لسنوات طويلة دأبت الصحف العربية على نشر (حظك اليوم) والتي للمفارقة المثيرة للسخرية أن معظمها أصلا كان يستهدف زيادة المبيعات ولم يكن يعتمد حتى على التنجيم.

ولنتصور مثلا أن في هذا اليوم مباراة كرة قدم بين ناديين شهيرين (الهلال والاتحاد مثلا في السعودية) أو (العين والشارقة في الإمارات) أو (الأهلي والزمالك في مصر).

بالتأكيد ستجد لكل فريق مشجعين من هذا البرج الذي يقول خبير الأبراج أنهم ينتظرهم حدث سعيد .. فماذا يحدث إذا خسر فريقهم؟.

وبالمثل .. لنقيس على هذا المثال أشياء أهم، فهناك مثلا من مواليد هذا البرج من يجري يومها عملية جراحية أو يتقدم لوظيفة ما أو أي شيء آخر.

ومن هنا نكتشف سويا كيف يتلاعب هؤلاء بعقول الناس ويقولون كلاما هو والعبث سواء.

ويمكن لمن أراد المزيد من التفاصيل قراءة تقريرنا: ((كشف حقيقة العرافة البلغارية العمياء بابا فانجا.. وهل تتوقع المستقبل بالفعل)).

في هذا التقرير ضربنا مثالا بواحدة من أشهر العرافات عالميا، البلغارية العمياء (بابا فانجا) وهي فتاة فقدت بصرها في الثانية عشر ثم بدأ الناس يؤمنون أنها ترى رؤيا تكتشف بها المستقبل.

يقول مروجو نبؤاتها أنها تنبأت ببعض أهم الأحداث التاريخية، مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر على برجي التجارة العالمي، عندما قالت أن الأمريكيين سيسقطون بعدما تهاجمهم الطيور الفولاذية، وغير ذلك من قائمة طويلة من التوقعات.

كشفنا في هذا التقرير زيف هذه الاعتقادات، وأن هناك توقعات تنشر بشكل سنوي يقال أنها تخص بابا فانجا، ولا أحد يعرف مصدرها.

العرافة البلغارية العمياء بابا فانجا (الجدة فانجا)، bg:User:Пакко، (CC BY-SA 3.0)، via Wikimedia commons. 

كما عرضنا كيف تظهر معظم هذه التوقعات وتنسب إليها أو لنوستراداموس، أشهر عراف في التاريخ، بعد وقوع الأحداث فعليا.

كما كشفنا في هذا التقرير كذلك سيل التوقعات الخاطئة التي نسبت إلى بابا فانجا وكيف يتم التعتيم عليها حتى تظل تجارة رابحة للمنجمين والعرافين الذين يستغلون ضعاف العقول أو ضعاف الإيمان.

وبشكل عام اعتبر التنجيم في أوروبا (علم زائف) منذ القرن الثامن عشر.

كما قالت ((الجمعية الفرنسية للمعلومات العلمية (AFIS)) أنها قد اختبرت على نطاق واسع صلاحية التنجيم ليصبح علما، لكنها رفضته بشكل نهائي، مضيفة أن العلماء يهتمون بالحقائق، في حين أن المنجمون يهتمون برضا زبائنهم.

وهذه العبارة كافية لوحدها لنفهم ما هو التنجيم.

ما الفرق بين التنجيم والفلك ؟:

ينبغي هنا الإشارة إلى وجود فارق كبير بين التنجيم وبين الفلك.

فبينما يقوم التنجيم على ربط حركة الأجرام السماوية بأحداث الأرض من وقائع مثل (حظ سعيد أو تعيس، قيام حرب، حدوث ثورة، غني شخص أو فقره.. إلخ).

فعلي العكس من ذلك فإن الفلك هو علم له أصول ويعرف منه الأزمنة والفصول، بل ويدخل في بعض العبادات مثل تحديد إتجاه القبلة الصلاة، ومعرفة بداية ونهاية الشهور الهجرية فنستفيد منه بدخول رمضان أو ذي الحجة.

ولهذا فإن علم الفلك هو من العلوم المباح دراستها والعمل فيها.

التنجيم في الإسلام:

هناك إجماع بين المسلمين قديما وحديثا على أن التنجيم حرام.

علم الفلك يختلف في وسائله وأهدافه عن التنجيم، ويمتلك الأصول والشروط التي يمكن من خلالها اعتباره علما، صورة لمرصد جوته لينك ، وهو مرصد فلكي بالقرب من بروكلين، إنديانا ، الولايات المتحدة، Hammer soft، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

حرام من حيث العمل به، وحرام من حيث الاعتقاد بصحته وتصديقه.

وقد قال جمهور العلماء المسلمين أن التنجيم يدخل في باب أعظم الذنوب في الإسلام وهو (الشرك بالله)، بأن يعتقد الإنسان بأن هناك شيء غير اللَّهَ -عز وجل- هو من يتحكم في تحديد مصير البشر وجريان الأحداث أو حتى الإدعاء بمعرفة الغيب.

يقول سبحانه: 

((قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)) {الآية 65 : سورة النمل}.

وقوله تعالى:

((ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله)) {الآية 23 : سورة هود}.

كما قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وكلف ما لا علم له به".

إذن فالمسلم عليه الإيمان بأن المولى -سبحانه وتعالى- خلق النجوم لثلاثة فوائد للبشر لا رابع لها، وهي:

  1. تزيين السماء.
  2. رجم الشياطين الذين يحاولون الصعود إلى السماء والاستماع إلى الحديث فيها وهؤلاء أنفسهم هم أعوان السحرة والمنجمين.
  3. علامات يهتدي بها الناس في البحر والصحراء إلى طريقهم الصحيح كالنجم القطبي.. تصديقا لقول الحق-سبحانه وتعالى- في الآية 16 من سورة النحل: ((وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)).

وقد وقعت واقعة مهمة في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أرشد فيها أمته إلى عدم الاقتناع بالتنجيم، وذلك عندما توفي ولده الصغير (إبراهيم).

ففي يوم دفنه، وكان النبي صلى اللَّه عليه وسلم قد أحبه بشدة لأنه قد رزق به قرب نهاية حياته الشريفة، وبعد موت أبناءه الذكور جميعا، في هذا اليوم كسفت الشمس.

فقال الناس إن الشمس قد كسفت لموت إبراهيم ابن النبي صلى اللَّه عليه وسلم، لكنه قال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد أو حياته)).

وبهذا الحديث النبوي الشريف يبطل التنجيم وربط حركة أجرام السماء بما يحدث على الأرض من أحداث عظيمة أو قليلة الشأن، فلا علاقة بينهما.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن التنجيم: ((وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكي والقوابل الأرضية صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل)).

وفي النهاية عزيزي القارئ.. فلا تدع نفسك تنجرف لمثل هذه الأشياء خصوصا أنها تفسد عليك حياتك وآخرتك.

تفسد عليك حياتك بأن تجعلك تؤمن بأن مصيرك ليس في يد خالقك الذي أمرك بالعمل والأخذ بأسباب القوة والنجاح، بل بيد نجم إذا تحرك يمينا ستكون سعيدا أو العكس.

فتصبح إنسانا أسيرا للأوهام الناتجة عن خدع المنجمين والعرافين، وتدخل في متاهة لا نهاية لها بين التفاؤل والتشاؤم.

كما تفسد عليك آخرتك بأن تجعلك ترتكب أعظم الذنوب والذنب الوحيد الذي أخبرنا الخالق سبحانه وتعالى أنه لا يغفره ما لم يتب صاحبه عنه وهو (الشرك بالله) أعاذنا الله وأياكم.

وتأكد دوما أن علم الغياب لم يتاح لا لملك مقرّب أو نبيٍّ مرسل، وأنه فقط بعلم الله، لا يعلمه إلا هو، ولا يبديه إلا في وقته لمن يريد -عز وجل-.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

تعليقات