حكم الرافعة المالية أو المتاجرة بالهامش .. وهل يمكن أن تكون حلال؟

كان تقريرنا عن (حكم التداول في الفوركس.. أراء أهم العلماء ودور الإفتاء في الدول الإسلامية)، أحد أكثر تقاريرنا زيارة من القراء لقراءته والاطلاع عليه.

الرافعة المالية هي أداة تمويل يستطيع بها الشخص أو الشركة الاستثمار بأكثر من أمواله التي يمتلكها بالفعل، by Nick Youngson CC BY-SA 3.0 Pix4free.org.

وقد جذب هذا التقرير انتباهنا إلي اهتمام كبير يوليه المهتمون بمجال الفوركس بشأن (حكم الرافعة المالية) بالتحديد، ما دفعنا إلى إعداد هذا التقرير خصيصا للإجابة على أسئلتهم بشأنه، والتي تتعلق أساسا بهل يجوز الربح منها؟.

ما هي الرافعة المالية؟:

نبدأ أولا بتوضيح ما المقصود أصلا بالرافعة المالية (تسمي أيضا: البيع بالهامش)، وباللغة الإنجليزية: Leverage.

ببساطة في هذه المعاملة، يقوم العميل (المشتري) أو المتداول -أيا كان اسمه- بدفع جزء بسيط أو كبير من قيمة الشئ الذي يريد شراءه، أو الصفقة التي يريد إتمامها، ويسمي هذا الجزء المدفوه باسم (الهامش)، سواء كان سيقوم بعمل صفقة في سوق الأسهم أو سوق الفوركس Forex أو أي صورة أخرى.

هذا وتختلف قيمة هذا (الهامش) والمقدار المطلوب دفعه من قيمة الصفقة اعتمادًا على شركة السمسرة أو الوسيط.

ويقوم الوسيط (سواء كان بنك أو مصرف أو سمسار) بدفع باقي قيمة الشئ الذي يريد العميل شراءه، حتى ولو كان ذلك بشكل غير حقيقي (أي مجرد ضمان أو ائتمان)، بل وقد يكون ذلك بدون فوائد في بعض الأحيان.

وهنا النقطة المهمة أيها السادة، فدفع الوسيط باقي قيمة الشئ الذي يريد المشتري شراءه يتم على سبيل (القرض).

وهكذا تبقي عقود الشراء رهنا بمبلغ القرض عند الوسيط.

هذه الصورة تعتبر صورة مهمة للتمويل، لأنها ترفع من قدرة الشخص أو المستثمر أو الشركة المالية وترفع حجم التداولات التي يمكنهم القيام بها ربما أكثر بكثير مما كان يستطيعون لو اعتمدوا فقط على أموالهم الخاصة.

الرافعة المالية أصبحت من أهم وسائل التمويل الحديثة، لكنها في الوقت نفسه حرام شرعا، والمال المكتسب منها حرام لا يجوز كسبه، Quote Inspector.

فهو يستخدم الأموال المقترضة من الوسيط (الديون) لمحاولة تضخيم عوائده من الاستثمار في الفوركس Forex أو سوق الأسهم غيرهما.

بل إن العديد من الشركات كذلك تستخدم الرافعة المالية leverage من أجل البدء فى الاستثمارات في مشاريع جديدة بدلا من إصدار أسهم جديدة وبيعها.

على سبيل المثال، يمكن للمتداول باستخدام الرافعة المالية التحكم في 100000 دولار من العملة بمبلغ 1000 دولار هو كل ما يملكه من مال.

النقطة المهمة هنا أن أكثر المستخدمين للرافعة المالية هم صغار المستثمرين الذين يستخدمونها في التداول دون الحاجة لامتلاك رأس مال كبير، وهذا ما لفتت إليه النظر الدكتوره غادة علي العمروسي، الاستاذ بقسم الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات بجامعة الأزهر الشريف - الإسكندرية، في بحثها الهام: ((الأحكام الفقهية المتعلقة بالرافعة المالية)).

تحريم الرافعة المالية:

الحقيقة عزيزي القارئ .. أن الأراء بشأن الرافعة المالية قد جاءت بتحريمها، ومن أشهر تلك الأراء:

  • أولا: فتوى مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي:

إنه وبتاريخ الفترة بين 10 : 14 / 3 / 1427 ه‍ التي وافقت 8 : 12 أبريل 2006، صدرت الفتوى من المجمع في دورته الثامنة عشر التي عقدت وقتها في مكة المكرمة بتحريم الرافعة المالية Leverage.

وقد استندت هذه الفتوى إلى أن الرافعة المالية تشتمل على عدة صور هي:

شخص يحمل جهاز يتابع عليه عدد من عمليات التداول في الفوركس، إنها واحدة من أكثر استخدامات الرافعة المالية تداولا، pixabay. 

  1. وجود قرض.
  2. الربا ويقع في هذه المعاملة في عدة صور منها (رسوم التبييت)، وهي فائدة يشترط على المستثمر دفعها إذا لم يتصرف في الصفقة في اليوم نفسه الذي أجراها فيه، والتي قد تكون بالنسبة المئوية من قيمة الصفقة، أو مبلغ ثابت محدد سلفا.
  3. السمسرة التي يحصل عليها الوسيط.
  4. الرهن: وهو التزام العميل بأن يبقي العقود عند الوسيط، حيث يكون للأخير الحق في التصرف فيها وبيعها إذ وصلت خسارة العميل إلى نسبة معينة من قيمة الهامش، ما لم يقوم العميل بزيادة الرهن.

ورأت الفتوى أن هذه المعاملات في الرافعة المالية هي من صور الربا المحرم بشكل قطعي في الإسلام لقوله تعالى : 

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) {سورة البقرة: 278، 279}.

أيضا فقد لفتت هذه الفتوى النظر إلى نقطة مهمة تتمثل في أن الكثير من العقود والاستثمارات تلك تقع على أنشطة وتجارة محرمة، منها على سبيل المثال لا الحصر (الخمور، السجائر، مستحضرات التبرج، ملابس غير شرعية .. إلخ)... كما أن بعض الشركات تقترض قروض ربوية من البنوك ومؤسسات التمويل الأخرى.

وهذه الفتوى بالتحديد من أهم الفتاوى في شأن الرافعة المالية لأنها أتت بناء على بحوث قدمت إلي المجمع، ومناقشات مستفيضة تمت في المسألة، وليس مجرد رد على سؤال أو طلب فتوى.

  • ثانيا: رأي موقع إسلام ويب:

رأينا كذلك أن ندعم تقريرنا برأي أحد أكبر المواقع الفقهية الإسلامية على شبكة الإنترنت والتي تحظى بثقة كبيرة لدى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وهو موقع (إسلام ويب).

ويري أن (الرافعة المالية) تعتبر "قرضا جر نفعا" وكل قرض يأتي بالنفع على صاحبه هو (ربا).

كذلك فإن اشتراط الوسيط أن تكون تجارة العميل عن طريقه هو فقط، يعد (جمعا بين سلف ومعاوضة)، وهو حرام شرعا لما رواه أبو داود والترمذي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((لا يحل سلف وبيع)).

  • ثالثا: رأي دار الإفتاء الأردنية:

حرمت دار الإفتاء الأردنية التعامل بالرافعة المالية.

كما تصدت دار الإفتاء في المملكة الأردنية الهاشمية لقضية حكم التعامل بالرافعة المالية.

وهذا الرأي بالتحديد من أهم الأراء التي تناولت حكم الرافعة المالية، لأن السؤال قد تضمن أن الوسيط لن يدفع مالا حقيقيا، وأيضا لن يكون هناك فوائد له مقابل ما يدفعه، وهي النقطة التي يعتبرها البعض مبررا لتحليل التعامل بالرافعة المالية.

فكان رد دار الافتاء الأردنية أنها وبعدما نظرت في مراجع الفوركس Forex وجدت أن الرافعة المالية أو Leverage هي إستراتيجية تتيح للمتداول أن يأخذ أموال من الوسطاء لفتح صفقات لا يستطيع فتحها إذا اعتمد فقط على ماله الخاص.

وبالتالي فإن المتداول قد ينجح في تحقيق أرباح أكبر، لأنه يتعامل بأموال أكبر مما يمتلكه فعلا، ويأخذ الوسيط عمولة مقابل ذلك.

واعتبرت دار الافتاء الأردنية هذه الصورة بمثابة (قرض دون زيادة)، وهذا محرم في الإسلام لأن (كل قرض جر منفعة فهو ربا) أيا كان اسم أو نوع أو شكل هذه المنفعة، فليست المشكلة في التسمية، بل في حقيقة الأمر.

وعليه لا يجوز التعامل بنظام الرافعة المالية لكونها قرضا ربويا محرم شرعا.

  • رابعا: رأي دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بحكومة دبي:

من ضمن تحريمها العمل والربح من الفوركس Forex، وضعت دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بحكومة دبي العديد من الأسباب كان من بينها الرافعة المالية.

إذ قالت أن وجود نظام البيع بالهامش والذي يسمي المارجن Margin أو الرافعة المالية Leverage، وهذه الأنظمة تعتبر ربا.

  • خامسا: رأي الشيخ علي محيي الدين القره داغي:

قال الدكتور علي القره داغي بتحريم الرافعة المالية.

وهو شيخ عراقي شهير ومعروف بعلمه الواسع، كما يشغل منصب الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

وافتي الشيخ علي قره داغي بتحريم الرافعة المالية، وخصوصا فيما يتعلق بالعملات المالية.

  • سادسا: رأي الدكتور عبد ﷲ رشدي في الرافعة المالية:

من بين العلماء الذين تعرضوا لمسألة حكم التداول في الفوركس Forex، الدكتور عبد ﷲ رشدي، وهو داعية مصري شهير، وفي خلال ذلك، تحدث بشكل مهم عن حكم الرافعة المالية وقال كذلك بتحريمها.

الرأي النهائي في حكم الرافعة المالية:

وهكذا، وبشكل مختصر، ومن جميع ما سبق، فإن الرافعة المالية هي حرام شرعا للأسباب التالية:

  1. أن الرافعة المالية هي اقتراض من جهة ما، وهذا حرام شرعا، لما تحتويه من رسوم تبييت، وهي زيادة مشترطة على قيمة القرض، وهذا ربا واضح.
  2. أن الرافعة المالية تشتمل دفع (عمولة) للجهة التي تقوم بالتمويل، وهذا أيضا غير جائز شرعا، وهذه العمولة تختلف عن ما يدفع لشركات الوساطة من أموال مقابل خدمات حقيقية تقدمها.
  3. الجمع بين السلف والمعاوضة.
  4. يري بعض العلماء أن الرافعة المالية لها أضرار قد تصل حتى إلى حد التأثير الكارثي على اقتصادات الدول، حيث يعتقد البعض أنها لعبت دورًا عاملاً في الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وهذا رأي اقتصادي وليس فقهي فقط... وحتى لو نظرنا لأرض الواقع، فهناك الكثير من القصص عن أشخاص خسروا كل أموالهم بل أفلسوا وأصبحوا مديونين بسبب الرافعة المالية.
  5. عدم تحقق التقابض الواجب شرعاً في مبادلة العملات، فالقيود المحاسبية التي تتم في هذه المعاملة لا يتحقق بها القبض الشرعي

وهكذا، فيا أيها الأخوة، احرصوا تماما على أن يكون مالكم من حلال، وأن ما تدخلوه منه على أبنائكم وعائلاتكم حلالا، وتذكروا دوما قوله تعالى: 

((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)) {سورة الطلاق : الآيات 2 : 3}.

تعليقات