بين الحقيقة والخرافة .. هل من الآمن تسخين الطعام في الميكروويف؟

أصبح جهاز الميكروويف أحد أكثر الأجهزة انتشارا في المنازل وحتى المقاهي، لقدرته العالية على تسخين الطعام في وقت سريع، كنتيجة طبيعية للعصر الذي نعيش فيه، عصر من أهم أسمائه (عصر السرعة).

جهاز ميكروويف من إنتاج شركة سامسونج، صورة من: Trusted Reviews، (CC BY-NC-ND 4.0).

لحق هذا الانتشار الكثير من الأحاديث عن أضرار استخدام الميكروويف على صحة البشر، وصل إلى حد اتهامه بأنه (يسبب السرطان)... وفي المقابل يدافع الكثيرون عن الجهاز ويعتبرون هذه الاتهامات غير صحيحة.

خلقت تلك الاتهامات والردود عليها، حالة من الجدل ضاعت فيها الحقيقة بين الحقيقة والخرافة.

وهكذا تجيب المعرفة للدراسات اليوم عن السؤال المهم وربما الأهم في حياة الكثيرين (هل من الآمن تسخين الطعام في الميكروويف؟).

كيف يعمل الميكروويف؟:

ربما يكون من الضروري قبل الحديث عن تأثير الميكروويف على الغذاء الذي يتم تسخينه فيه أن نفهم أصلا كيف يعمل الميكروويف؟.

فكرة الميكروويف هي تحويل الكهرباء إلى موجات كهرومغناطيسية صغيرة تشبه موجات الراديو.

هذه الموجات الكهرومغناطيسية قوية وعالية التردد، بحيث يمكنها أن تحفز جزيئات الماء والسكريات والدهون في الطعام، مما يجعلها تهتز وتدور وتتصادم مع بعضها البعض - مما يحول هذه الطاقة الحركية إلى حرارة تسخن الطعام-.

لا تقلق عزيزي القارئ.. فليست كل الموجات خطيرة على الصحة، هاتفك الذي تقرأ منه هذا التقرير ينتج منه أشعة أيضا، بل إن الضوء نفسه هو أيضًا إشعاع كهرومغناطيسي.

هذا يشبه بالضبط ارتفاع درجة حرارة يديك عندما تقوم بفركهما معًا.

ولعل طريقة العمل تلك هي السبب الذي يجعل من الممنوع تسخين أو طهي بعض أنواع الأطعمة في الميكروويف (على سبيل المثال: البيض النيئ)، وذلك لأنه يحتوى على نسبة عالية من السوائل، لذا يمكن أن تنفجر البيضة إذا تم تسخينها فجأة.

الوقوف أمام الميكروويف:

من المهم أيضا حتى قبل أن نبدأ في الحديث على تأثير الميكروويف على الطعام، أن نشير إلى تأثيره على الشخص الذي يقوم باستخدامه.

لمصلحتك لا تقف أمام الميكروويف وهو يعمل، جهاز ميكروويف من إنتاج شركة سامسونج، صورة من: Trusted Reviews، (CC BY-NC-ND 4.0).

في كثير من الأحيان، يقف الشخص أمام الميكروويف منتظرا تسخين طعامه.

يبدو هذا طبيعيا لأن معظم برامج التسخين في الميكروويف تستغرق وقتا قصيرا لا يتجاوز بضع دقائق.

لكن ما كشفته (إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA) أن هذا ليس بالخيار السليم.

ذلك لأن موجات الميكروويف تخرج من خلال الفتحات الدقيقة في جهاز الميكروويف نفسه، مثل الفجوات الموجودة في الإطار العازل.

وحذرت FDA من كون تلك الأشعة والموجات قادرة على تسخين جلد الإنسان وإصابته بالحروق، كما أن لها تأثير ضار على العين، قد يؤدي إلى اعتام عدسة العين.

ولعل القراء الأعزاء من الرجال سيكونون أكثر حرصا في الابتعاد عن الميكروويف وهو يعمل، إذا ما عرفوا أن تأثير تلك الأشعة قد تؤذي الخصيتين.

لذا، وبرغم أن هذه الإصابات وصفت بأنها (نادرة الحدوث)، فأنت لا تدرى هل هناك عيب تصنيع في جهاز الميكروويف الخاص بك يزيد من كمية الموجات الخارجة منه، أو حتى حدوث تلف نتيجة كثرة استخدامه.

أيضا فإن من خصائص الموجات الكهرومغناطيسية الصادرة عن الميكروويف أنها تستطيع المرور عبر الزجاج، لذا فحتى إذا كان جهازك سليما تماما، فستخرج كمية منها عبر زجاج الجهاز نفسه، بخلاف أن الشركات أصلا لا تجادل في خروج أشعة من الميكروويف.. فقط تقول أنها بمعدلات (مسموح بها).

فبكل بساطة، ضع طعامك في الميكروويف ثم ابتعد عنه وهو يعمل، واذهب لفعل أي شيء آخر ثم عد لآخذ طعامك بعد انتهاء برنامج التسخين.

ما هو رأي إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في الميكروويف؟:

جهاز ميكروويف من نوع كاندي، صورة من: Trusted Reviews، (CC BY-NC-ND 4.0).

قد يكون غريبا بالنسبة للكثيرين معرفة حقيقة أن تأثيرات الحرب العالمية الثانية قد وصلت حتى إلى المطبخ.

وكان قد سبق لنا توضيح ذلك في تقريرنا عن (تقييم منتجات تيفال Tefal .. هل تستحق الشراء وهل هي آمنة على الصحة؟)... وكيف كانت مادة استخدمها الحلفاء سببا في تطوير أواني الطعام غير اللاصقة.

هذا أيضا ينطبق على الميكروويف الذي اكتشف الحلفاء كذلك تأثيراته الحارقة، فدخل في عدة مجالات منها مجال الجراحة الطبية.

في حين كان المهندس الأمريكي (بيرسي سبنسر) صاحب أول جهاز ميكروويف في العالم عام 1946.

لكن  الميكروويف احتاج أن ينتظر حتى السبعينيات من القرن العشرين حتى يبدأ غزو الأسواق التجارية، بسبب ارتفاع سعره بشكل باهظ في بداية الأمر حيث وصل سعر الجهاز الواحد وقتها إلى 5000 دولار أمريكي.

علاوة على تصميمه المختلف تماما عن الميكروويف المنتشر في مطابخنا حديثا والذي يستطيع أي شخص حمله بسهولة، فقد كانت نسخ الميكروويف الأولى ثقيلة للغاية بوزن 340 كجم، ووصل طولها إلى 1,8 متر.

لذا فقد كان معظم الزبائن وقتها من شركات الطيران التي اشترت تلك الأجهزة لتسخين الطعام الذي تقدمه للركاب على متن رحلاتها بسرعة وبدون اي استعمال للنيران.

بحلول السبعينات، كان الميكروويف قد أصبح أصغر حجما بشكل كبير، كما أصبح أرخص، ما أتاح لملايين الناس شراءه.

جهاز ميكروويف إنتاج شركة ناشيونال اليابانية عام 1971، Matti Blume، CC BY-SA 4.0، via wikiwand.

في تلك الفترة أيضا حدث شيء مهم للغاية فيما يتعلق بأمان الميكروويف كجهاز تسخين طعام للبشر، وبالتحديد عام 1971، حيث خضعت عملية تصنيعه لإشراف (إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA).

منذ ذلك التاريخ أصبح لزاما على أي شركة من مصنعي أفران الميكروويف، التصديق على منتجاتهم وتلبية معايير أداء السلامة التي أنشأتها وفرضتها إدارة الغذاء والدواء لحماية الصحة العامة للشعب الأمريكي.

وهكذا أصبح تقييم إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لأفران الميكروويف التي تصنع وفقا لمعاييرها، ويستخدمها الناس حسب تعليمات الشركة المصنعة أنها (آمنة للاستخدام).

لكن من المهم هنا أن نشير أن هذه الرقابة لا تسري إلا على أفران الميكروويف المصنعة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، لذا فإنها ليست ضمانا لأي ميكروويف مصنوع في أي بلد عربي أو حتى أجنبي آخر.

الميكروويف وسرقة الفائدة من الغذاء:

ربما لا يتوقف الأمر في حديثنا عند حد أمان تناول الطعام الذي تم تسخينه في الميكروويف.

فقد تحصل بطريقة ما على جهاز ميكروويف مطابق تماما للمعايير وتستخدمه بشكل صحيح، فهنا نقول قد تضمن أنه لن يضرك بشكل مباشر.

لكن الدراسات أثبتت أن ضرر الميكروويف قد يأتيك في صور أقل وضوحا.

فبحسب (بي بي سي فوود) وهي خدمة متخصصة في الطعام تابعة لهيئة الإذاعة البريطانية، فإن بعض الأبحاث أظهرت أن الخضار يفقد الكثير من قيمته الغذائية في الميكروويف.

اختلفت الدراسات حول تأثير الطهي بالميكروويف على العناصر الغذائية للطعام، في الصورة (بروكلي)، USDA Lance Cheung، CC-BY-2.0، via Flickr.

على سبيل المثال، وجد أن استخدام الميكروويف يزيل 97٪ من مركبات الفلافونويد - وهي مركبات نباتية ذات فوائد مضادة للالتهابات، كما تقلل أيضا من مخاطر الإصابة بأمراض القلب- وموجودة في البروكلي.

وقد يرد هنا أحد القراء بالقول، أننا نعلم أن حتى تسخين الطعام بالطريقة التقليدية يتسبب شئنا أم أبينا في فقدان الطعام بعض من قيمته الغذائية، لكن المشكلة هنا أن هذه النسبة تشكل ضرر أكبر بمقدار الثلث عن ما إذا قمت بغلي البروكلي مثلا.

لذا فيمكننا وصف الميكروويف بأنه لص يسرق الفوائد الغذائية للطعام، وذلك بحسب نتائج تلك الدراسة .. التي جاءت بعض الآراء للرد عليها.

رأي كلية الطب في جامعة هارفارد الأمريكية:

في فبراير عام 2019، نشرت كلية الطب بجامعة هارفارد الأمريكية عبر موقعها الإلكتروني حوارا مع أساتذة فيها عن تأثير الميكروويف على الطعام.

كانت الإجابات واحدة، لكنها مختلفة عن رأي إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA.

ففي النقطة الأولى، قالت الكلية أنه لا يوجد دليل على أن تعرض أجسادنا للميكرووييف قد يؤذيها بطريقة ما.

أما النقطة الثانية، والتي تتعلق بأن الطهي في الميكروويف قد يضر بالعناصر الغذائية في طعامنا.

فكانت الإجابة أنه صحيح أن طهي الطعام بأي طريقة يؤدي إلى تكسير بعض العناصر الغذائية، إذ يؤدي الطهي إلى إتلاف التركيب الكيميائي للمغذيات إلى حد ما.

ميكروويف من إنتاج العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، Mk2010، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

ومع ذلك، هناك الكثير من العناصر الغذائية المتبقية في الطعام بعد طهيه. كما أن الطهي له فائدة مهمة تتمثل في قتل العديد من الميكروبات التي ربما تكون قد تلوثت الطعام - وربما تسببت في مشاكل صحية لو تم أكله بدون طهي.

الكلية الشهيرة ذهبت إلي أبعد من ذلك حينما أضافت أن طهي الطعام بواسطة الميكروويف يسبب فقدان العناصر الغذائية بنسب اقل من الطهي بالطرق التقليدية وذلك ببساطة لأن وقت الطهي يكون أقل من نظيره عند استخدام الفرن التقليدي.

أيضا اعتبرت كلية الطب بجامعة هارفارد أن غلى الطعام أو قليه مثلا في الزيت، يجعل جزء من العناصر الغذائية يسقط في الماء أو الزيت، في حين أن هذا لا يحدث في الميكروويف.

ونعود في هذه النقطة بالذات إلى ما نشرته هيئة الإذاعة البريطانية عن دراسة إجريت عام 2019 انتقدت الدراسات السابقة التي اثبتت فقدان البروكلي لعناصر غذائية مهمة بشكل شبه كامل عند تسخينه بالميكروويف.

وقالت الدراسة أن ذلك لأن التسخين استمر لفترة طويلة، كما أن البروكلي لم يكن وسط ماء أو صلصة أو حساء، في حين أنه لو استمر لمدة دقيقة واحدة فقط، فإن البروكلي سيحتفظ بمعظم عناصره الغذائية.

رأي منظمة الصحة العالمية:

بحسب (منظمة الصحة العالمية WHO)، فإن أشعة الميكروويف لا تسبب أضرارا طالما استُخدم الجهاز بالطريقة الصحيحة.

هذا الرأي يتشابه إذن مع رأي (إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA) الذي سبق وأوضحناه في هذا التقرير.

هل الميكروويف يسبب السرطان؟:

لإعداد هذا التقرير، بحثت (المعرفة للدراسات) في عدد من أهم المصادر الطبية العربية والإنجليزية والأمريكية والألمانية.

لم نعثر في بحثنا هذا عن أي مصدر يتحدث عن أي علاقة بين طهي أو تسخين الطعام في الميكروويف بالتسبب في الإصابة بأمراض السرطان.

كل ما وجدناه في هذا الصدد هو تحذير من طهي أو تسخين اي شئ موضوع داخل عبوات بلاستيكية أو دخل البلاستيك في تصنيعها لما قد ينتج عنه من آثار صحية وخيمة.

وفي النهاية .. وبعد هذا التقرير شاركونا برأيكم .. هل ستشترون أجهزة الميكروويف؟ .. وإذا كنتم تمتلكونها بالفعل هل ستواصلون استخدامها ام لا؟.

تعليقات