زدني معرفة

نبي اللَّهَ لوط .. قصته الكاملة

((وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ)).. كانت تلك هي الآية الكريمة رقم ٧٤ من سورة الأنبياء، تتحدث عن نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام-.

نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام-، صاحب الدعوة إلى التطهر، والقصة التي يجب أن تروي كثيرا في عصرنا الحالي، Mohanad Kh، (CC BY-SA 4.0)، via wikimedia commons.

والحقيقة أن قصة نبي اللَّهَ لوط وبعثته للقرية التي كانت تعمل الخبائث أصبحت أحد أهم قصص الانبياء المرتبطة بعصرنا هذا، ويومنا الذي نعيش فيه.

فبرغم أن الشذوذ الجنسي موجود منذ قديم الأزل، فإن المختلف هذه الأيام هو ما أصبحنا نشاهده من حالة التطبيع معه، بل والترحيب به، واعتباره أمرا طبيعيا بل وحق من الحقوق.

إن أهمية قصة نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- هي أنها بمثابة التذكير الدائم بعظم هذا الذنب، وأنه من الخبائث، والذي أدي في النهاية إلى هلاك هذه القرية وتدميرها.

قوم لوط:

في البداية، ينبغي الإشارة إلى أن النبي لوط -عليه السلام- لم يكن ينتمي إلى القرية التي بعث إليها أصلا، ولم يكن تصله بهم قرابة أو دم.

فقوم لوط كانوا خليطا من الكنعانيين ومن بعض الأعراق الأخرى الذين عاشوا معا في نفس المكان (يعتقد أنه موجود حاليا في الأردن).

ولم يكن النبي لوط -عليه السلام- ينتمي إليهم، بل نزل منطقتهم التي كانت تسمي (سدوم) و (عمورة) وعاش بينهم يدعوهم برسالة ربه أن يقلعوا عن الفاحشة.

سدوم .. ذلك الاسم الذي سيرتبط دوما في التاريخ بقوم لوط الذين انتهت قصته بعذاب ساحق من ربهم. تقع في منطقة (عين زغر) في غور الكرك بالقرب من البحر الميت بالمملكة الأردنية في وقتنا الحالي.

ومع توالي ما يقال عن اكتشاف أماكن القري والمناطق التي عاش فيها قوم لوط، فإننا نذكر بحديث رسول اللَّهَ صلى اللَّهَ عليه وسلم الذي نها فيه أصحابه عن دخول المنطقة التي كان يعيش فيها قوم نبي اللَّهَ صالح -عليه السلام-.

حريق سدوم وعمورة، لوحة بريشة الفنان الهولندي جاكوب دي ويت II، يعتقد أنها مرسومة سنة ١٦٨٠، Daderot، public domain، via wikimedia commons.

قال صلى اللَّهَ عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري في صحيحه: ((لا تَدْخُلُوا علَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ إلَّا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أصَابَهُمْ))، لذا فإن من باب أولى أن لا تخاطر عزيزي القارئ الكريم بدخول هذه المناطق اتقاء من أن تصاب بعذاب من عند اللَّهَ.

فما أصل نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام-.. ومن أين أتي بالتحديد ؟.

مع أبو الأنبياء:

كان لوط -عليه السلام- ابن أخو الخليل إبراهيم -عليه السلام- أبو الأنبياء. تربي على يديه، فخرج صالحا تقيا، فكأن ذلك كان إعدادا لمستقبله في قادم الأيام حيث سيبعث إلى بعض أخبث البشر البلاد الذين خلقهم اللَّهَ.

آمن لوط برسالة عمه النبي إبراهيم -عليه السلام-، وعن ذلك يقول عز وجل في كتابه الحكيم: ((۞ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) {الآية ٢٦ : سورة العنكبوت}.

سيصبح لوط -عليه السلام- نبيا هو أيضا، وسيترك عمته ليقوم برسالته المكلف بها في سدوم، أن يدعو لعبادة اللَّهَ وحده لا شريك له، وأن يترك قوم تلك الأرض ذنبهم البغيض.

وقد تكرر ذكر نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- في القرآن الكريم في أكثر من خمس وعشرين مرة.

ابتداع الفاحشة:

بعث اللَّهَ -عز وجل- نبيه لوط -عليه السلام- إلى قوم ابتدعوا فاحشة إتيان الذكور بدلا من النساء.

وهذا ما ورد في الآية ٨٠ من سورة الأعراف، والتي تروي دعوة نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام-.. يقول تعالى: ((وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ)).

دمار سدوم، لوحة للرسام الهولندي لوكاس فان ليدن، يعتقد أنها رسمها بين عامي ١٥٠٨ : ١٥٣٣، اللوحة حاليا من معروضات متحف اللوفر في باريس، public domain، via wikimedia commons.

وعن ذلك يقول المرحوم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، شيخ جامعة الزيتونة بتونس -عليه رحمة اللَّهَ-، في كتابه ((تفسير التحرير والتنوير)): "إنَّهُ بَعْدَ أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ إتْيانَ الفاحِشَةِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالفاحِشَةِ، وبَّخَهم بِأنَّهم أحْدَثُوها، ولَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً في البَشَرِ فَقَدْ سَنُّوا سُنَّةً سَيِّئَةً لِلْفاحِشِينَ في ذَلِكَ".

كما كان من جوانب إنكار نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- على أهل سدوم وعمورة، أنهم بفعلهم هذا فإنهم يتوقفون عن إعمار الأرض والتناسل، وذلك في قوله تعالى: ((وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ)) {الشعراء : ١٦٦}.

وهذه الآية أيضا توضح لنا أن قوم لوط، ومن يفعلون مثلهم اليوم، لا حجة لهم ولا عذر، ذلك لأن النساء موجودين، فإن كان بهم شهوة، فإن تصريف الشهوة له مكانه، مع سيدة يتزوجها الرجل، لتستمر الحياة بمودة ورحمة، لا بخبائث الأفعال التي تقود إلى الهلاك المحتم للأفراد والمجتمعات.

إن فعل قوم لوط (إتيان الرجال) يمثل في حقيقته التمكن الكامل للشهوة منهم، إلى درجة أن الطرق الطبيعية لممارستها لم تعد ترضيهم أو تكفيهم، كما كان يفعل الرومان قديما من تناول الطعام ثم وضع أيديهم في أفواههم حتى يخرجون الطعام من بطونهم ثم يعودون للأكل مجددا.

هذه الأفعال ليست أفعال لتصريف الشهوة الجنسية أو شهوة الطعام، بل تكشف عن شذوذ كامل لدي الشخص، فلا شيء يرضيه، ولا هم له إلا مواصلة إحراز المتعة بأي وسيلة كانت.

والحقيقة أن الأديان الإلهية الثلاثة، جعلت من هذه الفاحشة وفاعليها إثما وذنبا عظيما، لما فيها أولا من معصية الخالق وتحدى فطرته التي فطر الناس عليها، وثانيا للآثار السلبية صحيا واجتماعيا على كل من يقترفها.

فنقرأ كذلك في التوراة على سبيل المثال: ((وَكَانَ أَهْلُ سَدُومَ أَشْرَارًا وَخُطَاةً لَدَى الرَّبِّ جِدًّا)). (تكوين ١٣: ١٣).

لكن قوم لوط، رفضوا دعوة نبيهم، وأصروا على فعل الفاحشة، بل والأكثر من ذلك أنهم دعوا لإخراجه من قريتهم بحجة أنه إنسان يتطهر، يقول تعالى: ((۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)) {الآية ٥٦ : سورة النمل}.

هلاك سدوم وعمورة، لوحة في مكتبة الأمبروزيانا، ميلان، ايطاليا، من لوحات الفنان الفلمنكي يان بروخل الأكبر، public domain.

والحقيقة أن المتتبع لجواب قوم لوط على دعوة نبيهم، يدرك خطورة هذا الذنب، ففي البداية كانت الدعوة هي مجرد تركهم بدون عقاب أو إنكار عليهم، ثم تحولت الدعوة إلى التسامح معهم، وانتقلت الآن لمرحلة الدفاع عنهم وتحويل الفاحشة إلى حق ينبغي الدفاع عنه.. ولو استمر الوضع على ما هو عليه، فقد نجد دعوة ذات يوم بطرد المتطهرين من بيوتهم وبلادهم.

بين البشرى والدمار:

ومجددا نعود إلى نبي اللَّهَ إبراهيم أبو الأنبياء -عليه السلام-.

ففي النهاية، كان قضاء اللّه على قوم لوط أن ينزل عليهم العذاب فيهلكهم.

وللمفارقة، فإن نفس الملائكة الذين كلفوا بهذه المهمة، كلفوا قبلها بمهمة أخرى لكنها كانت عكسها تماما كانت (بشرى) لنبي اللّه إبراهيم، بأن اللّه سيهبه من زوجته العجوز العقيم ابنا.

ويقص علينا القرآن الكريم تلك الأحداث في سورة لوط، في قوله تعالى: ((قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)).

كما وردت في سورة العنكبوت، في قوله تعالى: ((وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ ۖ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ۚ قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32)).

نهاية قوط لوط:

هكذا، خرج الملائكة من عند نبي اللَّهَ إبراهيم -عليه السلام- ، ليتوجهوا نحو مهمتهم الثانية في سدوم، حيث القوم الذين يفعلون الخبائث، الذين انتكست فطرتهم فلم يعد هناك أي أمل لصلاحهم، فكان لابد من العقوبة، لعلها تكون الرادع الكافي لمن يأتوا بعدهم.

اتجهت الملائكة إلى نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- مباشرة، وقالوا له أنهم سينزلون كضيوف عنده... لكن القرآن الكريم يوضح أنه لم يستقبلهم بسعادة، بل ضاق بهم ذرعا، وذلك ليس إلا نتيجة من خوفه أن يتعرض لهم أهل سدوم ويجبرونهم على فعل الفاحشة.

ارشدت زوجة نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- قومها لضيوف زوجها ليفعلوا معهم الفاحشة، ثم خالفت الأمر مجددا بعدم الالتفات لسدوم وهم يغادرونها، فنالها نصيبها من العذاب، لوحة للرسام الإنجليزي جون مارتن، (CC BY 4.0)، via look and learn.

يقول عز وجل: ((وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)). {الآية ٧٧ : سورة هود}.

ولم يخيب قوم لوط ظن نبيهم فيهم، فجاءوا بسرعة شديدة يستهدفون ضيوفه ليفعلوا معهم السيئات التي اعتادوا عليها، وذلك بعد أن وشت بهم زوجة نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام-.

ويبدو أن زوجته قد وصفت لهم الضيوف كما كانوا فعلا، أنهم أفضل وأجمل من رأت، ما آثار شهوة واندفاع هؤلاء القوم بصورة عمياء منفلتة، لدرجة أن نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- عرض عليهم أن يزوجهم بناته مقابل أن يتركوا ضيوفه، لكنهم رفضوا وأصروا على عدوانهم.

ونود هنا التأكيد على نقطة غاية في الأهمية، وهي أن نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- لم يدعوا قومه لنكاح بناته في معصية أو بدون زواج، بل إن نبي اللَّهَ وكما ورد في كل كتب الفقه والتفسير أراد أن يعرض عليهم الزواج، ونكاح النساء كأزواج وزوجات وفي ذلك استمرار لدعوته أصلا.

يقول عز وجل في كتابه الحكيم: (( وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ)) {الآية ٧٨ : سورة هود}.

ولكن قوم لوط رفضوا الطهارة، رفضوا فطرة اللَّهَ التي خلق الناس عليها، وصمموا على نياتهم الخبيثة.

يقول تعالى: ((قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ)) {الآية ٧٩ : سورة هود}.

وهنا يشعر نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- بقلة قوته، وعدم استطاعته الدفاع عن ضيوفه، فيصاب بغم شديد، ويتمني أن لو كان عنده القوة اللازمة لردهم.

هلاك سدوم و عمورة، Kunsthaus Lempertz، Public Domain، via picryl.

يقول عز وجل: ((قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ)) {الآية ٨٠ : سورة هود}.

وبالفعل كان نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- لديه القوة ولديه المنعة، وهو كان يعلم ذلك، وعن هذا يقول رسول اللَّهَ صلى اللَّهَ عليه وسلمفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم: ((يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ)).

هنا، يكشف الملائكة حقيقتهم لنبي اللَّهَ لوط -عليه السلام-، ويطلبون منه أن يغادر هو ومن آمنوا معه في الليل، لكن بدون زوجته، تلك التي شجعت القوم على الاستمرار في فعل هذه الخبائث، ويخبرون النبي أن الصبح سيكون موعد عذاب هذه القرية.

كما يحذر الملائكة نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- من أن يلتفت أي شخص منهم ناحية القرية، وكأن مجرد النظر لهذا العذاب، مجرد النظر سيكون عقابا.

وورد ذكر ذلك أيضا في كتاب اللَّهَ الحكيم: ((قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ قريب)).

وفي النهاية، يلقي قوم لوط مصيرهم بعد طول عنادهم مع نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- ورفضهم لدعوته، رفضهم للفطرة، رفضهم للتطهر، فكانت النتيجة المحتومة، ما جاء في قوله تعالى في الآيات من سورة هود: ((فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)).

ستسمي سدوم و عمورة أيضا في القرآن الكريم بالمؤتفكات، ويقصد بهذا أن الأرض قد انقلبت بهم، فصار عاليها سافلها، وفي هذا قول الحق سبحانه وتعالى في سورة النجم: (( وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ (54)).

سدوم العصر الحديث:

تلك كانت النهاية، نهاية سدوم وأهلها الذين كانوا يفعلون الخبائث، وظلت تلك النهاية طوال التاريخ عبرة وعظة، حتى لمن تجرأ وارتكب تلك الفاحشة، فكان هؤلاء طوال الوقت حريصين على فعلها في السر دون علن أو إعلان.

كان قوم لوط في سدوم قاصرين في فسادهم وإفسادهم على أنفسهم، في نطاقهم الجغرافي، أو حتى من قاده حظه العاثر للمرور به والوقوع في أيديهم.

لكننا اليوم، وفي سدوم العصر الحديث، ومع تطور أجهزة الاتصالات وانتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، والتطبيقات المختلفة، كل ذلك سهل من ظهور دعوات تطبيع بل وتجميل صورة هذه الفاحشة المهلكة.

لقد رأينا أعمالا أدبية تفعل ذلك، وكذلك روجت له السينما والدراما، بل إن أشهر دوريات كرة القدم في العالم فعل نفس الشيء.

أصبح من يهاجم هذا الفعل مصابا بالرهاب من المثلية، فتبدلت المواقع والمقاعد، وأصبح الذنب العظيم في جميع الأديان الإلهية مرضا، وأصبح فعله مسموحا به، بل ومروجا له، ويدافع عنه.

الأكثر غرابة وإثارة للدهشة أن سدوم العصر الحديث، وعندما بدأت تنال جزء ضئيلا للغاية من عقابها الإلهي، كما ظهر على سبيل المثال مع انتشار مرض جدري القرود بين ممارسي الشذوذ الجنسي، انبرت وسائل الإعلام لمحاولة الفصل بين هذا وذاك.

رد الدكتور ياسر الشربيني على سؤال علاقة الشذوذ الجنسي بمرض جدري القرود.

لقد أحسن الدكتور المصري الجنسية (ياسر الشربيني) أستاذ المناعة بجامعة نوتنجهام البريطانية، عندما أجاب في برنامج تلفزيوني عن سؤال تعلق ببيان منظمة الصحة العالمية WHO، تضمن نفي أكثر من مرة لوجود علاقة بين الشذوذ الجنسي وجدري القرود.

حينها قال الشربيني، أستاذ المناعة بجامعة نوتنجهام البريطانية: (فليقولوا ما يريدون قوله، لكن الشيء الواقعي أن أغلب المصابين بالمرض هم من المثليين جنسيا، بالذات الرجال المثليين جنسيا، وقد أثبتت الدراسات أن مرض جدري القرود ينتقل بينهم أكثر من غيرهم، وحتى أن بعض الدول مثل أمريكا وانجلترا يعطون الأولوية في الحصول على اللقاح المضاد للفيروس للمثللين جنسيا).

فهل يتعظ كل الدعاة لإقامة سدوم العصر الحديث من قصة نبي اللَّهَ لوط -عليه السلام- .. وهل يعيدهم جدري القرود إلى فطرة البشر؟.... ام سيواصلون رحلتهم نحو هلاكهم وهلاك كل من يتبعهم.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -