زدني معرفة

جزيرة فيلكا الكويتية.. قصتها الكاملة منذ آلاف السنين.. وحاضرها الذي يأبى الموت

جزيرة فيلكا (ينطقها الكويتيين بلهجتهم المحلية فيلچا).

الأطلال، عنوان للكثير من الأشياء في جزيرة فيلكا، صورة لمبني بنك الكويت في الجزيرة، يبدو واضحا عليه آثار طلقات رصاص، كشاهد على معركة دارت دفاعا عنه إبان الغزو العراقي للكويت، ரோஜா، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

إنها تلك الجزيرة التي شهدت على قدوم الإسكندر الأكبر إلى الخليج منذ آلاف السنين.

قصة جزيرة فيلكا:

على بعد يقارب ٢٠ كم شمال شرق العاصمة الكويتية (مدينة الكويت)، وداخل مياه الخليج، تقع جزيرة فيلكا.

الجزيرة ليست كبيرة حغرافيا، فكامل مساحتها نحو ٤٢كم متر مربع فقط، (بطول ١٢ كم تقريبا، وعرض ٦ كم)، ومع هذا فهي مساحة كافية لتجعل فيلكا ثاني أكبر الجزر الكويتية بعد جزيرة بوبيان.

ويعتقد أن اسم (فيلكا)، الذي كان سكانها المحليون ينطقونها (فيلچا) قد جاء اشتقاقا من كلمة (فلج) والتي تعني القناة المحفورة لتجميع مياه الأمطار أو مياه الآبار أو المياه التي تتفجر من العيون.

يدلنا هذا بطبيعة الحال على أحد أهم الأنشطة التي مارسها سكان جزيرة فيلكا لقرون متواصلة، وهي ((الزراعة)).

وبصورة عامة، شكلت الزراعة وصيد الأسماك، وصيد اللؤلؤ، الأنشطة الرئيسية لسكان فيلكا جيلا بعد جيل، حتى تم اكتشاف النفط في الكويت، وما تبع ذلك الحدث التاريخي من تحضر وتمدن سريع حققته الكويت، وكانت جزيرة فيلكا واحدة من المناطق التي تطورت وعرفت الطرق الممهدة والسيارات والمستشفيات الحديثة والمدارس (بنيت أول مدرسة في الجزيرة عام ١٩٣٥ أي قبل اكتشاف النفط فيها)، وغيرها من مظاهر الحضارة التي وفرتها عائدات النفط للكويت.

هناك رواية أخرى تقول أن جزيرة فيلكا، سميت بهذا الاسم كنوع من التحريف الذي حدث مع مرور الزمن لكلمة (فيلاكيو) وهي كلمة إغريقية تعني (نقطة التمركز)، ويستشهدون لتأييد وجهة النظر تلك، بأن الجزيرة حبلى بالآثار الإغريقية القديمة.

بجانب الآثار، كانت فيلكا على مدار سنوات طويلة متعاقدة نقطة اتصال بحرية هامة في منطقة الخليج، تمر بها السفن وتتوقف عندها في رحلاتها ذهابا وإيابا.

الإغريق، السومريين، المسلمين، حضارات متعددة تعاقبت في المرور على هذا الشاطئ، شاطئ جزيرة فيلكا الذي ظل ثابتا لم يغيره مرور القرون عليه، ரோஜா، (CC BY-SA 3.0)، via wikimedia commons.

وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، (اليونسكو)، فإنه ومنذ ظهور مدينة (أور) عاصمة الدولة السومرية (تقع حاليا في العراق)، والتي يعتقد على نطاق واسع أنها شهدت ميلاد أبو الأنبياء "إبراهيم" عليه السلام.

منذ أن ظهرت هذه المدينة العظيمة خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، أصبحت جزيرة فيلكا موقعًا استراتيجيًا هاما.

فمن جزيرة فيلكا، والكلام هنا لليونسكو، كان من الممكن وضع قوة لتأمين التجارة البحرية التي مرت عبر الخليج، كما تم بناء ميناءين على الجزيرة، وسمحت المياه الصالحة للشرب والتربة الخصبة باستمرار الحياة عليها عبر القرون.

وتقول هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في تقرير لها عن جزيرة فيلكا أنها كانت قاعدة لجيوش الإسكندر الأكبر.

كما تشير مصادر أخرى إلي نقطة من نقاط تميز فيلكا، والمتمثلة في كونها خليط من أجناس بشرية متعددة تعاقبوا على زيارتها والعيش فيها على مر السنين.

هذا التنوع يعطي لأي مجتمع صغيرا أو كبيرا، الفرصة للتطور، الفرصة لأن تتحسن الجينات فيه، الفرصة لكي يأخذ الأفضل من كل شيء ، وهو بلا شك أفضل من المجتمعات المنغلقة على نفسها والتي تكبل نفسها بنفسها في الأرض.

إذن نحن نتحدث عن جزيرة تعاقبت عليها الحضارات، من الإغريقية إلي السومرية والإسلامية، جزيرة قادمة من أعماق أعماق التاريخ، وحملت على أرضها الصغيرة مساحة الغنية تاريخا نحو ٤٥ موقعا أثريا من مختلف الحضارات والعصور.

هذه الفترة الزمنية الطويلة، جعلت هناك متسعا كعادة الإنسان دوما، لمزج الحقيقة بالخيال، فعلى سبيل المثال، ارتبطت جزيرة فيلكا دوما بإدعاء وجود قبر عبد الله الصالح (الخضر) صاحب اللقاء الشهير بنبي الله موسي عليه السلام.

صورة لما تم الإدعاء بأنه قبر الخضر عليه السلام في جزيرة فيلكا، قامت السلطات الكويتية بهدمه عقب انتشار المخالفات الشرعية والعقائدية حوله.

علماء الدين الإسلامي أكدوا أن هذا المقام لا علاقة له بالخضر، وقد هدمته السلطات الكويتية في السبعينيات مخافة أن يفتن الناس، أو يعتقدوا اعتقادات خاطئة، خصوصا ما ظهر حينها من تقديم بعض النذور والقرب لمن ظن الناس أنه الخضر، واستغلال بعض الأفاقين لذلك.

وفي حين نجت جزيرة فيلكا طيلة هذا الوقت من تقلبات الدهر ونوائبه، فإن حدثا ما وقع في أغسطس ١٩٩٠، غير كل شيء.

الوضع السكاني في جزيرة فيلكا:

المميز هناك في جزيرة فيلكا هو العادة الدائمة للمناطق والمجتمعات الصغيرة، إنه ذلك الهدوء المغلف بترابط السكان.

أهل فيلكا يعرفون بعضهم جيدا، هكذا أعطتهم الحياة فرصة لذلك، بيوتهم متقاربة، وتصاهروا مع بعضهم جيلا فجيلا، وغالبا ما تجد أن كل عائلة لها صلات قرابة مع بقية عائلات الجزيرة بلا استثناء.

وبلا مبالغات، تشكل في الجزيرة مجتمع صحي وقوي الأركان، تمتع بتعاون أهله وألفتهم، وشكل نموذجا متميزا في العيش المشترك.

لكن كل شيء مكتوب هنا ينطبق عليه وصف (كان)، أي أنه شيء من الماضي، لقد تغير كل شيء في أيام نحسات، بدأت في الثاني من أغسطس ١٩٩٠، حينما قرر صدام حسين أن يغزو الكويت ويشعل المنطقة.

القوات العراقية تحتل جزيرة فيلكا:

ففي الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم، كان على جزيرة فيلكا أن تتلقي نصيبها من الغزو.

إذ بدأت فرقاطتان من البحرية العراقية في تنفيذ قصف لجزيرة فيلكا، قصف لم ينقطع لمدة ثلاث ساعات متواصلة، مستهدفا مواقع القوات الكويتية المدافعة عن الجزيرة.

لا تزال المعدات العسكرية المدمرة ومعظمها من مخلفات الجيش العراقي، شاهدة على معارك حرب الخليج التي دار جزء منها على أرض جزيرة فيلكا.

وبالنظر لتتابع الهجوم العراقي على فيلكا، ينكشف لنا أن العراقيين كانوا مهتمين للغاية بالسيطرة على الجزيرة، فمع حلول الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم (٢ أغسطس ١٩٩٠)، تم الدفع بقوة كبيرة للسيطرة على الجزيرة (تقدر بقوة لواء كامل) من القوات الخاصة ومشاة البحرية.

تمكنت هذه القوة الضخمة بطبيعة الحال من السيطرة على الجزيرة، وتم أسر من تبقي من المدافعين الكويتيين عنها، كان ذلك اليوم إيذانا ببدء صفحة جديدة في تاريخ جزيرة فيلكا.

تهجير أهالى جزيرة فيلكا:

لعدة أسباب، قررت قوات الغزو العراقي، تهجير سكان جزيرة فيلكا الأصليين من سكانها الكويتيين وغيرهم من المقيمين للعمل في الجزيرة والقادمين من عدة دول، وكانوا جميعا لا يزيدون بحسب آخر تعداد تم في عام ١٩٨٥، أي قبل الحرب بأقل من خمس سنوات، عن ٦ آلاف نسمة.

فالجزيرة ذات أهمية إستراتيجية كبيرة، فهي في عمق الخليج، تواجه الساحل الكويتي والعراقي معا في آن واحد.

علاوة على ذلك، كان إخراج الكويتيين منها يعني تأمينها تماما من أي أنشطة مقاومة ضد الغزو، ما يسمح بتواجد أي قوات يريدون وضعها فيها بدون خطر على تواجدها هناك.

لم يكن قرار التهجير هذا مجرد إبعاد إناس عن موطنهم، بمعني أنه ومثل كثير من الكويتيين سيكون بمقدورهم العودة إلي الجزيرة عقب نهاية الغزو على يد التحالف الدولي.

على العكس من ذلك، استمر سكان جزيرة فيلكا بعيدا عن جزيرتهم التي أحاطتها قوات الغزو العراقي بالكثير من حقول الألغام البحرية، وبالتحديد عدد ٣ حقول ألغام أحاطت بساحل الجزيرة، كما تم زرع العديد من حقول بين النقاط الدفاعية في فيلكا.

بخلاف حقول الألغام، خلف الهجوم العراقي على جزيرة فيلكا، دمارا شديدا سواء في مرافقها أو في منازل السكان، ما شكل سببا آخر في عدم قدرة أهلها على العودة إليها.

صورة حديثة لجزيرة فيلكا، ويظهر فيها مئذنة أحد مساجد الجزيرة. 

وكنوع من التعويض عن الأضرار المادية الكبيرة التي أصابتهم، شكلت الحكومة الكويتية لجان تقييم لها، وصرفت التعويضات المستحقة لأهالي فيلكا الذين هجروا منها قسريا، تاركين خلفهم بيوتهم وكل ما يمتلكون فيها.

العودة إلي فيلكا:

كثيرة وعلى مدار التاريخ، وفي مختلف الشعوب، كثيرة هي القصص والروايات والأشعار والحكم، التي تتحدث عن الحنين للأرض التي عاش فيها الإنسان طفولته، صباه، وشبابه.

ولم تكن جزيرة فيلكا استثناءا من ذلك، بل على العكس، فإن سحرها وجاذبيتها التي وهبتها لها الطبيعة، زادت من هذه المشاعر في نفوس أبنائها.

بصورة منتظمة أو متقطعة، يحرص الكثير من سكان جزيرة فيلكا الكويتية إلي العودة إليها حينا بعد حين.

في خلال السنوات القليلة الماضية، قامت الحكومة الكويتية بإعادة ترميم مسجد الشيخة فتوح الصباح، بمعاونة الأهالي، وهو المسجد الوحيد الذي يذكر فيه اسم الله حاليا في جزيرة فيلكا.

هؤلاء المجذوبين بالحنين إلي جذورهم في فيلكا، والذين يعودون إليها بين الفينة والأخرى، قام بعضهم بإعادة ترميم منزله، حتى يستطيع المكوث فيه حين قدومه.

ومع ذلك تظل العودة إلي فيلكا، عودة على استحياء، بالرغم من كونها ثاني أكبر الجزر الكويتية، وبرغم من أن لها أهلها الذين يشتاقون للعودة إليها وخصوصا كبار السن الذين يريدون أن تكون أيامهم الأخيرة عليها ويدفنون فيها بجوار الأباء والأجداد.

وبجانب كل هذا، فإن فيلكا أصلا مكانا من الممكن استغلاله اقتصاديا في عدة أنشطة منها الصيد السمكي بأساطيل السفن الحديثة والمجهزة، وكذلك بعض مناطقها لا تزال صالحة للزراعة، ولا ننسي أنها وجهة ترفيهية متميزة، مع ما تحتويه من شواطئ رائعة، وجذب للسياحة الثقافية أيضا كأحد أقدم الحضارات في منطقة الخليج.

واحدة من العبارات التي تستخدمها إحدي الشركات السياحية لتنظيم رحلات إلي جزيرة فيلكا الكويتية.

حتى اليوم لا يوجد في فيلكا سوى (القرية التراثية)، وهي منكقة تجذب الزوار إليها من باقي مدن الكويت، عبر عبارات سريعة تنقلهم إلي الجزيرة، في رحلات ذهاب وعودة في نفس اليوم.

كما تتواجد شاليهات مطلة على مياه الخليج، يحجزها الراغبين لبعض الليالي لقضاء وقت ممتع والاستمتاع بتجربة مميزة في جزيرة فيلكا.

وفي يناير ٢٠٢٢، تقدم النائب في البرلمان الكويتي أسامة الشاهين باقتراح نظرا لتوافد أعداد كبيرة من الزائرين لقضاء أوقات طويلة أحيانا ما يستلزم توفير المواد الغذائية والاستهلاكية لمرتادي جزيرة فيلكا، حتى لا يضطر مرتادوها إلى العودة للتزود بالمواد الغذائية. وتمثل هذا الاقتراح في  فتح فرع لإحدى الجمعيات التعاونية الاستهلاكية بجزيرة فيلكا لتوفير السلع والمواد الغذائية وغيرها لمرتاديها.

النائب أسامة الشاهين نفسه، تقدم بمشروع لإعادة أهالي جزيرة فيلكا ممن سبق له السكن بها أو لأحد أصوله لمدة جاوزت عشر سنوات، إلي الجزيرة لإعمارها مجددا.

تأبى جزيرة فيلكا الموت، تأبي أن تصبح آثرا منسيا، فهل تتجه إليها أنظار الكويتيين بما تستحق من اهتمام؟. خصوصا وأن للكويت تجربة بناء جسر الشيخ جابر الأحمد الصباح، الذي يربط بين مدينة الكويت ومنطقة الصبية، ويصل طوله إلى ٣٧،٥ كم.

تحتاج جزيرة فيلكا إلي جسر سيكون أقل من هذا الجسر من حيث الطول وربما التكلفة من باب أولى، فالمسافة بينها وبين مدينة الكويت تتراوح بين ٢٠ : ٢٥ كم. ولا يبقي إلا قرار الكويتيين أنفسهم. والأمل معقود حاليا في مشروع "كويت جديدة ٢٠٣٥"، والذي يشمل في جزء منه خطط طموحة لتطوير الجزر الكويتية ، بأن يمد يده لتشمل جزيرة فيلكا أيضا.

وأنتم أخبرونا .. هل زرتم جزيرة فيلكا من قبل؟.. وهل لديكم اقتراحات أو أفكار لتطويرها وإعادة الحياة إليها من جديد؟.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -