زدني معرفة

حول الفلسفة الإسلامية للمواريث.. هل ظلم الإسلام المرأة في توزيع الميراث

 حول الفلسفة الإسلامية للمواريث.. هل ظلم الإسلام المرأة في توزيع الميراث

جاء مما شرع الخالق أحكم الحاكمين في كتابه القرآن الكريم، الذي نزل به الروح الأمين علي قلب المصطفى المختار تشريع توزيع تركة كل مسلم ومسلمة بعد الوفاة، مع تحديد دقيق ومحكم لأنصبة كل وريث حتى تنتقل إلي ملكيته.

تكثر الدعاوى القائلة بأن الإسلام قد ظلم المرأة في تحديد نصيبها في الميراث. 

كما تلي هذا عددا من الأحكام الفقهية في عدد من مسائل المواريث التي اجتهد فيها الصحابة رضوان الله عليهم، والفقهاء من بعدهم، ليكون الميراث بهذا علما قائما بذاته. أوصي النبي بتعلمه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: ((تعلموا الفرائض وعلموها للناس فإنها نصف العلم، وهو أول شيء ينسي، وهو أول علم ينتزع من أمتي))(1).

طعن في الدين:

من أبرز مطاعن المستشرقين، ومعهم للأسف بعض من أبناء جلدتنا المتأثرين بهم، والتي استخدمها كذلك الملحدين في محاولاتهم المتكررة للنيل من الدين الإسلامي، فكرة الحكم بميراث الذكر مثل حظ الأنثيين، فاتخذوها مطية لإلصاق تهمة مفادها أن الإسلام قد ميز الرجال عن النساء، وأعطاهم أكثر مما أعطاهن.

وفي هذا الطعن أصلا إما جهل، وإما حقد، وكبرت الحقيقة أن يكون الجهل أو الحقد مصدرا لها، فهو طعن يتجاهل في البداية وضع المرأة قبل الإسلام، فبينما كانت تعد كالمتاع عند بعض الشعوب، بل قد تدخل هي نفسها ضمن التركة وتؤول إلي واحد من الورثة، كانت لدي البعض الأخر من الشعوب لا ترث أصلا.

من المهم دوما أن نقول هذا، لكن من المهم أيضا أن ندرك أن الناس حقيقة يريدون سماع ما يمس حاضرهم أيضا، من المهم للنساء المسلمات أن يعرفن حقيقة الأمر كله، لا وضع النساء قبل البعثة المحمدية فحسب. فندحض تلك الحجة الكاذبة الجاهلة الحاقدة.

فلسفة الميراث في الإسلام:

يجب أولا أن نفهم ونؤمن بل ونرضى تمام الرضا بأن الميراث في الإسلام ليس مسألة اختيارية، يتاح للناس فيها ما قد يتاح في غيرها من المسائل الظنية، بل إن أحكامها محسومة بنصوص قطعية الدلالة قطعية الثبوت، وهي من حدود الله كما يقول تعالى: ((تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14))). }النساء 13 : 14{.

ولتلك الأحكام فلسفة إلهية حكيمة يجب بعد إيماننا ورضائنا أن نفهمها، فيكون إيماننا بها إيمان الفاهمين العارفين، و(فلسفة الميراث في الإسلام) هي عنوان لمؤلف من أهم مؤلفات المرحوم الدكتور محمد عمارة، عضو (هيئة كبار العلماء) التابعة للأزهر الشريف، والتي تعد المرجعية الدينية العليا في مصر منذ عام 1911 حينما تم تأسيسها، في حين أن الأزهر الشريف نفسه قد تم تأسيسه منذ أكثر من ألف عام.

وقد أوضح الدكتور عمارة في كتابه ضلال وخطأ من يعتقد أو يقول بأن الإسلام قد فضل أو ميز الرجال عن النساء في المواريث، فالمعايير الحاكمة لتحديد نصيب كل وريث لا علاقة تربط بينها وبين التذكير أو التأنيث.

فيأتي المعيار الأول وهو (درجة القرابة) ومفاده أنه كلما اقترب الوارث من المتوفى في درجة القرابة، فأن نصيبه بالتبعية يكون أكبر وذلك دون اعتبار لجنسه.

كان للمرحوم الدكتور محمد عمارة كتابا هاما يحمل اسم "فلسفة الميراث في الإسلام" رد فيه بشكل عملى على إكذوبة أن الإسلام ظلم المرأة في الميراث، كما كان له حلقة شهيرة هاجم فيها أفكار المفكرة الليبرالية الراحلة نوال السعداوي في تلك القضية، تجدون أهم جزء فيها في تقريرنا هذا.

ثم المعيار الثاني، وهو من استقرائي الخاص لجميع حالات الميراث معيار مهم للغاية، بل قد أضعه في مرتبة أهم المعايير علي الإطلاق، ويتمثل في (استقبال الحياة من استدبارها).

ويعني هذا المعيار أنه كلما كان الوارث من جيل أصغر سنا، فأنه يرث نصيبا أكثر من نصيب من هو أكبر منه سنا، وذلك باعتبار أنه هو من يستقبل الحياة، ويستعد لتحمل أعباء الأيام القادمة ومصاعبها.

ولنضرب هنا مثالين، فإذا توفي رجل، فأن ابنته ترث أكثر من أبيه إذا كان علي قيد الحياة، مع أنه بالحسابات المادية المجردة التي يهواها من يهاجمون الإسلام وفلسفة الميراث فيه، فأن الأب هو سبب حياة أبنه المتوفى أصلا، وهو من أنفق عمره وماله علي تعليمه وتنشئته، فيصبح هو وكل ماله نتيجة لجهد الأب، وهناك حديث نبوي شريف يقترب من هذا المعني، وبالتالي يكون هو الأحق بأكبر نصيب من ميراث ولده، ولكن هذا لم يحدث، فجاء نصيب البنت وهي أنثي أكثر من نصيب الأب وهو ذكر، اعمالا لمعيار أنها هي التي تستقبل الحياة وهو من يستدبرها.

المثال الثاني هنا نجد فيه أن البنت التي مات أبيها، ترث من أبيها المتوفي أكثر مما ترث أمها، وكلاهما أنثي، لكن البنت لاتزال تستقبل الحياة ومصاعبها، وذلك تطبيقا لذات المعيار الثاني وهو "استقبال الحياة من استدبارها".

وأما المعيار الثالث فيتمثل في (الالتزام بالنفقة) والذي يجعل الرجال هم الملتزمون بالإنفاق علي النساء، وهو ما ينتج عنه -وصف أستعيره من الدكتور عمارة- (تفاوت ظاهري) الذي لا يقع معه ظلم للأنثى التي تحتفظ بمالها لنفسها، دون أن تحملها الشريعة أي التزام بأي نفقة، وأنها إن فعلت هذا يكون من باب "الفضل" لا "الواجب" .

وقد يقول قائل هنا أننا أصبحنا نعيش في عصر نزلت فيه المرأة للعمل، بل أن الكثير من الأسر العربية والمسلمة حسب الاحصائيات الحديثة أصبحت تعيش بما تنفقه المرأة، حتى أنه قد ظهر مصطلح (المرأة المعيلة) التي تنفق وليس الرجل الذي قد يكون متوفى، أو عاجزا، أو حتى تاركا لمسئوليته مفرطا فيها. وفي بعض الدول تصل نسبة الأسر التي تعولها سيدة إلي 30% بحسب عدد من الإحصائيات الرسمية.

والحقيقة أن هذا أمر واقع لا يمكن إنكاره، لكن الواجب حياله هو تغيير تلك الظروف المعكوسة، لا تغيير شرع الله الذي نزل علي محمد ، إننا لا نتحدث هنا عن تطور كي نجاريه، بل عن سوء أحوال، واختلال موازين، وفطرة انقلبت.

المناظرة التاريخية بين الدكتور محمد عمارة ونوال السعدواي عن المرأة في الإسلام، مقتطف من رد الدكتور محمد عمارة على ما قالته السعداوي عن ظلم المرأة في المواريث.

وهكذا فأنه حتى وإن امتلكت المرأة من المال ما ملكت، فلا ينبغي أصلا الزامها بالأنفاق علي أسرتها، وبالتالي فلا يصح اتخاذ وضع مقلوب أساسا لدعوة تغيير شرع الله.

إن الحكيم أو حتى العاقل إذا أراد أن يسلك طريقا لا يعرفه، فسيلتمس مبصرا واحدا عالما به، فذلك خير له من ألف من فاقدي البصر، وهكذا ينبغي أن ندرك أن الأمر نفسه حين نتحدث عن شرائع رب العباد الذي هو بصير خبير بعباده، يعرف مصالحهم وما يصلحهم في دنيتهم وآخرتهم.

حالات الميراث المتعددة:

مما يثير الدهشة، اقتصار حديث من يحاول مهاجمة التشريع الإلهي في نظام المواريث علي حالة ميراث الذكر لمثل حظ الأنثيين، والتي لا تحدث إلا في أربع حالات فقط ضمن ما يزيد عن ثلاثين حالة من حالات الميراث. 

وهؤلاء حين يفعلون ذلك، فإنه يفعلونه وهم غاضين أبصارهم عمدا أو عميا عن باقي الحالات التي يتساوى فيها ميراث الذكر مع الأنثى، والحالات التي قد يزيد فيها ميراث الأنثى عن الذكر، بل وتلك التي قد يصل فيها الأمر إلي حد حجب الأنثى الميراث عن الذكر فلا يرث شيئا أصلا.

والسؤال الذي يطرح نفسه تلقائيا في هذا المقام، لماذا لا نحس أحدا من هؤلاء الداعين للعبث في أحكام المواريث يتحدث عن المساواة في جميع حالات المواريث، أم أن أعينهم لا تتوقف إلا عند هذه الحالات الأربع في حالة مثيرة للدهشة والاستغراب والكثير من علامات الاستفهام والتعجب حول الدوافع الحقيقية لهؤلاء.

وإذا كان المجال هنا لا يسعني أن أبسط كل تلك الحالات التي يتساوى فيها ميراث الذكر مع الأنثى أو يزيد فيها ميراث الأنثى، أو حتى ترث هي ولا يرث الرجل، وهي أغلب حالات المواريث في الإسلام، فأنه يكفي ويزيد للتأكيد علي ما يلي:

  • أولا: أنه لا اجتهاد مع الأحكام الثابتة بنصوص قطعية الدلالة، قطعية الثبوت، وأن حتى النصوص الظنية الدلالة أو الثبوت التي يتسع معها المجال للاجتهاد، ينبغي في من يتصدى للاجتهاد والنظر بها أن تتوفر فيه شروط العلم والدين والورع، وخصوصا إذا كانت متعلقة بأحكام تمس المجتمع كافة كأحكام المواريث، وليست مجرد حكم في مسألة فردية.
  • ثانيا: أن أكبر فرض في كل حالات الميراث في الإسلام هو (الثلثين) وقد خصص للنساء لا للرجال، وبوضع هذه الحقيقة الموضوعية مع ما سلف بيانه من تعدد حالات الميراث لأكثر من ثلاثين حالة، يتضح في النهاية أن كل هذه الدعوات إنما هي حملة اجتراء وتشنيع علي دين الله لمجموعة من الذين في قلوبهم مرض.
  • ثالثا: إنه لا حكم أفضل ولا أحكم ولا أعدل ولا أكثر ملائمة ومراعاة لمصالح الناس من حكم الله عز وجل، بل أنه لا ينبغي ولا يصح أن يوضع موضع مقارنة مع أحكام البشر الوضعية، فهو العدل المطلق والخير التام، وفي ذلك نقرأ من كتاب الله الحكيم قوله تعالى: ((أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116))). }الأنعام 114 : 116{وقوله عز وجل: ((وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50))). }المائدة 49 : 50{.

الطبيب والمؤرخ النفسي الشهير غوستاف لوبون، Lisens: Falt i det fri (Public domain).

وفي النهاية تنبغي الإشارة إلي حقيقة أنه حتى المنصفين من المفكرين الغربيين قد شهدوا بأفضلية وعدل منظومة المواريث الإسلامية فيما يتعلق بالمرأة، ومن أبرز ما قيل في هذا الصدد ما قاله الطبيب والمؤرخ الفرنسي الشهير (غوستاف لوبون) في كتابه الهام (حضارة العرب): 

(وتعد مبادئ المواريث التي نصّ عليها القرآن بالغة العدل والإنصاف، ويمكن القارئ أن يدرك هذا من الآيات التي أنقلها منه ..... ويظهر من مقابلتي بينها وبين الحقوق الفرنسية والإنكليزية أن الشريعة الإسلامية منحت الزوجات اللائي يزعم أن المسلمين لا يعاشرونهن بالمعروف، حقوقا في المواريث لا تجد مثلها في قوانيننا)(2).

إنه العدل والفضل الذي شهد به حتى من هم من غير المسلمين والذي سيظل دوما هكذا ببساطة لأنه من عند الله مهما حاول المرجفون أن يطعنوا فيه أو ينالوا منه، فأن الله سيحق الحق بكلماته ولو كرهوا.

وفي الختام فإننا ندعوكم جميعا لقراءة تقريرنا : ((ظلم الأخت في الميراث..جريمة أكل ميراث الأخت وعقوبتها في الدنيا والآخرة)).

الهوامش:

(1)   رواه الدارقطني (4/67) ، (4/81) ، التزمذى (3/279).

(2)   غوستاف لوبون، حضارة العرب، (القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013)، صفحة 402.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -